قال محمد شوكي، رئيس حزب التجمع الوطني للأحرار، إن المرحلة السياسية المقبلة تفرض على الأحزاب والقوى السياسية التعامل معها بمنطق المسؤولية والوضوح، بعيدا عن المزايدات والحسابات الحزبية الضيقة، مؤكدا أن الحزب سيضع استقرار المؤسسات والمصلحة العليا للوطن في صدارة أولوياته، مهما اختلفت المواقع والأدوار.
وأوضح شوكي، ضمن تقرير سياسي قدمه أمام الدورة الاستثنائية للمجلس الوطني لحزب التجمع الوطني للأحرار، المنعقدة صباح اليوم السبت بالرباط، أن الولايات الحكومية تنتهي والحكومات تتعاقب، بينما ينبغي أن يستمر الإصلاح الجاد، معتبرا أن قيمة العمل السياسي لا تقاس فقط بما ينجزه المسؤولون أثناء وجودهم في مواقع المسؤولية، وإنما بما يتركونه من أثر بعد انتهائها.
طي صفحة الانتخابات
وأكد شوكي أن المرحلة الحالية لا ينبغي أن تتحول إلى مجرد محطة لتقييم نتائج الاستحقاق الانتخابي الأخير، وإنما يتعين جعلها نقطة انطلاق نحو المستقبل، من خلال طي صفحة الانتخابات واستيعاب ما أفرزته من رسائل، والاستعداد للتحديات والاستحقاقات السياسية والتنظيمية المقبلة
واعتبر أن الانتخابات شكلت محطة أساسية بما رافقها من تنافس ونقاش واختيارات عبر عنها المواطنون من خلال صناديق الاقتراع، غير أن أهميتها لا تقتصر على قراءة النتائج، وإنما تكمن أيضا في القدرة على تحويل دلالاتها إلى رؤية جديدة للعمل السياسي والحزبي، والانطلاق منها نحو مرحلة أكثر وضوحا وطموحا.
وشدد رئيس التجمع الوطني للأحرار على أن المطلوب في المرحلة الراهنة ليس إعادة سرد ما جرى أو البحث عن تبريرات للنتائج، وإنما استيعاب الرسائل التي وجهها المواطنون واستخلاص الدروس اللازمة منها، قبل التوجه بثقة ومسؤولية نحو المستقبل.
وأكد في هذا السياق ضرورة الاستعداد منذ الآن للاستحقاقات السياسية والتنظيمية المقبلة، من خلال رؤية واضحة وإرادة جماعية ومسؤولية كاملة، بما يسمح للحزب بمواصلة حضوره وفعلِه السياسي على ضوء ما أفرزته صناديق الاقتراع وما تقتضيه المرحلة المقبلة.
وأضاف أن المغرب يدخل مرحلة سياسية جديدة وحاسمة، في ظل استحقاقات وطنية كبرى وتحولات دولية وإقليمية متسارعة، إلى جانب انتظارات المواطنين من المؤسسات والقوى السياسية، مشددا على أن هذه المرحلة تتطلب قدرا أكبر من المسؤولية والوضوح.
وقال شوكي إن التجمع الوطني للأحرار “سيخوض المرحلة المقبلة بعيدا عن منطق المزايدات والحسابات الحزبية الضيقة”، واضعا “استقرار المؤسسات والمصلحة العليا للوطن في صدارة أولوياته”، ومؤكدا أن الحزب سيساهم في المرحلة المقبلة بفاعلية ومسؤولية، أيا كان الموقع الذي سيشغله.
وأشار إلى أن خدمة الوطن “لا تبدأ من مقاعد الحكومة ولا تنتهي عندها”، وأن المسؤولية السياسية لا تزول بمجرد تغير المواقع، مضيفا أن التجمع الوطني للأحرار “كان ولا يزال قوة وازنة، ووزنه لا يتغير بتغير التموضعات”.
وبحسب شوكي، فإن قوة الحزب لا ترتبط فقط بقيادته للحكومة، وإنما بقدرته على الفعل والمبادرة وتحمل المسؤولية من مختلف المواقع، مشددا على أن المواقع تتغير، بينما يبقى واجب الحزب تجاه البلاد ثابتا.
وتابع قائلا إن السؤال المطروح اليوم بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار ليس “أين سيكون التجمع الوطني للأحرار؟”، وإنما “ماذا يستطيع التجمع الوطني للأحرار أن يقدم لوطنه من الموقع الذي سيكون فيه؟”.
المشاركة الحكومية.. مسؤولية وليست غاية
وأكد رئيس التجمع الوطني للأحرار أن الحزب ينطلق في تعاطيه مع المرحلة المقبلة من مكتسبات راكمها خلال السنوات الماضية، ومن تجربة وكفاءات قادرة على مواصلة العطاء، فضلا عن أوراش ساهم في وضع أسسها وما تزال تحتاج إلى مواصلة العمل بشأنها.
وأوضح أن الحزب ينظر إلى المشاركة السياسية باعتبارها “مسؤولية وإمكانية للمساهمة، لا باعتبارها غاية سياسية في حد ذاتها”، مشددا في الوقت نفسه على أن القرارات الكبرى داخل الحزب ينبغي أن تمر عبر مؤسساته.
وفي هذا السياق، كشف شوكي أن المكتب السياسي قرر إحالة موضوع موقع الحزب في المرحلة السياسية المقبلة على المجلس الوطني، وتفويضه للتداول واتخاذ القرار المناسب.
وقال مخاطبا أعضاء المجلس الوطني: “واليوم، القرار بين أيديكم”، داعيا إياهم إلى ممارسة صلاحياتهم وتقدير معطيات المرحلة واتخاذ القرار الذي يرونه منسجما مع مصلحة البلاد والدور الذي ينبغي أن يضطلع به الحزب.
وشدد على أن إحالة الموضوع على المجلس الوطني ليست إجراء شكليا، وإنما تعكس مفهوم التجمع الوطني للأحرار للعمل المؤسساتي، القائم على النقاش داخل المؤسسات، والحسم فيها، ثم تحمل المسؤولية الجماعية في تنفيذ القرار.
وأكد شوكي أن الحزب سيحترم القرار الذي سيصدر عن المجلس الوطني، أيا كان، وسيتحمل مسؤولية تنفيذه.
وفي السياق ذاته، أشار رئيس الحزب إلى أن هذه القناعة وجهت تعامل التجمع الوطني للأحرار مع المشاورات السياسية التي أعقبت الانتخابات، موضحا أن الحزب انخرط فيها “بهدوء ومسؤولية، ومن دون شروط مسبقة أو مزايدات”، واضعا نصب عينيه المساهمة في توفير شروط الاستقرار والعمل المؤسساتي خلال المرحلة المقبلة.
وأضاف أن المشاورات مرت في “أجواء هادئة وعادية” طبعتها المسؤولية والاحترام المتبادل، وشكلت مناسبة لتبادل وجهات النظر حول متطلبات المرحلة المقبلة وأولوياتها.
وبعد التداول في خلاصات هذه المشاورات، أوضح شوكي أن المكتب السياسي للتجمع الوطني للأحرار أعرب عن ترحيبه بمشاركة الحزب في الحكومة المقبلة، باعتبار أن هذه المشاركة من شأنها أن تتيح له مواصلة الإسهام من موقع المسؤولية في استكمال الأوراش والإصلاحات المفتوحة وتثمين المكتسبات المحققة.
القضية الوطنية فوق الحسابات الحزبية
وفي جانب آخر من التقرير السياسي، حذر شوكي من أن الانشغال بترتيبات المرحلة السياسية الداخلية لا ينبغي أن يحجب طبيعة التحولات التي يشهدها العالم، وما تفرضه البيئة الدولية والإقليمية من تحديات اقتصادية وجيوسياسية وأمنية متزايدة.
وأكد أن هذه التحولات تستدعي قدرا عاليا من اليقظة ووحدة الموقف في الدفاع عن المصالح العليا للمملكة، مشيرا إلى وجود قضايا تتجاوز بطبيعتها حدود الأغلبية والمعارضة والحسابات الحزبية.
ووضع شوكي القضية الوطنية في مقدمة هذه القضايا، مجددا تعبئة التجمع الوطني للأحرار وراء الملك محمد السادس في الدفاع عن الوحدة الترابية للمملكة وصيانة المكتسبات التي حققتها البلاد وتعزيز موقع المغرب والدفاع عن مصالحه العليا.
وقال إن الاختلاف السياسي والتنافس بين الأحزاب “جزء من الديمقراطية”، غير أنه شدد على أنه عندما يتعلق الأمر بالمصالح الاستراتيجية للبلاد، فإن ما يجمع مختلف الفاعلين السياسيين ينبغي أن يكون أكبر مما يفرقهم.
نتائج الصناديق.. مرحلة جديدة
وتطرق رئيس التجمع الوطني للأحرار إلى نتائج الانتخابات الأخيرة، مؤكدا أن الحزب يدخل مرحلة جديدة من تاريخه “دون إنكار لما قالته صناديق الاقتراع، ودون تنكر لما أنجزناه خلال سنوات تحمل المسؤولية”.
وقال إن الحزب يدخل هذه المرحلة “باعتزاز بما تحقق، وبوعي بما ينبغي مراجعته، وباستعداد لتصحيح ما يجب تصحيحه، وبثقة في قدرة هذا الحزب على التجدد والاستمرار”.
وأضاف أن المواقع قد تتغير والتحالفات قد تتبدل، كما تبدأ مراحل وتنتهي أخرى، لكن التجمع الوطني للأحرار سيظل حاضرا، وسيواصل المساهمة في المرحلة المقبلة من الموقع الذي تختاره مؤسساته.
وشدد شوكي على أن المصلحة العليا للوطن “كانت وستظل دائما أسمى من كل اعتبار”، معتبرا أن هذا المبدأ وجه اختيارات الحزب في مختلف المحطات، وأنه المرجع الذي ينبغي العودة إليه عند اتخاذ القرارات المرتبطة بمستقبل البلاد ومؤسساتها.
وأوضح أن هذه القناعة ليست، بحسب تعبيره، مجرد عبارة تردد في الخطب، وإنما تمثل فلسفة في ممارسة السياسة، تقوم على أن الوطن يأتي أولا، وأن قوة المؤسسات واستقرارها واستمرارية عملها تتقدم على الاعتبارات الحزبية والموقعية.
وأكد أن الحزب سعى إلى ترجمة هذه القناعة من خلال وضع ما يخدم المغرب والمغاربة فوق الاعتبارات الحزبية، معتبرا أن الحسابات ينبغي أن تتراجع عندما يتعلق الأمر بالمصالح الكبرى للبلاد، وأن تتقدم المسؤولية والسؤال المرتبط بما يحتاجه الوطن وما يمكن للحزب تقديمه.
وشدد شوكي، على أن التجمع الوطني للأحرار سيواصل ممارسة السياسة “بهدوء حين يحتاج الأمر إلى الهدوء، وبشجاعة حين يتطلب القرار شجاعة، وبنكران للذات حين تقتضي مصلحة الوطن أن تكون فوق مصلحة الحزب”، مشددا على أن المواقع والمسؤوليات تتغير، بينما يبقى الوطن هو الثابت الذي ينبغي أن تلتقي عنده مختلف الاختيارات.