لا شك أن وصول امرأة إلى رئاسة الحكومة المغربية للمرة الأولى حدث غير مسبوق في تاريخ البلاد السياسي، ومن الطبيعي أن يُنظر إليه باعتباره محطة مهمة في مسار حضور المرأة المغربية في مواقع القرار.
لكن اللافت أن بعض السياسيين والكتاب المغاربة سارعوا إلى الاحتفاء بهذا الحدث، بل إلى اعتباره إنجازًا تاريخيًا بمجرد وصول فاطمة الزهراء المنصوري إلى المنصب، وقبل أن تبدأ أصلًا في ممارسة مهامها، أو أن تتضح ملامح سياستها، أو أن تظهر نتائجها على أرض الواقع.
وهنا يحق للمواطن أن يتساءل: هل تُقاس الحكومات بمن يشغل رئاستها، أم بما تفعله عندما تبدأ العمل؟
لا ينبغي أن يكون كون رئيس الحكومة امرأة سببًا في منح الحكومة الجديدة صك نجاح مسبق. فالاحتفاء بالسابقة التاريخية أمر مشروع، أما تقييم الأداء السياسي فله معايير أخرى تمامًا.
فالمغرب لا يواجه أزمة في جنس من يتولى رئاسة الحكومة، وإنما يواجه تحديات سياسية واقتصادية واجتماعية وإدارية تراكمت على مدى سنوات طويلة. وهي تحديات لا يمكن حلها بمجرد تغيير الشخص الموجود في قمة الجهاز الحكومي، مهما كانت صفته أو خلفيته.
المطلوب إذن ليس أن نسأل فقط: من هي رئيسة الحكومة؟ وإنما: ما الذي ستفعله؟ وبأي أدوات؟ وبأي رؤية؟ وهل ستسلك الطريق نفسه الذي سلكته الحكومات السابقة، أم ستبحث عن طريق آخر؟
فالمواطن المغربي لا ينتظر مجرد صورة جديدة في واجهة السلطة التنفيذية، وإنما ينتظر تغييرًا ملموسًا في حياته اليومية: في التعليم، والصحة، والتشغيل، والقدرة الشرائية، وأسعار المحروقات، وأوضاع المتقاعدين، ومحاربة الفوارق الاجتماعية والمجالية، وتحسين الإدارة والخدمات العمومية.
كما أن المشكلة لا تتعلق بالحكومة وحدها، ولا يجوز اختزالها في شخص رئيسها. فهناك بنية مؤسساتية واقتصادية وسياسية متشابكة، وهناك اختيارات وسياسات تراكمت عبر عقود. ولذلك فإن أي رئيس حكومة، رجلًا كان أم امرأة، سيجد نفسه أمام منظومة قائمة، وسيكون السؤال الحقيقي هو مدى قدرته على إدخال تعديلات جوهرية عليها.
أما الحديث عن وجود دوائر أو مراكز نفوذ خارج الواجهة الحكومية تؤثر في صناعة القرار، فهو طرح سياسي متداول، لكنه يحتاج إلى مناقشة هادئة قائمة على الوقائع والأدلة، بدل تحويله إلى حقيقة مسلم بها. غير أن وجود مثل هذه النقاشات في حد ذاته يعكس سؤالًا أعمق حول حدود الفعل الحكومي ومدى قدرة الحكومة على تحويل برامجها ووعودها إلى سياسات فعلية.
لذلك، فإن التصفيق لفاطمة الزهراء المنصوري لمجرد وصولها إلى رئاسة الحكومة يبدو سابقًا لأوانه. ويمكن الترحيب بالحدث باعتباره سابقة تاريخية للمرأة المغربية، لكن التقييم يجب أن يبدأ يوم تبدأ الحكومة في العمل، لا يوم صدور قرار تعيينها.
فالتاريخ السياسي لا يُكتب بمجرد الوصول إلى المناصب، وإنما بما يفعله أصحابها بعد الوصول إليها.
وإذا كانت رئيسة الحكومة الجديدة تريد أن تجعل من وصولها حدثًا تاريخيًا بالمعنى السياسي، فإن عليها أن تجعل المواطن يلمس الفرق بين حكومة جديدة وحكومة أخرى، وبين سياسة جديدة وسياسات ظلت تتكرر، وبين إدارة للأزمة وإرادة حقيقية لمعالجة جذورها.
فالمرأة التي تدخل التاريخ بوصولها إلى المنصب، لا تكتمل تجربتها التاريخية إلا بما تتركه في حياة المواطنين بعد مغادرة المنصب.