أكد عبد الواحد درويش، الإطار بالبرلمان ورئيس مؤسسة درعة تافيلالت للعيش المشترك، أن الانتخابات التشريعية الأخيرة كشفت عن مجموعة من الملاحظات المرتبطة بالمشاركة السياسية، وطريقة اختيار المرشحين، وتوظيف الانتماء القبلي في التنافس الانتخابي، محذرا في الوقت نفسه من تنامي العنف اللفظي والتشهير والقذف، وداعيا الأحزاب السياسية إلى استعادة دورها في تأطير المواطنين والمنتخبين.
وأوضح درويش، خلال مروره ببرنامج “إيمي ن إغرم” الذي يبث على منصات جريدة “العمق المغربي”، أن المناطق التي تعرف عادة بكونها تقع في الهامش سجلت مستويات مهمة من المشاركة في الانتخابات التشريعية، مقابل تراجع تدريجي في نسب المشاركة كلما تم الاتجاه نحو محور المحمدية وطنجة، بينما تصدرت الأقاليم الجنوبية للمملكة مستويات المشاركة.
واعتبر أن ارتفاع المشاركة في مناطق الهامش، ومنها درعة تافيلالت، يعكس تمسك الساكنة بالمؤسسات التمثيلية المنتخبة وقناعتها بأهمية المشاركة، مشيرا إلى أن سكان هذه المناطق ينخرطون بشكل كبير في التوجيهات الملكية، مستحضرا في هذا السياق مشاركة أبناء ورزازات والراشيدية وباقي مناطق الجهة في المسيرة الخضراء.
وقال درويش إن سكان هذه المناطق يحملون، حسب تعبيره، إحساسا بأن المشاركة واجب وأن مصلحة الوطن تأتي أولا، خصوصا عندما يكون الأمر مرتبطا بتوجيه ملكي، غير أنه سجل في المقابل أن بعض الممارسات الحزبية تؤدي إلى تراجع الحماس الانتخابي، معتبرا أن ممارسات بعض الأحزاب تجعل المواطنين يشعرون بالإحباط، وهو ما ينعكس على مستوى المشاركة.
وانتقد درويش بعض مظاهر التدبير الحزبي للعملية الانتخابية، موضحا أنه تابع الحملة الانتخابية ميدانيا ولاحظ وجود أحزاب تحترم المنهجية الديمقراطية في اختيار المرشحين، في مقابل أحزاب أخرى لم تعتمد المنهجية نفسها وقامت، بحسبه، باختيار مرشحين ووضعهم في الدوائر الانتخابية.
وأوضح أن بعض الأحزاب اقترحت مرشحيها محليا، قبل رفع الأسماء إلى المستوى الجهوي والمصادقة عليها وطنيا والإعلان عنها، معتبرا أن هذه المنهجية تنسجم مع القانون التنظيمي للأحزاب السياسية وتحترم مناضلي الحزب، كما تتلاءم مع مبدأ الاختيار الديمقراطي باعتباره أحد الثوابت الدستورية.
وشدد على أن احترام المنهجية الديمقراطية في اختيار المرشحين أصبح، بحسبه، واجبا على الأحزاب السياسية من أجل تعزيز مصداقية المؤسسات المنتخبة، قائلا إن المطلوب هو أن تكون لدينا “منتخبين ديمقراطيين من بداية المسار إلى أن تخرج النتائج”.
وأضاف أن طريقة إفراز المرشحين لا يمكن فصلها عن طبيعة الحملات الانتخابية، معتبرا أنه إذا تم اختيار المرشحين عبر ممارسات ملتوية، فإن ذلك قد ينعكس على سلوكهم خلال الحملات، وهي ممارسات قال إنها تمس العملية الانتخابية باعتبارها تعبيرا عن إرادة الأمة.
ووصف درويش الانتخابات بأنها “لحظة سياسية كبيرة”، مشيرا إلى أن تنظيمها كل خمس سنوات يعكس أهميتها، ومعتبرا أن عددا من المرشحين خلال انتخابات 23 شتنبر لم يقدروا، بحسبه، أهمية هذه اللحظة، في حين تمكن آخرون من تقديم مشاركة وصفها بالجيدة.
وفي محور آخر، حذر درويش من توظيف مؤسسة القبيلة في العملية الانتخابية، مؤكدا أن القبيلة باعتبارها مؤسسة سوسيولوجية حاضرة في الحياة اليومية للمغاربة، من الطبيعي أن يكون لها حضور في المجتمع، لكن غير المقبول هو استخدامها في غير محلها، خصوصا من أجل التأثير على الاختيارات الانتخابية للأفراد.
وأوضح أن الحديث عن تصويت قبيلة بأكملها لفائدة مرشح معين لا يعكس، في نظره، حقيقة الاختيار الفردي للناخب، قائلا إن حتى داخل الأسرة الواحدة لا يمكن فرض اختيار موحد على أفرادها، لأن لكل شخص الحرية في منح صوته لمن يراه مناسبا.
وأكد أن القبيلة ينبغي أن تحافظ على أدوارها الاجتماعية باعتبارها موروثا غير مادي يساهم في تشكيل الشخصية المغربية وتنظيم العلاقات داخل المجال، داعيا إلى تطوير هذه المؤسسة وتوجيهها نحو أدوارها الطبيعية، مع رفض استغلال الانتماء القبلي في التنافس السياسي والانتخابي.
وقال درويش إن ما لاحظه خلال الانتخابات الأخيرة هو “استغلال كبير” للانتماء القبلي، معتبرا أن الخطورة تكمن أيضا في أن بعض هذه الخطابات أصبحت، حسبه، تصدر عن مثقفين وفاعلين حقوقيين وإعلاميين وأكاديميين، وليس فقط عن بعض الفاعلين السياسيين.
وحذر من خطابات التمييز على أساس اللغة أو اللون أو العرق أو الوضع الاجتماعي، مذكرا بأن الدستور يمنع التمييز، إلى جانب وجود مقتضيات قانونية تؤطر هذه المسألة، من بينها قانون الصحافة والنشر والقانون الجنائي.
وأشار إلى أنه وقف خلال الانتخابات الأخيرة، خصوصا عبر منصات التواصل الاجتماعي، على خطابات وممارسات اعتبر أنها لا ينبغي أن تصدر عن الفاعلين في المجتمع، مؤكدا أن استغلال الدين أو العرق أو اللون أو اللغة، أو التمييز بين النساء والرجال أو بين سكان المدن والقرى، كلها ممارسات مرفوضة.
ودعا درويش إلى التعامل بجدية مع هذه المظاهر استعدادا للاستحقاقات المقبلة، من الانتخابات الجماعية والجهوية والإقليمية والمهنية إلى انتخابات مجلس المستشارين، محذرا من أن المغرب قد يكون أمام معطى مقلق يتمثل في تنامي العنف اللفظي في الانتخابات.
وقال إن التشهير والقذف والخطابات العدائية التي برزت خلال الاستحقاقات الأخيرة تستدعي الانتباه، محذرا من أن العنف اللفظي يمكن أن يتحول إلى عنف مادي وجسدي، داعيا الأحزاب السياسية إلى العودة بقوة إلى وظيفة التأطير، والعمل على إفراز منتخبين يدركون واجباتهم ومسؤولياتهم، معتبرا أن حماية العملية الديمقراطية تبدأ من اختيار المرشحين، وتمر عبر خطاب انتخابي مسؤول، وتنتهي بإفراز مؤسسات تعكس الإرادة الحرة للناخبين.