أكد عبد الوهاب الكاين، الكاتب العام لتحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية، أن التقرير الأخير للأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش بشأن قضية الصحراء أظهر أن استمرار الأعمال العدائية وغياب الثقة وتعطيل آليات التحقق تعرقل التقدم نحو تسوية سياسية للنزاع.
وأوضح الكاين، في تصريح لجريدة “العمق”، أن التحالف يرحب بتقرير الأمين العام الموجه إلى مجلس الأمن، معتبرا أنه يمثل وثيقة تكشف أن ما يعطل التقدم نحو تسوية سياسية ليس غياب الفرص، وإنما استمرار الأعمال العدائية وغياب الثقة وتعطيل آليات التحقق.
وأضاف أن الأطراف استأنفت الانخراط المباشر لأول مرة منذ نحو سبع سنوات، غير أن النزاع يدخل عقده السادس، مشددا على أنه لا ينبغي إهدار هذه الفرصة بسلوك يقوض العملية السياسية من داخلها، أو ترك مصير الصحراويين المحتجزين بمخيمات تندوف رهينة، حسب تعبيره، “لحسابات حركة انفصالية ودولة حاضنة للمخيمات إلى ما لا نهاية”.
وأشار الكاين إلى أن القرار 2797 دعا الأطراف الأربعة إلى الانخراط في حوار جدي من دون شروط مسبقة، فيما أوضح المبعوث الشخصي أن القرار يوفر إطارا للتفاوض من دون أن يفرض نتيجة معينة.
وكشف أن التقرير يبين، في المقابل، أن جبهة البوليساريو وصفت عناصر في القرار بأنها “تحول خطير وغير مسبوق”، وتمسكت في الوقت نفسه بخيار “الكفاح المسلح”.
واعتبر أن الجمع بين الجلوس إلى طاولة التفاوض والإصرار على الخيار العسكري يمثل تناقضا لا يخدم، من وجهة نظر التحالف، حق الصحراويين في تسوية عادلة ودائمة، ولا يتسق مع التزام الأطراف بالتسوية السلمية للنزاعات وفق المادة 33 من ميثاق الأمم المتحدة.
وشدد الكاين على أن رد جبهة البوليساريو على نداءات التهدئة “يثير قلقا بالغا”، مشيرا إلى أنها أعلنت أنه لم يتبق لها أي خيار آخر سوى استئناف “كفاحها المسلح”، كما لم ترد على نداء قائد القوة بوقف الأعمال العدائية.
وأفاد بأن التقرير الأممي تحدث عن إطلاق نار نحو وحدات الجيش المغربي قرب الجدار الرملي، وعن حادثة السمارة في 5 مايو 2026، التي أصيب خلالها مدني وتضررت ممتلكات قرب منشأة سجن مدني.
وأوضح أن المبعوث الشخصي وصف الوضع بأنه “ليس وقت التصعيد العسكري”، فيما أدانت الولايات المتحدة الأمريكية الحادثة، مذكرا بأن القانون الدولي الإنساني ملزم لجميع أطراف النزاع المسلح بصرف النظر عن ادعاء الدفاع عن النفس، باعتبار أن قواعد سير العمليات العدائية مستقلة عن مشروعية اللجوء إلى القوة.
وأضاف أن هذه القواعد تشمل المادة 3 المشتركة بين اتفاقيات جنيف، إلى جانب قواعد التمييز والتناسب والاحتياط في القانون الدولي الإنساني العرفي، ولا سيما القواعد 1 و14 و15، باعتبارها القواعد الثلاث المشكلة للإطار القانوني العرفي الملزم عالميا لحماية الأبرياء أثناء الحروب والنزاعات المسلحة.
وأكد الكاين أن التحالف أخذ علما بإعلان إنشاء مكتب عسكري لمراقبة الامتثال للقانون الدولي الإنساني واعتماد “مدونة سلوك”، لكنه اعتبر أن هذه الخطوات الشكلية لا تزال بعيدة عن تحقيق قيمتها الفعلية، التي تقاس، حسب تعبيره، بالتزام ميداني يمكن التحقق منه لا بالإعلانات.
وكشف أن التقرير يبين أن جبهة البوليساريو قيدت دوريات بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء “المينورسو” بمسافة 20 كيلومترا من مواقع الفرق وبمسارات محددة في تيفاريتي وميجك، كما لم تسمح بالطلعات الجوية شرق الجدار منذ نوفمبر 2020.
وأوضح أن قائد القوة لم يتمكن من إقامة اتصال مباشر مع القيادة العسكرية للجبهة، كما لم تمنح البعثة التصاريح الأمنية اللازمة للتحقيق في حادثة 7 يونيو، فيما لا تزال قوافلها اللوجستية رهن إذن مسبق على أساس “مؤقت واستثنائي”.
وأشار الكاين إلى أن التحالف يعتبر أن “من يعطل التحقق يعطل المساءلة”، معتبرا أن استمرار القيود يقوض واجب التحقيق في الانتهاكات المحتملة للقانون الدولي الإنساني، على غرار ما قال إنه جرى في مخيمات تندوف.
وذكر أن الجزائر دولة حاضنة للمخيمات وطرف رئيسي ومشارك في المفاوضات، وأن مخيمات تندوف تقع على أراضيها، مشيرا إلى أنها دولة طرف في اتفاقية 1951 الخاصة بوضع اللاجئين وبروتوكول 1967 واتفاقية منظمة الوحدة الأفريقية لعام 1969.
وأوضح أن هذه الوضعية تضع على الجزائر، وفق التحالف، التزاما أصيلا بحماية اللاجئين على إقليمها، والتعاون مع المفوضية السامية لشؤون اللاجئين وتيسير مهامها الإشرافية وفق المادة 35 من اتفاقية 1951.
وأضاف أن تحالف المنظمات غير الحكومية الصحراوية ما فتئ يثير، منذ إنشاء مخيمات تندوف، مسألة عسكرة هذه المخيمات، في مقابل استقرار مبدأ الطابع المدني والإنساني للجوء في استنتاجات اللجنة التنفيذية للمفوضية، وفي مقدمتها الاستنتاج رقم 94، معتبرا أن المسؤولية الأولى عن الحفاظ على هذا الطابع تقع على الدولة المضيفة.
ودعا الكاين السلطات الجزائرية إلى كفالة وصول المينورسو والآليات الأممية من دون قيود إلى جميع المناطق المعنية، وإلى استخدام نفوذها لدى جبهة البوليساريو لوقف الأعمال العدائية ووقف ما وصفه بانتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان، قال إن التحالف أثارها مع آليات الأمم المتحدة التعاقدية وغير التعاقدية.
وأكد أن المعالجة الوحيدة لهذه الانتهاكات، من وجهة نظر التحالف، تتمثل في السماح برصد دولي مستقل ومحايد وشامل يطال جميع المناطق داخل المخيمات ومحيطها.
وأوضح الكاين أن التحالف يضع أطفال المخيمات في صدارة اهتمامه على المستوى الإنساني، مشيرا إلى أن التقرير يفيد بأن نحو 80 في المائة من الصحراويين يعانون انعدام الأمن الغذائي، ويقر بأن سوء التغذية الحاد والتقزم وفقر الدم لدى الأطفال في تزايد مقلق.
وأضاف أن التقرير يفيد كذلك بأن نحو 30 ألف طفل دون الخامسة معرضون لانقطاع التطعيم الروتيني، فيما يعتمد التعليم على متطوعين، معتبرا أن هذه المعطيات تستدعي التوقف عند الوضع الإنساني داخل المخيمات.
وذكّر التحالف، وفق الكاين، الجزائر بالتزاماتها بموجب المادتين 22 و23 من اتفاقية 1951 بشأن التعليم الأساسي والإغاثة والمساعدة العامة، والمواد 22 و24 و27 و28 من اتفاقية حقوق الطفل المتعلقة بحماية الأطفال اللاجئين والصحة والمستوى المعيشي والتعليم.
وأشار إلى أن التحالف يستند أيضا إلى المادة 11 من العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية بشأن الغذاء، معتبرا أن هذه الالتزامات لا يسقطها غياب التمويل الدولي ولا يبرر استمرار هذا الوضع لعقود من دون أفق.
وتوقف الكاين عند تعطل تدابير بناء الثقة، موضحا أن التواصل الأسري بين الصحراويين القاطنين بالمخيمات ومجتمعهم الأصلي معلق، فيما لا يزال مصير أشخاص مفقودين ومختفين قسريا في سياق ما وصفه بالانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان بمخيمات تندوف مجهولا.
وأكد أن التحالف يستند في هذا السياق إلى حق الأسر في معرفة مصير ذويها المفقودين، وإلى حق أطفال المخيمات في الحفاظ على صلاتهم الأسرية، منتقدا ما وصفه بتهجيرهم إلى عائلات إسبانية في سياقات ثقافية متعارضة مع الخلفية الثقافية والهوياتية لهؤلاء الأطفال.
وأوضح أن التحالف يستند كذلك إلى حرية التنقل ومغادرة أي بلد، المكفولة بموجب المادة 12 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وإلى المادة 26 من اتفاقية 1951 بشأن حرية تنقل اللاجئين.
وأكد الكاين أن مبدأ التشاور ذي المغزى مع سكان الصحراء، الذي شدد عليه الأمين العام في الفقرتين 60 و61، وفي إطار الحكم الذاتي كإطار مرجعي للحل، يعني، وفق تعبيره، “خيارا حرا وطوعيا”.
وشدد على أنه لا يحق للجزائر وجبهة البوليساريو، بحسب موقف التحالف، الادعاء بتمثيل حصري للصحراويين أو التحدث باسمهم من دون تفويض، كما لا ينبغي تقييد حرياتهم في التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات، وهي الحريات التي تكفلها المواد 19 و21 و22 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية.
واعتبر الكاين أن العودة إلى المسار السياسي تقتضي تحمل الأطراف والدولة المضيفة مسؤولياتها بوضوح، مطالبا جبهة البوليساريو بوقف إطلاق النار فورا والكف عن القصف قرب التجمعات المدنية، وتمكين المينورسو من الوصول الكامل والتحقيق في الحوادث من دون قيود.
ودعا الجزائر إلى دعم هذا المسار والانخراط الجاد في المفاوضات، والوفاء بالتزاماتها بموجب اتفاقية 1951 وبروتوكولها واتفاقية حقوق الطفل، إلى جانب تيسير الرصد المستقل والحماية الفعلية للأطفال والنساء وغيرهم.
وطالب الكاين بالعمل على تسهيل عملية إحصاء سكان المخيمات وتمكينهم من مركز قانوني يضمن حمايتهم، داعيا مجلس الأمن والدول الأعضاء إلى ممارسة ضغط متوازن وحازم على الأطراف، حتى لا تبقى المساءلة، بحسب تعبيره، “معلقة على إرادة من يملك تعطيلها”.