احتضن المركب الثقافي سيدي بليوط بمدينة الدار البيضاء، مساء السبت 3 أكتوبر 2026، عرض مسرحية «إيغود»، من إنتاج محترف أكادير للفنون، ضمن فعاليات الدورة الثامنة من مهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي، في محطة فنية استقطبت اهتمام عدد من الإعلاميين والمهتمين بالشأن الثقافي، إلى جانب نخبة من فعاليات الحركة الأمازيغية.
ونجح العرض في ملء قاعة المركب الثقافي عن آخرها، في مشهد لافت أعاد إلى الواجهة النقاش حول علاقة الجمهور بالمسرح، وقدم، وفق انطباعات عدد من الحاضرين، دليلاً عملياً على أن الحديث عن عزوف الجمهور عن المسرح لا يمكن اختزاله في غياب اهتمام المتلقي، بقدر ما يرتبط أيضاً بطبيعة الأعمال المقدمة وقدرتها على استثارة فضوله الفكري والجمالي.
وشكّل عرض «إيغود»، المشارك في المسابقة الرسمية للجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية في صنف المسرح برسم سنة 2025، إحدى المحطات البارزة ضمن فعاليات المهرجان، بعدما نجح في استقطاب جمهور غصت به القاعة عن آخرها، وحمل هذا الحضور رسالة واضحة إلى الفاعلين في المجال الثقافي والفني، مفادها أن الجمهور لا يزال متعطشاً إلى مسرح يلامس انشغالاته، ويتناول قضاياه بجرأة فنية، ويفتح آفاقاً للتأمل والنقاش.
وأجمع عدد من الإعلاميين والمهتمين ونخبة من فعاليات الحركة الأمازيغية، في انطباعات أعقبت العرض، على أن «إيغود» يمثل تجربة مسرحية متكاملة استطاعت الجمع بين الفرجة والاشتغال الفكري، ومقاربة عدد من القضايا التاريخية والاجتماعية والاقتصادية وحتى السياسية، في قالب كوميدي يحافظ على البعد الفني للعرض ويمنح الجمهور مساحة للتفاعل.
واستحضر العمل، بأسلوب فني يجمع بين الكوميديا السوداء والعبث والتأمل، جوانب من التاريخ والحضارة الأمازيغية، من خلال الإحالة على اكتشافات مرتبطة بموقع إيغود، وما يمثله من أهمية في تاريخ الإنسان، إلى جانب التذكير بأقدم إنسان عاقل، وأقدم حلي، وأقدم عملية جراحية في التاريخ، وفق المعطيات التي يوظفها العرض في بنائه الدرامي.
ولا يقف «إيغود» عند حدود استحضار الماضي، بل يضعه في مواجهة الحاضر، موظفاً السخرية والكوميديا لطرح أسئلة مرتبطة بالإنسان والأصل والهوية، إلى جانب الإكراهات الاجتماعية والاقتصادية والسياسية التي تواجه الإنسان في حياته اليومية.
وتأتي هذه المعالجة ضمن تصور فني يقوم على تحويل القضايا الجادة إلى مادة للفرجة والنقاش، دون الوقوع في المباشرة، وهو ما منح العرض قدرة على الجمع بين البعد الترفيهي والرسائل الفكرية، وجعل من الكوميديا وسيلة للاقتراب من مواضيع قد تبدو ثقيلة أو حساسة.
وتعد «إيغود» من أبرز الأعمال المسرحية التي قدمها محترف أكادير للفنون خلال الفترة الأخيرة، بعدما جابت عدداً من الجهات، من بينها سوس–ماسة
ومراكش–آسفي ودرعة–تافيلالت، واستقطبت جمهوراً واسعاً، إلى جانب تلقيها إشادات من فاعلين في المجال المسرحي ونقاد ومهتمين بالشأن الثقافي.
ويواصل محترف أكادير للفنون، من خلال هذا العمل، توجهه نحو إنتاج مسرح أمازيغي يقوم على التجديد في الكتابة والإخراج واللغة الركحية، مع الجمع بين البعد الفرجوي والاشتغال الفكري، واستثمار المسرح باعتباره فضاءً لإعادة قراءة الذاكرة ومساءلة الحاضر.
ويأتي تقديم «إيغود» في سياق احتفالي يتزامن مع تخليد الذكرى الفضية للخطاب الملكي بأجدير، الذي ألقاه الملك محمد السادس في 17 أكتوبر 2001، وشكل محطة بارزة في مسار النهوض باللغة والثقافة الأمازيغيتين.
ويشارك في تشخيص أدوار المسرحية كل من حميد اشتوك، وكبيرة البرداوز، وحسن عليوي، وخديجة أمنتاك.
وتحظى «إيغود» بدعم من وزارة الشباب والثقافة والتواصل – قطاع الثقافة، وبالتعاون مع جماعة أكادير.
وتنظم الدورة الثامنة من مهرجان الدار البيضاء للمسرح الأمازيغي فضاء تافوكت للإبداع، بشراكة مع المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية ومجلس جهة الدار البيضاء–سطات، وتتضمن فعالياتها المسابقة الرسمية للجائزة الوطنية للثقافة الأمازيغية في صنف المسرح برسم سنة 2025.
ويشكل دخول «إيغود» غمار المنافسة محطة جديدة في مسار محترف أكادير للفنون، الذي يواصل الاشتغال على أعمال مسرحية أمازيغية تجمع بين التجريب الفني ومعالجة قضايا الإنسان والمجتمع.
ويؤكد التفاعل الجماهيري والإعلامي الذي رافق العرض أن الجمهور لا يزال متعطشاً إلى أعمال مسرحية هادفة وقادرة على ملامسة اهتماماته، وأن الرهان على جودة المضمون وجرأة المعالجة الفنية والاشتغال على الذاكرة والهوية يمكن أن يشكل مدخلاً حقيقياً لإعادة الجمهور إلى قاعات المسرح.