سياسة

“الهاكا”: “الأحرار” يتصدر متابعي “فيسبوك”.. و”البام” يستحوذ على 80% من مشاهدات “تيك توك”

رصدت دراسة حديثة للهيئة العليا للاتصال السمعي البصري تفاوتاً كبيراً في الحضور الرقمي للأحزاب السياسية المغربية الممثلة في البرلمان، مؤكدة أن حجم الجمهور أو كثافة النشر لا يكفيان وحدهما لقياس قدرة الحزب على التفاعل والتعبئة داخل الفضاء الرقمي.

واعتمدت الدراسة، التي أصدرت مجموعة العمل المعنية بموضوع “التقنين ووسائل الإعلام الرقمية” حول “منصات التواصل الاجتماعي والاتصال السياسي: بين الأثر ومخاطر التضليل”، على تحليل حضور الأحزاب على فيسبوك وتيك توك وإكس ويوتيوب، إلى جانب مواقعها الإلكترونية الرسمية، خلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026، بهدف تقديم صورة عن النشاط الرقمي للأحزاب خارج الفترة الانتخابية، ورصد مستويات الإنتاج والظهور والتفاعل ومدى الاستثمار المستمر في هذه الفضاءات.

وشملت العينة 12 حزباً سياسياً ممثلاً في البرلمان، هي التجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والحركة الشعبية، والتقدم والاشتراكية، والاتحاد الدستوري، والعدالة والتنمية، والحركة الديمقراطية والاجتماعية، وجبهة القوى الديمقراطية، وفيدرالية اليسار الديمقراطي، والحزب الاشتراكي الموحد.

واعتمدت الدراسة فترة خمسة أشهر كاملة باعتبارها مناسبة لرصد الممارسة الرقمية للأحزاب بعيداً عن ضغط الحملات الانتخابية، كما اعتمدت مؤشرات مختلفة بحسب طبيعة كل منصة، مع التمييز بين حجم الجمهور، وعدد المنشورات، والمشاهدات والتفاعلات، ونسب المشاركة.

وتظهر النتائج أن فيسبوك يظل القناة الأكثر حضوراً في المشهد الحزبي المدروس، إذ سجلت الدراسة 2651 منشوراً و1,173,469 تفاعلاً بالنسبة إلى 11 حزباً نشطاً في العينة خلال الفترة المذكورة. وفي المقابل، يكشف تحليل المنصات الأخرى عن صورة أكثر تبايناً؛ ففي تيك توك، جمعت الحسابات الستة التي شملها التحليل 925 منشوراً وأكثر من 2.4 مليون مشاهدة و59,461 تفاعلاً، بينما اقتصرت الدراسة على أربعة أحزاب في إكس وخمسة أحزاب في يوتيوب، وهو ما يعكس تفاوتاً واضحاً في درجة الاستثمار الحزبي في كل منصة وفي طبيعة الاستراتيجية الرقمية المعتمدة.

وتخلص الدراسة، في هذا الجانب، إلى أن الحضور الرقمي للأحزاب المغربية لا يمكن اختزاله في عدد المتابعين أو المنشورات، وإنما يتطلب النظر إلى التوازن بين حجم الجمهور، وانتظام الإنتاج، ونوعية المحتوى، وحجم الوصول، ومستوى التفاعل، والقدرة على تحويل المتابعة الرقمية إلى علاقة مستمرة مع المواطنين. وتكشف البيانات أن بعض الأحزاب تمتلك جماهير كبيرة لكنها تحقق معدلات تفاعل محدودة، بينما تتمكن أحزاب ذات قواعد رقمية أصغر من تحقيق مستويات مشاركة أعلى، وهو ما يجعل “الوزن الرقمي” مفهوماً أكثر تعقيداً من مجرد عدد المتابعين أو كثافة النشر.

فيسبوك.. جمهور واسع وفوارق كبيرة في التفاعل

تكشف معطيات الدراسة الخاصة بفيسبوك عن تفاوت واضح بين الأحزاب من حيث الجمهور والنشر والتفاعل. فقد تصدر حزب التجمع الوطني للأحرار من حيث عدد المتابعين بنحو 1.4 مليون متابع، يليه حزب العدالة والتنمية بنحو 1.2 مليون، ثم حزب الأصالة والمعاصرة بـ562 ألفاً، والتقدم والاشتراكية بـ389 ألفاً، والاستقلال بـ156 ألفاً، والاتحاد الاشتراكي بـ145 ألفاً، فيما تتراجع أعداد المتابعين لدى الأحزاب الأخرى، وعلى مستوى التفاعل الإجمالي، جاء الأصالة والمعاصرة في المقدمة بـ390,733 تفاعلاً، يليه العدالة والتنمية بـ336,268، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ177,470 تفاعلاً.

غير أن الدراسة تبرز أن ترتيب الأحزاب يتغير عندما يتم احتساب التفاعل مقارنة بعدد المتابعين، إذ سجلت الحركة الشعبية أعلى معدل تفاعل إجمالي وفق هذا المؤشر بـ135.6 في المائة، متبوعة بالأصالة والمعاصرة بـ69.5 في المائة والاستقلال بـ62.4 في المائة، بينما بلغ المعدل 28 في المائة بالنسبة إلى العدالة والتنمية و12.7 في المائة بالنسبة إلى التجمع الوطني للأحرار، ووصل إلى 1.5 في المائة فقط لدى الاتحاد الدستوري.

وتوضح الدراسة أن تجاوز الحركة الشعبية عتبة 100 في المائة لا يعني بالضرورة أن كل متابع تفاعل أكثر من مرة، وإنما يرتبط بحساب التفاعلات المتراكمة مقارنة بقاعدة متابعين محدودة، ما يؤكد ضرورة قراءة المؤشرات الرقمية في سياقها وعدم اختزال الأداء في رقم واحد.

وتسجل الدراسة أيضاً اختلافاً في طبيعة المحتويات المنشورة على فيسبوك، بين الصور والفيديوهات و”ريلز” والنصوص. فقد نشر العدالة والتنمية، على سبيل المثال، 733 مادة خلال الفترة، فيما بلغ عدد منشورات التجمع الوطني للأحرار 371، والأصالة والمعاصرة 330، والاستقلال 306، والتقدم والاشتراكية 471، والاتحاد الاشتراكي 193، بينما تراوحت الأرقام بين 15 منشوراً للاتحاد الدستوري و77 للحركة الشعبية. وتظهر هذه المعطيات أن كثافة الحضور الرقمي تختلف بشكل كبير بين حزب وآخر، كما أن شكل المحتوى نفسه يختلف من استراتيجية إلى أخرى.

تيك توك.. الأصالة والمعاصرة يحقق الجزء الأكبر من المشاهدات

على تيك توك، درست الهيئة ستة أحزاب هي فيدرالية اليسار الديمقراطي، والحركة الشعبية، والأصالة والمعاصرة، والتقدم والاشتراكية، والاستقلال، والتجمع الوطني للأحرار. وخلال الفترة الممتدة من يناير إلى ماي 2026، بلغ مجموع المنشورات 925 منشوراً، بإجمالي 2,415,798 مشاهدة و59,461 تفاعلاً، واعتمدت الدراسة في احتساب معدل التفاعل على مجموع الإعجابات والتعليقات وإعادة النشر مقارنة بعدد المشاهدات، باعتبار أن عدد المتابعين لا يعكس بالضرورة حجم الجمهور الذي يصل إليه المحتوى عبر آليات الانتشار الخوارزمي.

وتظهر الأرقام تفوقاً لافتاً للأصالة والمعاصرة، الذي حقق 1,911,992 مشاهدة من خلال 52 فيديو فقط، أي ما يقارب 80 في المائة من مجموع المشاهدات المسجلة للأحزاب الستة. وجاء التقدم والاشتراكية في المرتبة الثانية بـ241,042 مشاهدة، ثم فيدرالية اليسار الديمقراطي بـ103,253، والتجمع الوطني للأحرار بـ101,910 مشاهدة، بينما بلغ عدد منشورات الأخير 686 فيديو، وهو رقم يفوق بكثير باقي الأحزاب المدروسة. ومع ذلك، لم يؤد حجم النشر إلى نتيجة مماثلة في معدل التفاعل، إذ بلغ المعدل لدى التجمع الوطني للأحرار 1.07 في المائة، مقابل 2.65 في المائة للأصالة والمعاصرة و2.63 في المائة لفيدرالية اليسار الديمقراطي.

وتخلص الدراسة، بناء على هذه المقارنة، إلى أن كثرة المتابعين أو المنشورات لا تضمن بالضرورة مستوى مرتفعاً من التفاعل، وأن طبيعة المحتوى وملاءمته للجمهور وانتظام النشر عوامل أساسية في تفسير الأداء. وتعتبر أن الأصالة والمعاصرة كان الحزب الأكثر أداء على تيك توك خلال الفترة المدروسة من حيث المشاهدات والتفاعلات ومعدل المشاركة، بينما أظهرت فيدرالية اليسار الديمقراطي مستوى تفاعل لافتاً رغم صغر قاعدة جمهورها، في حين سجل التجمع الوطني للأحرار حجماً مرتفعاً جداً من النشر لكن بمعدل مشاركة أقل. أما معطيات الحركة الشعبية فاعتبرتها الدراسة غير كافية لبناء تشخيص قوي، وتحتاج إلى تتبع أطول زمنياً.

إكس.. الاتحاد الاشتراكي يتقدم في التفاعل رغم قلة النشر

أما على منصة إكس، فقد اقتصرت الدراسة على أربعة أحزاب هي الأصالة والمعاصرة، والتقدم والاشتراكية، والتجمع الوطني للأحرار، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، باعتبارها الأحزاب التي كانت تتوفر على حسابات داخلة ضمن شروط التحليل خلال الفترة المحددة. ويبلغ عدد متابعي التجمع الوطني للأحرار 31,400، مقابل 10,700 للأصالة والمعاصرة، و6,957 للتقدم والاشتراكية، و3,122 للاتحاد الاشتراكي. لكن مرة أخرى، لا يتطابق حجم الجمهور مع مستوى النشاط أو التفاعل.

فقد كان التجمع الوطني للأحرار الأكثر نشراً بـ619 منشوراً، يليه الأصالة والمعاصرة بـ296، والتقدم والاشتراكية بـ49، والاتحاد الاشتراكي بـ48 منشوراً، مع ملاحظة أن بيانات الاتحاد الاشتراكي تغطي شهر ماي فقط. ومع ذلك، تصدر الاتحاد الاشتراكي التفاعل الإجمالي بـ253 تفاعلاً، مقابل 106 للتجمع الوطني للأحرار و59 للتقدم والاشتراكية و39 للأصالة والمعاصرة. وباحتساب التفاعل مقارنة بالمشاهدات، بلغ معدل المشاركة لدى الاتحاد الاشتراكي 2.73 في المائة، مقابل 1.67 في المائة للتقدم والاشتراكية و0.33 في المائة للتجمع الوطني للأحرار و0.27 في المائة للأصالة والمعاصرة.

وتقرأ الدراسة هذه النتائج باعتبارها مثالاً واضحاً على أن كثافة الإنتاج الرقمي لا تعني بالضرورة فاعلية أكبر، إذ يمكن أن يؤدي رفع عدد المنشورات دون تحقيق تفاعل متناسب إلى ما يشبه “تخفيف” معدل المشاركة. كما تشير إلى أن التجمع الوطني للأحرار سجل قفزة كبيرة في عدد منشوراته خلال أبريل 2026، حين نشر 329 مادة وحقق 16,799 مشاهدة خلال الشهر، أي أكثر من نصف مجموع مشاهداته خلال الفترة كاملة، بينما ظل نشاط الأصالة والمعاصرة أكثر استقراراً. كما سجل التقدم والاشتراكية تحسناً تدريجياً في معدل التفاعل الشهري، من 1.23 في المائة في مارس إلى 1.89 في المائة في ماي.

يوتيوب.. حضور محدود واستراتيجيات متباينة

على يوتيوب، حللت الدراسة حضور خمسة أحزاب هي العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، والأصالة والمعاصرة، والتقدم والاشتراكية، والحركة الشعبية. وخلال الفترة المدروسة، بلغ مجموع الفيديوهات المنشورة 507 فيديوهات، حققت 1,769,524 مشاهدة و24,178 تفاعلاً. ويتصدر العدالة والتنمية من حيث عدد المشتركين بـ102 ألف مشترك، يليه الأصالة والمعاصرة بـ47,200، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ27,300، والتقدم والاشتراكية بـ5,730، والحركة الشعبية بـ2,440 مشتركاً.

وتظهر النتائج تفاوتاً آخر في الأداء؛ فقد نشر التجمع الوطني للأحرار 186 فيديو وحقق 851,944 مشاهدة، فيما نشر العدالة والتنمية 169 فيديو وحقق 800,285 مشاهدة و21,800 تفاعل، بينما نشر الأصالة والمعاصرة 130 فيديو لكن دون تسجيل تفاعلات أو مشاهدات في البيانات المعتمدة بالدراسة، في حين نشر التقدم والاشتراكية 44 فيديو والحركة الشعبية 107 فيديوهات. وعلى مستوى معدل التفاعل، تصدر العدالة والتنمية بـ2.72 في المائة، يليه التقدم والاشتراكية بـ1.71 في المائة والحركة الشعبية بـ1.21 في المائة، مقابل 0.09 في المائة للتجمع الوطني للأحرار.

وتلفت الدراسة إلى أن ارتفاع عدد المشاهدات لدى التجمع الوطني للأحرار ارتبط بدرجة كبيرة بفيديو واحد انتشر بشكل واسع، بينما ظل معدل التفاعل منخفضاً ولم تسجل تعليقات، وهو ما يؤكد أن الانتشار الفيروسي لمحتوى واحد لا يكفي لقياس قوة الاستراتيجية الرقمية برمتها. وفي المقابل، تميز العدالة والتنمية بتوازن أكبر بين حجم النشر والتفاعلات ومعدل المشاركة، فيما بدا حضور الأصالة والمعاصرة على يوتيوب محدوداً للغاية خلال الفترة المدروسة رغم امتلاكه قاعدة متابعين كبيرة نسبياً. وتخلص الدراسة إلى أن حجم الجمهور وعدد المشاهدات والقدرة على خلق تفاعل فعلي أبعاد مختلفة لا ترتبط بالضرورة ببعضها البعض.

المواقع الرسمية.. العدالة والتنمية في الصدارة بفارق كبير

لم تقتصر الدراسة على شبكات التواصل، بل شملت أيضاً المواقع الإلكترونية الرسمية للأحزاب الاثني عشر، باعتبارها قناة مختلفة ذات وظيفة مؤسساتية وإخبارية، وإن كانت الدراسة ترى أن هذه المواقع لا تتمتع بالجاذبية نفسها التي تتمتع بها منصات التواصل. وخلال 151 يوماً، أي خمسة أشهر كاملة، بلغ مجموع المقالات المنشورة 3865 مقالاً وفق الجدول التفصيلي، تصدرها حزب العدالة والتنمية بـ1849 مقالاً، أي 47.9 في المائة من إجمالي الإنتاج، يليه الأصالة والمعاصرة بـ948 مقالاً بنسبة 24.5 في المائة، ثم التجمع الوطني للأحرار بـ524 مقالاً بنسبة 13.6 في المائة. وبذلك استحوذت الأحزاب الثلاثة على نحو 85.9 في المائة من حجم النشر على المواقع الرسمية.

وتظهر بعد ذلك فجوة كبيرة بين الأحزاب، إذ نشر الاتحاد الاشتراكي 142 مقالاً، والتقدم والاشتراكية 134، والحركة الشعبية 110، وجبهة القوى الديمقراطية 83، وفيدرالية اليسار الديمقراطي 41، والحزب الاشتراكي الموحد 24، والاتحاد الدستوري 8 مقالات، فيما سجل كل من الاستقلال والحركة الديمقراطية والاجتماعية مقالاً واحداً فقط خلال الفترة. وتوضح الدراسة أن هذه الفوارق تقسم المشهد إلى مجموعة أولى تتجاوز 500 مادة، ومجموعة متوسطة يتراوح إنتاجها بين 80 و150 مادة، وأخرى يقل إنتاجها عن 50 مادة، كما تشير إلى أن توقف عدد من المواقع عن التحديث بشكل شبه كامل قد يعكس انقطاعات تقنية أو ضعفاً في انتظام التحديث.

وتؤكد الدراسة أن مفهوم “الإنتاجية” المعتمد في تحليل المواقع لا يعني جودة المحتوى أو مدى تأثيره، وإنما يقيس فقط تواتر نشر المواد خلال الفترة المحددة، ولذلك لا ينبغي الخلط بين كثرة المقالات وبين قوة الحضور السياسي أو الجماهيري. وفي المحصلة، تقدم الدراسة صورة عن انتقال الاتصال الحزبي إلى بيئة متعددة المنصات، حيث يحتفظ فيسبوك بدور أساسي في التفاعل والقرب من الجمهور، بينما يمنح تيك توك إمكانية الوصول الفيروسي إلى الأجيال الشابة، ويوفر يوتيوب مساحة للسرد والتفسير، ويتميز إكس بسرعة التفاعل مع الأحداث، في حين تبقى المواقع الرسمية فضاءً مؤسساتياً ومرجعياً أكثر منه فضاءً جذاباً للتفاعل اليومي.