في السياسة، لا ينبغي أن نبني التحليل على الانطباعات حول الأشخاص، ولا على ما نعتقد بأنهم «سيقبلون به» أو «لن يقبلوا به». ومع ذلك، يكاد جزء كبير من النقاش الذي رافق تشكيل الأغلبية الحكومية الجديدة ينحصر في هذا النوع من التحليل: هل سيقبل هذا الحزب بالتحالف مع ذاك؟ هل سيتنازل هذا الزعيم عن موقع معين؟ هل يمكن جمع هؤلاء الأشخاص في حكومة واحدة؟
كل هذه الأسئلة مشروعة، لكنها ليست بالضرورة الأسئلة الأكثر أهمية.
السؤال السياسي الأهم، في هذه اللحظة تحديداً، ليس: من يستطيع أن يتحالف مع من؟ بل: ما الذي تحتاجه المرحلة، وأي تركيبة سياسية قادرة على الاستجابة له؟
فبعد انتخابات 23 شتنبر 2026، التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة، دخل المغرب مرحلة جديدة من إعادة تركيب المشهد الحكومي. وبعد تعيين فاطمة الزهراء المنصوري رئيسة للحكومة وتكليفها بتشكيل الحكومة، أصبح النقاش حول طبيعة الأغلبية المقبلة جزءاً من سؤال أكبر يتعلق باتجاه المرحلة السياسية والاجتماعية المقبلة.
وهنا تحديداً يجب أن نرفع مستوى النقاش، منن هندسة التحالفات إلى هندسة المرحلة
التحالفات الحكومية ليست مجرد عمليات حسابية لجمع المقاعد. هي، في الأنظمة الديمقراطية، تعبير عن محاولة تشكيل أغلبية قادرة على إنتاج برنامج سياسي قابل للتنفيذ.
لذلك فإن السؤال الحقيقي لا يتعلق فقط بالعدد الذي يمكن أن توفره الأحزاب، وإنما أيضاً بما يمكن أن تضيفه إلى البرنامج الحكومي من خبرات، وأفكار، وقدرة على التفاوض، وقابلية لتمثيل شرائح اجتماعية مختلفة.
فالأغلبية البرلمانية يمكن أن تكون متجانسة أيديولوجياً، ويمكن أيضاً أن تكون ائتلافاً واسعاً يجمع تيارات مختلفة حول برنامج مشترك.
وفي الحالة المغربية، قد يكون هذا السؤال أكثر أهمية من المعتاد.
ذلك أن المرحلة المقبلة لا تبدأ من فراغ. هناك إصلاحات تشريعية كبرى مطروحة، وفي مقدمتها استكمال ورش إصلاح مدونة الأسرة، إلى جانب إصلاحات مرتبطة بالمنظومة الجنائية و إصلاح القانون الجنائي لمسابرة متطلبات القرن الواحد و العشرين، وهناك في المقابل ورش الدولة الاجتماعية، والحماية الاجتماعية، ودعم الأسر، والصحة، والتشغيل، وتحسين القدرة الشرائية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.
أي أننا أمام مرحلة تتطلب تركيباً سياسياً يستطيع الجمع بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح الاجتماعي والإصلاح التشريعي.
الاقتصاد لا يقاس بالنمو وحده
من الخطأ أيضاً اختزال تقييم المرحلة السابقة في ثنائية «نجاح» أو «فشل».
الأرقام الاقتصادية الرسمية تعطي صورة أكثر تعقيداً. فقد سجل الاقتصاد المغربي نمواً بلغ 4.9% سنة 2025، مقابل 4.4% سنة 2024، مدفوعاً خصوصاً بتحسن النشاط الفلاحي وبدينامية الطلب الداخلي.
وفي المقابل، فإن النمو الاقتصادي لا يلغي السؤال الاجتماعي.
فالمواطن لا يقيس أداء الاقتصاد بمعدل النمو فقط، وإنما بما يشعر به في سوق الشغل، وفي كلفة المعيشة، وفي قدرته على الوصول إلى الصحة والتعليم والسكن والخدمات الأساسية.
وهنا تظهر إحدى أهم مفارقات المرحلة: يمكن لاقتصاد أن يسجل معدلات نمو مهمة، وفي الوقت نفسه أن تستمر لدى فئات واسعة مشاعر الضغط الاجتماعي وعدم الإنصاف.
والأرقام المتعلقة بالتضخم نفسها تستحق قراءة دقيقة. فقد ارتفع متوسط مؤشر أسعار الاستهلاك سنة 2025 بنسبة 0.8%، وفق المندوبية السامية للتخطيط، بينما سجل المؤشر ارتفاعات شهرية متباينة خلال 2026، من بينها ارتفاع بنسبة 1.2% في مارس، قبل تسجيل انخفاضات في مايو ويونيو ويوليوز.
لذلك سيكون من غير الدقيق اختزال ظاهرة ارتفاع الأسعار في «أيديولوجيا» حكومية واحدة؛ فالتضخم يتأثر أيضاً بالأسواق الدولية، وأسعار الطاقة والغذاء، والجفاف، وسلاسل الإمداد، وبنية المنافسة الداخلية والسياسات العمومية.
لكن هذا لا يلغي السؤال السياسي الأهم: كيف تتحول ثمار النمو إلى تحسن ملموس في حياة المواطنين؟
الدولة الاجتماعية تحتاج إلى سياسة اجتماعية، لا إلى خطاب اجتماعي فقط
لقد قطع المغرب بالفعل أشواطاً مهمة في بناء منظومة الحماية الاجتماعية.
ومنذ إطلاق برنامج الدعم الاجتماعي المباشر في دجنبر 2023، توسعت منظومة التحويلات النقدية بشكل كبير. ووفق البنك الدولي، كان البرنامج قد وصل إلى أكثر من 3.9 ملايين أسرة في مارس 2025، بينما تستهدف الإصلاحات توسيع نطاق الاستفادة وتحسين فعالية التحويلات والخدمات الاجتماعية.
لكن المرحلة المقبلة تطرح سؤالاً أكثر عمقاً: هل نريد مجرد توسيع الإنفاق الاجتماعي، أم نريد بناء دولة اجتماعية منتجة؟
الفرق جوهري.
الدولة الاجتماعية الحديثة لا تقوم فقط على تحويل الأموال إلى الأسر الهشة. إنها تقوم على شبكات أمان فعالة، وعلى الاستثمار في رأس المال البشري، وعلى سياسات تشغيل، وعلى خدمات صحية وتعليمية ذات جودة، وعلى آليات تعويض تحمي الأسر من الصدمات، وعلى سياسات تجعل الانتقال من الهشاشة إلى الاستقلال الاقتصادي ممكناً.
وهذا بالضبط ما يجعل السياسة الاجتماعية جزءاً من السياسة الاقتصادية، وليس نقيضاً لها.
لماذا يصبح السؤال الأيديولوجي مهماً؟
هنا يعود البعد السياسي.
خلال السنوات الماضية، غلب على تدبير قطاعات اقتصادية أساسية توجه يمكن وصفه، في بعض جوانبه، بأنه أكثر انفتاحاً على منطق السوق والاستثمار الخاص. وقد أنتج هذا التوجه سياسات ونتائج اقتصادية لا يمكن اختزالها في حكم واحد، كما أن مسؤولية الأسعار لا يمكن نسبتها ميكانيكياً إلى حزب أو توجه اقتصادي بعينه.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه بعد الانتخابات هو: هل تحتاج المرحلة المقبلة إلى الاستمرار بالمنطق نفسه، أم إلى إعادة التوازن بين دينامية السوق ووظائف الدولة الاجتماعية؟
هذه ليست دعوة إلى التخلي عن اقتصاد السوق.
بل العكس.
المغرب يحتاج إلى الاستثمار الخاص، والمقاولة، والتنافسية، والتصدير، والتصنيع، والاستثمار الأجنبي، وإلى اقتصاد قادر على خلق الثروة.
لكن الاقتصاد الذي يخلق الثروة يحتاج، في الوقت نفسه، إلى سياسة عامة تضمن توزيعاً أكثر عدالة لثمارها وتمنع تحول الفوارق الاجتماعية إلى أزمة ثقة سياسية.
وهنا يمكن أن يكون حضور تيارات اجتماعية وديمقراطية داخل الأغلبية الحكومية ذا دلالة تتجاوز مجرد توزيع الحقائب.
ليس لأن «اليسار» يملك وصفة سحرية، ولا لأن الانتماء الحزبي وحده يضمن سياسة اجتماعية ناجعة، وإنما لأن وجود أحزاب ذات تقاليد قوية في قضايا العدالة الاجتماعية والحقوق والحريات يمكن أن يوسع قاعدة النقاش داخل الحكومة حول معنى الدولة الاجتماعية وحدود تدخل السوق ووظائف الدولة.
التشريع أيضاً جزء من معادلة المرحلة
هناك بعد آخر لا يقل أهمية: الإصلاح التشريعي.
لقد أظهرت تجربة إصلاح مدونة الأسرة لسنة 2004 أن الإصلاحات الاجتماعية الكبرى لا تحتاج فقط إلى أغلبية عددية، بل تحتاج إلى قدرة على بناء توافق سياسي ومجتمعي واسع.
والمرحلة الحالية تضع أمام الحكومة المقبلة ورشاً تشريعياً حساساً، من بينها استكمال إصلاح مدونة الأسرة ومواصلة تحديث المنظومة الجنائية.
المطلوب هنا ليس فقط تمرير النصوص داخل البرلمان.
المطلوب هو إنتاج إصلاحات تتمتع بشرعية سياسية ومجتمعية، وتستطيع أن تصمد أمام الاستقطاب، وأن تحول المبادئ الدستورية إلى قواعد قانونية وسياسات عمومية.
وهذه المهمة قد تكون أكثر قابلية للتحقق عندما تكون الحكومة نفسها مساحة لتقاطع تيارات سياسية مختلفة حول أهداف وطنية مشتركة، بدلاً من أن تكون مجرد امتداد ميكانيكي لخريطة انتخابية.
المعارضة أيضاً تحتاج إلى أن تكون ذات معنى
من العناصر التي ينبغي عدم إغفالها في هندسة المرحلة طبيعة المعارضة.
إذا اختار حزب العدالة والتنمية، كما أعلن، التموقع في المعارضة، فإن وجود معارضة سياسية حقيقية يمكن أن يشكل عنصراً صحياً في الحياة الديمقراطية.
لكن الديمقراطية لا تحتاج فقط إلى حكومة قادرة على العمل؛ تحتاج أيضاً إلى معارضة قادرة على المساءلة.
وهنا يمكن أن يصبح موقع التجمع الوطني للأحرار، إذا لم يشارك في الأغلبية المقبلة، واحداً من الأسئلة السياسية المهمة في المشهد الجديد.
فوجود حزب قاد الحكومة السابقة في المعارضة قد يخلق، من الناحية النظرية، مساحة أوضح للمساءلة حول حصيلة المرحلة السابقة، كما يسمح بإعادة توزيع الأدوار بين الحكومة والمعارضة.
لكن قيمة هذا السيناريو لا تتحدد مسبقاً؛ فهي ستتوقف على كيفية اشتغال المؤسسات وعلى قدرة مختلف الأطراف على تحويل المواقع السياسية إلى ممارسة ديمقراطية مسؤولة.
ليست المسألة: يمين أم يسار؟
ربما يكون من الخطأ أن ننظر إلى المرحلة المقبلة بمنطق الاختيار الجامد بين «اليمين» و«اليسار».
المغرب يحتاج إلى شيء أكثر تركيباً.
يحتاج إلى حكومة تستطيع أن تجمع بين الانضباط المالي ودينامية الاستثمار من جهة، والعدالة الاجتماعية والحماية الاجتماعية من جهة أخرى؛ بين تشجيع المقاولة وحماية القدرة الشرائية؛ بين الإصلاح الاقتصادي والإصلاح التشريعي؛ وبين الاستقرار السياسي وتجديد الثقة في المؤسسات.
وهذا يعني أن السؤال الحقيقي ليس من يملك «الأيديولوجيا الصحيحة»، بل من يستطيع أن يحول الاختلاف الأيديولوجي إلى تكامل في السياسات العمومية.
فالتحالف الحكومي الناجح ليس بالضرورة الأكثر تجانساً.
أحياناً يكون نجاح الائتلاف السياسي في قدرته على الجمع بين المصالح والتوجهات المختلفة ضمن عقد حكومي واضح، بأهداف قابلة للقياس وآليات للمساءلة.
ما الذي ينبغي أن تقيسه الحكومة المقبلة؟
إذا أردنا فعلاً أن ننتقل من النقاش حول الأشخاص إلى النقاش حول المرحلة، فربما ينبغي أن نقيس الحكومة المقبلة بأسئلة أكثر صرامة:
هل ستنجح في رفع الدخل الحقيقي للأسر؟
هل ستخلق وظائف أكثر وأفضل؟
هل ستخفض الفوارق الاجتماعية والمجالية؟
هل ستجعل التحويلات الاجتماعية أكثر استهدافاً وفعالية؟
هل ستنجح في تحسين الخدمات العمومية؟
هل ستعيد بناء الثقة بين المواطن والمؤسسات؟
هل ستنجح في تمرير الإصلاحات التشريعية الكبرى دون تحويلها إلى وقود للاستقطاب؟
وهل ستتمكن من الجمع بين الاستثمار والنمو من جهة، والعدالة الاجتماعية من جهة أخرى؟
هذه الأسئلة أهم، في اعتقادي، من سؤال من سيحصل على هذه الوزارة أو تلك.
المرحلة تحتاج إلى «عقد حكومي» جديد
النتائج الانتخابية أعطت حزب الأصالة والمعاصرة موقع الصدارة بـ97 مقعداً، لكنها لم تمنح حزباً واحداً أغلبية تمكنه من الحكم منفرداً. ومن ثم فإن طبيعة الحكومة المقبلة ستكون، بحكم الواقع البرلماني، نتيجة تفاوض بين قوى سياسية متعددة.
لكن هذا التفاوض يمكن أن يكون مجرد تفاوض على المواقع، ويمكن أن يكون تفاوضاً على اتجاه الدولة الاجتماعية والاقتصاد والسياسات العمومية للسنوات المقبلة.
وهنا تكمن اللحظة السياسية الحقيقية.
فإذا اختزلنا تشكيل الحكومة في توزيع الحقائب، سنحصل على حكومة.
أما إذا جعلنا تشكيلها مناسبة لصياغة توافق سياسي جديد حول الأولويات الاقتصادية والاجتماعية والتشريعية، فقد نحصل على شيء أكبر: اتجاه جديد للمرحلة.
ولذلك، فإن أفضل سؤال يمكن طرحه اليوم ليس: من سيدخل الحكومة ومن سيخرج منها؟
بل:
ما الحكومة التي يحتاجها المغرب الآن؟
حكومة تعكس فقط نتائج الحسابات الحزبية؟
أم حكومة تستطيع، انطلاقاً من تلك النتائج، أن تبني أغلبية سياسية قادرة على الجمع بين النمو والعدالة الاجتماعية، وبين الاستثمار والحماية، وبين الإصلاح والاستقرار، وبين قوة المؤسسات وتجديد الثقة فيها؟
ذلك هو الاختبار الحقيقي للمرحلة المقبلة.
أما أسماء التحالفات، ومواقع الأشخاص، وتوزيع الحقائب، فتبقى تفاصيل مهمة، لكنها تظل تفاصيل إذا لم تكن وراءها إجابة واضحة عن السؤال الأكبر:
إلى أين نريد أن يذهب المغرب في السنوات الخمس المقبلة؟