منذ عقود، يجري التعامل مع 30 ساعة أسبوعيا بالنسبة لأستاذ التعليم الابتدائي وكأنها قاعدة قانونية لا تقبل النقاش، حتى أصبح مجرد طرح السؤال عن مصدرها القانوني يبدو لدى البعض وكأنه خروج عن المألوف. والحال أن العودة إلى النصوص المنظمة لوضعية موظفي وزارة التربية الوطنية تضعنا أمام سؤال أبسط وأعمق في الوقت نفسه: أين يوجد النص القانوني الذي يقول صراحة إن أستاذ التعليم الابتدائي ملزم بـ30 ساعة أسبوعيا؟
السؤال ليس ترفا قانونيا، ولا محاولة للتهرب من العمل، ولا بحثا عن امتياز لفئة دون أخرى، وإنما يتعلق بمبدأ بسيط يفترض أن يحكم الإدارة العمومية: الالتزام المهني لا يبنى على العادة وحدها، ولا على الاجتهاد الإداري، وإنما على سند قانوني أو تنظيمي واضح ومحدد.
فالمرسوم رقم 2.02.854 الصادر في 10 فبراير 2003 بشأن النظام الأساسي الخاص بموظفي وزارة التربية الوطنية، وهو من أهم النصوص التي كانت تنظم وضعية أساتذة التعليم، لم يقل في مادته 15 إن أستاذ التعليم الابتدائي يشتغل 30 ساعة أسبوعيا، وإنما نص صراحة على أن مدة التدريس الأسبوعية لأساتذة التعليم الابتدائي تحدد بقرار مشترك بين السلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية والسلطة الحكومية المكلفة بالمالية والسلطة الحكومية المكلفة بالوظيفة العمومية.
وهذه العبارة ليست تفصيلا لغويا يمكن تجاوزه. فالمشرع التنظيمي، عندما قال “تحدد بقرار مشترك”، يكون قد حدد الأداة القانونية التي ينبغي أن يتم بواسطتها تحديد مدة التدريس. وبالتالي، فإن البحث عن الـ30 ساعة ينبغي أن يقود، قبل أي شيء، إلى ذلك القرار الذي أحالت عليه المادة 15، لا إلى مذكرات تدبيرية أو استعمالات زمن أو وثائق بيداغوجية جاءت في مراحل لاحقة.
والمفارقة أن المرسوم نفسه لا يميز في هذه النقطة بين الابتدائي والإعدادي والتأهيلي. فالمادة 21 بالنسبة لأساتذة التعليم الثانوي الإعدادي، والمادة 26 بالنسبة لأساتذة التعليم الثانوي التأهيلي، تحيلان بدورهما على قرار مشترك لتحديد مدة التدريس الأسبوعية. أي أن 30 ساعة ليست وحدها التي تحتاج إلى سند تنظيمي، بل إن مدد التدريس بمختلف الأسلاك كانت، في المرسوم المذكور، بحاجة إلى قرار يحددها.
وهنا تبدأ المفارقة التي تستحق النقاش إذا كان تحديد مدة التدريس يحتاج إلى نص تنظيمي، فكيف تحولت الـ30 ساعة في الابتدائي إلى حقيقة قانونية مفترضة لمجرد أنها ظلت مطبقة لسنوات.
بل هناك من يربط ساعات عمل الأساتذة بالسلك الابتدائي بالزمن المدرسي للمتعلم غير أن الواقع العملي يقول إن أستاذ التعليم الثانوي التأهيلي يشتغل في الغالب في حدود 21 ساعة أسبوعيا، وأستاذ التعليم الثانوي الإعدادي في حدود 24 ساعة، رغم أن التلميذ في هذه الأسلاك يظل في المؤسسة ويستفيد من حصص تفوق بالضرورة عدد ساعات تدريس أستاذ بعينه. وهذا وحده يكشف أن عدد الساعات التي يدرسها التلميذ ليس هو نفسه عدد الساعات التي يؤديها الأستاذ.
فالأستاذ في الثانوي لا يدرس كل المواد، ولا يلازم التلميذ طوال الزمن المدرسي، بل يؤدي حصته التدريسية المرتبطة بمادته وبعدد الأقسام المسندة إليه. ولذلك يصبح من الصعب فهم المنطق الذي يجعل أستاذ التعليم الابتدائي استثناء، بحيث يتم الربط بين عدد ساعات تمدرس التلميذ وعدد ساعات العمل الأسبوعية للأستاذ، وكأن الأستاذ مطالب بتغطية كامل الغلاف الزمني الذي يقضيه المتعلم في المؤسسة.
إذا كان التلميذ في الابتدائي يدرس 30 ساعة، فهذا لا يعني تلقائيا أن أستاذ الابتدائي يجب أن يدرس 30 ساعة. وإذا كان تلميذ الثانوي يدرس أكثر من ساعات الأستاذ المكلف بتدريسه، فلا أحد يقول إن الأستاذ مطالب باستكمال ساعات التلميذ حتى يصل إلى غلافه الزمني.
ومن حق أساتذة التعليم الابتدائي أن يتساءلوا لماذا يتحول غلاف التلميذ إلى غلاف للأستاذ في سلكهم فقط. هذه النقطة بالذات تستحق مراجعة هادئة، لأنها تكشف خلطا بين مفهومين مختلفين وهما الزمن المدرسي للمتعلم، والزمن التدريسي للأستاذ.
والأخطر أن هذا الخلط يجد طريقه أحيانا إلى الممارسة الإدارية، حيث يجري التعامل مع 30 ساعة باعتبارها أمرا بديهيا، ثم البحث عن المبررات بعد ذلك، بدل البحث أولا عن النص الذي أنشأ الالتزام.
قد يقول قائل إن 30 ساعة أصبحت ممارسة مستقرة، وإن الوزارة تعمل بها منذ عقود، وإن استعمالات الزمن والوثائق التربوية تؤكدها. وهذا صحيح من حيث الواقع الإداري، لكنه لا يحسم وحده مسألة السند القانوني.
فالوثيقة التربوية، مهما كانت أهميتها في تنظيم العملية التعليمية، ليست بالضرورة في مرتبة المرسوم أو القرار التنظيمي الذي يحدد التزاما مهنيا على الموظف. والمذكرة الوزارية، من جهتها، لا يمكن أن تتحول تلقائيا إلى نص تشريعي أو تنظيمي منشئ لالتزام جديد إذا كانت تتجاوز الإطار الذي رسمه النص الأعلى.
بل إن المرسوم الحالي رقم 2.24.140، الصادر في 23 فبراير 2024، أعاد طرح المسألة من أساسها. فالمادة 68 تنص على أن مدة التدريس الأسبوعية لأطر التدريس تحدد بقرار للسلطة الحكومية المكلفة بالتربية الوطنية، بعد استطلاع رأي اللجنة الدائمة لتجديد وملاءمة المناهج والبرامج، ثم تضيف مقتضى انتقاليا واضحا: إلى حين صدور هذا القرار ونشره في الجريدة الرسمية، يستمر العمل بمدد التدريس الأسبوعية المعتمدة قبل دخول المرسوم حيز التنفيذ.
وهذا النص مهم جدا، لأنه لا يقول إن 30 ساعة هي المدة التي حددها المرسوم الجديد، وإنما يقول شيئا آخر المتمثل في قرار جديد ينبغي أن يحدد مدة التدريس، وإلى حين صدوره تستمر المدد السابقة.
وبالتالي، فإن الاستناد إلى المادة 68 لإثبات أن المرسوم رقم 2.24.140 نفسه حدد 30 ساعة سيكون قراءة غير دقيقة. المرسوم أبقى الوضع السابق مؤقتا، ولم يضع رقما جديدا.
إن الحديث عن هذه “البدعة” أي 30 ساعة يقودنا مباشرة إلى الحديث عن “الساعات التضامنية”، فالمصادر التي تناولت الموضوع تاريخيا تربط بداية العمل بما سمي “الساعات التضامنية” بخطاب للملك الراحل الحسن الثاني سنة 1983، وتشير إلى أن النظام السابق كان يحدد بالنسبة لأساتذة التعليم الابتدائي 26 ساعة، قبل أن ترتفع المدة إلى 30 ساعة، بينما تغيرت أيضا مدد التدريس في السلكين الإعدادي والتأهيلي، ورغم مرور كل هذه السنوات، فإن الوزارة لم تستطع أن تشير إليها في نص صريح ضمن النظام الأساسي لموظفي التربية الوطنية.
إن التضامن مفهوم يرتبط بالظرفية التي ولد فيها. وإذا كان إجراء ما قد نشأ في سياق اقتصادي أو اجتماعي استثنائي، وتم تقديمه باعتباره مساهمة تضامنية من رجال ونساء التعليم، فإن السؤال الذي يطرح نفسه اليوم، بعد أكثر من أربعة عقود، هو هل ما زلنا أمام ساعات تضامنية؟
إذا كانت الإجابة نعم، فأين هو الطابع المؤقت لهذا التضامن؟ وإذا كانت الإجابة لا، وأنها أصبحت جزءا من الالتزام المهني الدائم، فأين النص الذي نقلها من إجراء تضامني إلى قاعدة تنظيمية مستقرة؟ فالـ”تضامن” لا يمكن أن يكون أبديا.
إما أن ينتهي بانتهاء الظرفية التي استدعته، وإما أن تتحول الساعات الإضافية إلى جزء واضح من النظام القانوني للعمل، بما يحدد طبيعتها ومدتها وكيفية احتسابها والتعويض عنها.
أما أن تبقى الساعات قائمة لعقود، ويظل اسمها “تضامنية”، بينما يؤديها الأستاذ باعتبارها أمرا إلزاميا، فذلك يضعنا أمام تناقض يصعب الدفاع عنه من الناحية المهنية والقانونية.
ولذلك، فإن الحل لا ينبغي أن يكون بالضرورة حذفها فقط، وإنما يمكن أن يكون أحد خيارين واضحين إما إنهاء ما يسمى بالساعات التضامنية، أو إعادة تأطيرها كساعات عمل إضافية اختيارية مؤدى عنها وفق قواعد واضحة.
وهذا ليس طرحا نظريا. فقد وصل الموضوع بالفعل إلى البرلمان. فالسؤال الشفوي رقم 16979، المسجل بمجلس النواب حول “التأطير القانوني والتنظيمي للساعات التضامنية لنساء ورجال التعليم”، تتساءل فيه البرلمانية نادية بنزدفة عن حزب الأصالة والمعاصرة صراحة عن الإطار القانوني والتنظيمي الذي تستند إليه الوزارة في استمرار العمل بهذه الساعات، وعن إمكانية حذفها نهائيا أو اعتمادها كساعات إضافية مؤدى عنها. والمثير أن الصفحة البرلمانية تسجل أن السؤال لم يجب عنه بعد.
كما أن السؤال البرلماني رقم 17608 حول مطلب تقليص ساعات العمل في التعليم الابتدائي، والذي حدد تاريخ جوابه في 11 ماي 2026، أشار صراحة إلى 30 ساعة أسبوعيا في الابتدائي، مقابل 24 ساعة في الإعدادي و21 ساعة في التأهيلي، وربط الموضوع كذلك بما يعرف بالساعات التضامنية.
وهذا يعني أن المسألة لم تعد مجرد نقاش داخل المؤسسات التعليمية أو بين الأساتذة والمديرين، وإنما أصبحت مطروحة رسميا داخل المؤسسة التشريعية.
لكن ربما أكثر الحالات التي تكشف ارتباك الوضع هي حالة أساتذة اللغة الأمازيغية المتخصصين. فالمذكرة الوزارية رقم 130 بتاريخ 12 شتنبر 2006، المنظمة لتدريس اللغة الأمازيغية وتكوين أساتذتها، شكلت لسنوات المرجع الذي يتم الاستناد إليه في تحديد تنظيم تدريس هذه المادة. وتشير وثائق مرتبطة بالموضوع إلى اعتماد ثمانية أفواج، بثلاث ساعات لكل فوج، أي 24 ساعة أسبوعيا للأستاذ المتخصص.
وهنا تظهر المشكلة في أوضح صورها أستاذ متخصص في الأمازيغية يشتغل 24 ساعة بحكم طبيعة تخصصه وتنظيم تدريس مادته، ثم يأتي من يقول له أنت أستاذ تعليم ابتدائي، وبالتالي يجب أن تعمل 30 ساعة.
لكن أين النص الذي يقول إن صفة “أستاذ التعليم الابتدائي” تلغي خصوصية التخصص ويفرض 30 ساعة، أو أن كل أستاذ ينتمي إلى إطار التعليم الابتدائي يجب أن يؤدي بالضرورة العدد نفسه من الساعات مهما اختلفت طبيعة مهمته؟
إن مجرد القول “لأنك أستاذ التعليم الابتدائي” ليس نصا قانونيا. والاجتهاد الإداري، مهما كان مصدره، لا ينبغي أن يحل محل النص حين يتعلق الأمر بفرض التزام مهني إضافي على الموظف.
وهذا ما يجعل وضع أساتذة الأمازيغية كاشفا لجوهر المشكلة، فحين يكون هناك نص أو مذكرة تحدد طبيعة العمل وعدد الأفواج والحصص، ثم يتم تجاوزها استنادا إلى قاعدة عامة مفترضة مفادها “كل أستاذ ابتدائي = 30 ساعة”، فإننا لا نكون أمام تطبيق آلي للنص، بل أمام تأويل إداري يحتاج هو نفسه إلى سند قانوني واضح.
والمفارقة أن هذا الوضع قد يؤدي إلى استفسار الأستاذ أو مساءلته إداريا بسبب عدم استكمال 30 ساعة، في الوقت الذي يكون فيه السؤال الأول الذي ينبغي طرحه هو ما هو النص الذي يفرض عليه هذه الساعات؟
ليس المقصود هنا التشكيك في سلطة المدير أو المفتش، ولا تعطيل السير العادي للمؤسسة، وإنما المطالبة بأن تكون التعليمات الإدارية قابلة للإسناد إلى نص واضح، خصوصا عندما يتعلق الأمر باستفسار موظف أو ترتيب آثار مهنية على عدم تنفيذ عدد محدد من الساعات.
ومن غير المنطقي أن يكون الأستاذ مطالبا بإثبات النص الذي يحميه، بينما لا يطلب من الجهة التي تلزمه بعمل إضافي أن تحدد له النص الذي يستند إليه هذا الإلزام.
وللإشارة فمن الناحية التربوية، تقليص ساعات التدريس المباشر للأستاذ لا يعني تقليص العمل. فالأستاذ يحتاج إلى وقت للإعداد، والتقويم، وتصحيح الأعمال، وتتبع المتعلمين، والتكوين، والتنسيق، والمشاركة في الحياة المدرسية، والتواصل مع الأسر، وغيرها من المهام التي لا تظهر كلها في خانة الحصة الدراسية.
وفي نهاية المطاف، فإن أقوى ما يمكن أن يقال في هذا الملف ليس إن 30 ساعة “غير قانونية” بصورة قطعية، لأن ذلك يحتاج إلى حسم قضائي أو إلى فحص شامل لكل النصوص والقرارات والمذكرات التاريخية ذات الصلة.
لكن يمكن القول، بثقة أكبر، إن من يفرض 30 ساعة على أستاذ التعليم الابتدائي باعتبارها التزاما قانونيا قاطعا، ثم يستند فقط إلى ممارسة قديمة أو وثيقة بيداغوجية أو مذكرة لا ترقى في حجيتها إلى النص التنظيمي المحدد للمدة، يكون قد تجاوز السؤال الأساسي المتعلق بمصدر الإلزام.
وهو ما يفرض على المشرع التنظيمي أن يتدخل ألا يترك الباب مفتوحا للاجتهادات المحلية. فالمدير لا ينبغي أن يكون مضطرا إلى تفسير نص غامض، والمفتش لا ينبغي أن يكون مضطرا إلى الاجتهاد في تحديد ساعات الأستاذ، والأستاذ لا ينبغي أن يظل في كل موسم دراسي أمام قراءة مختلفة لوضعيته، خصوصا في الحالات الخاصة مثل أساتذة اللغة الأمازيغية المتخصصين.
يحتاج الأساتذة ببساطة إلى نص واحد، واضح، منشور، يحدد مدة التدريس الأسبوعية لكل سلك، ويفصل بين زمن المتعلم وزمن الأستاذ، ويحدد بدقة الفرق بين ساعات التدريس وساعات العمل، ويضع حدا نهائيا لقصة “الساعات التضامنية”.