سياسة

تفويض بلا سند

قراءة في قرار وزير الداخلية رقم 1810.26 بتفويض سلطة التحصيل الجبري إلى الولاة والعمال

مقدمة

شكّل صدور القانون رقم 14.25 المغير والمتمم للقانون رقم 47.06 المتعلق بجبايات الجماعات الترابية محطة جديدة في مسار إعادة هندسة تدبير الجبايات المحلية، وعاءً وتحصيلاً.

فقد أصبحت المديرية العامة للضرائب مكلفة بوعاء وتحصيل رسمي السكن والخدمات الجماعية، بعدما كانت الخزينة العامة للمملكة تتولى تدبيرهما بموجب التعديل الذي جاء به القانون رقم 07.20، في حين أصبحت الجماعات ــ عن طريق القباضات الجماعية ــ  تتولى التحصيل الودي والجبري لباقي الرسوم، إلى جانب تدبيرها لوعائها، باستثناء الرسم المهني ورسمي السكن والخدمات الجماعية.

وفي سياق تنزيل مقتضيات هذا القانون، صدر قرار لوزير الداخلية يحمل رقم 1810.26 بتاريخ 17 غشت 2026، نشر بالجريدة الرسمية في 28 شتنبر 2026، يقضي بتفويض السلطة إلى ولاة الجهات وعمال العمالات والأقاليم، غير أن بعض بنوده تثير، في تقديري، تساؤلات جدية حول سندها التشريعي.

فإلى أي حد يستند هذا القرار إلى أساس قانوني سليم؟ وهل يملك وزير الداخلية أصلا الاختصاص الذي فوّضه؟

للإجابة عن ذلك، سأتناول في محور أول السياق التشريعي منذ صدور القانون 06.47 الى غاية صدور قرار وزير الداخلية ومضمونه، ثم أتوقف في محور ثان عند الإشكال القانوني الذي يطرحه التفويض في سلطة الإعفاء من صوائر التحصيل الجبري.

المحور الأول: القرار في سياق إعادة توزيع الاختصاص الجبائي المحلي

ظلت المنظومة التشريعية للجبايات المحلية (الحماعات الترابية) لسنوات طويلة تتسم بالتشتت والتفرقة، إلى أن جاء القانون رقم 06-47 ليطوي هذه المرحلة ، ومع ذلك لم يعرف تدبير هذه الجبايات استقرارا على مستوى نوعية المتدخلين وصلاحياتهم مابين 2007 و 2025.

أولا: من توحيد النص إلى إعادة توزيع الأدوار

ظل القانون رقم 47.06 النص المرجعي المنظم لجبايات الجماعات الترابية منذ اقراره سنة 2007، وقد جاء ليضع حدا لوضعية التشتت التي عرفتها المنظومة الجبائية المحلية قبل صدوره، حين كان كل رسم يخضع لنص مستقل صادر في فترات متباعدة، غير أن هذا التوحيد لم يمر دون ارتباك؛ إذ سرعان ما تبين أن بعض الرسوم والإتاوات التي كانت سارية قبل صدوره لم يتم استيعابها ضمن النص الجديد، رغم استمرار الحاجة إليها في التدبير المالي المحلي.

وهو ما استدعى تدخلاً تشريعياً تصحيحياً تمثل في القانون رقم 30.09، الذي تضمن مادة فريدة تنص على استمرار العمل ببعض مقتضيات القانون رقم 30.89 المتعلق ببعض الإتاوات، في اعتراف ضمني بمحدودية استيعاب القانون رقم 47.06 لكامل الموروث الجبائي المحلي السابق عليه.

ثم جاء القانون رقم 07.20 ليوزع الاختصاص بين المديرية العامة للضرائب والخزينة العامة للمملكة، فأسند إلى هذه الأخيرة تدبير رسمي السكن والخدمات الجماعية وعاء وتحصيلا، مع تكفلها بالتحصيل الجبري لباقي الرسوم الجماعية.

وحتى قبل ان تنضج ثمار هذا الإصلاح وتتوفر المدة الزمنية الكافية لتقييمه والحكم على نجاحه من فشله، جاء القانون رقم 14.25 بسرعة البرق وبدون حيثيات مسبقة، ليسحب هذا الاختصاص من الخزينة العامة للمملكة، ويعيد إلى المديرية العامة للضرائب تدبير وعاء رسمي السكن والخدمات الجماعية وتحصيلهما، إلى جانب الرسم المهني، ولينص على إحداث القباضات الجماعية ـــ دون تهييء الظروف المسبقة لممارسة مهامها ونجاحها ــ التي أوكل إليها مباشرة جميع إجراءات التحصيل الودي والجبري المتعلقة برسومها، مبعدا بذلك الخزينة العامة للمملكة عن هذا المجال.

ولن أخوض هنا في مبررات هذا التوزيع وغاياته، ولا في مدى انسجامه مع واقع التنزيل والإكراهات التي اعترضت وستعترض تنزيله، على اعتبار انه سبق وأن ناقشنا ذلك في مواضع كثيرة، بل سنركز على القرار الاخير للسيد وزير الداخلية الذي يتموقع في سياق تنزيل القانون رقم 25.14.

ثانياً: مضمون القرار ودوافعه

منذ صدور القانون رقم 14.25 سارعت وزارة الداخلية بتنزيل مضامينه، بإحداث 92 قباضة جماعية نقل إليها اختصاص تحصيل الرسوم الجماعية من قباضات الخزينة، رغم ما رافق ذلك من إشكالات عملية قانونية وتدبيرية.

غير أن تعثر هذا الورش على مستوى الجماعات، وعدم شروع الكثير منها في مباشرة اختصاصها كاملا، وضعف المردودية المسجلة خلال السنة الأولى للتجربة، كل ذلك فرض على وزارة الداخلية محاولة تدارك الأمر وتسريع التنزيل حتى يتم انقاذ ميزانية الجماعات الترابية من الافلاس.

وفي هذا الإطار جاء القرار موضوع هذا المقال، الذي يفوض بموجبه وزير الداخلية إلى الولاة والعمال ثلاث سلط مرتبطة بتحصيل الديون العمومية التي يباشرها القباض الجماعيون، ويتعلق الامر ب:

  • الترخيص بمباشرة التحصيل الجبري من طرف القباض الجماعيين؛
  • انتداب مأموري التبليغ والتنفيذ؛
  • منح الإعفاء أو التخفيض من صوائر التحصيل الجبري المنصوص عليها في المادتين 90 و91 من القانون رقم 15.97 بمثابة مدونة تحصيل الديون العمومية..

وإذا كان التفويض في السلطتين موضوع النقطة الاولى والثانية، يعيد النقاش حول وضعية القباضات الجماعية وتبعيتها وخضوعها المباشر لوزارةالداخلية، في حين أن القباض، كان يفترض أن يتمتعوا باستقلالية عن وزارة الداخلية، كماروج لذلك أثناء مناقشة وإقرار القانون رقم 14.25 (مبدأ التدبير الحر والاستقلال المالي للجماعات) وفي الاخير وجدوا أنفسهم في تبعية مباشرة لسلطةالعمال والولاة،  فإن الإشكال أساسا يتركز في السلطة الثالثة وهو ما سنركز عليه.

المحور الثاني: التفويض في الإعفاء من صوائر التحصيل الجبري، تفويض بلا سند

من بين الشروط الثابتة في القانون الإداري في ميدان التفويض، أنه لا تفويض إلا بوجود نص صريح يجيز التفويض، وأن يصدر التفويض من صاحب الإختصاص الأصيل، فهل يتوفر القرار الأخير للسيد وزير الداخلية على سند قانوني؟ وهل يملك  الوزير الاختصاص الذي فوضه؟

أولا: لا يفوض أحدما لا يملك

القاعدة الراسخة في القانون الإداري أن التفويض نقل لاختصاص ثابت للمفوِض إلى المفوَض إليه، ولا يصح إلا بسند قانوني صريح، والمادة 122 من مدونة تحصيل الديون العمومية تمنح سلطة الإعفاء أو التخفيض من الزيادة عن التأخير ومن صوائر التحصيل، ومنها الصوائر المنصوص عليها في المادتين 90 و91، للوزير المكلف بالمالية أو لمن يفوّضه.

فهو اختصاص حصري إذن لوزير الاقتصاد والمالية، وهو وحده من يملك تفويضه للغير، أما وزير الداخلية، فليس له على هذا المستوى ما يفوضه، ومن ثم يكون تفويضه منعدم الأساس، بل مشوبا بعيب عدم الاختصاص.

ثانيا: المادة 162 من القانون رقم 47.06 لا تسعف القرار

قد يحتج البعض بأن المادة 162 من القانون رقم 47.06 كما تم تغييره تمنح وزير الداخلية سلطة مماثلة، والجواب قطعاً لا، فالمختصون والممارسون في مجال تحصيل الديون العمومية يميزون جيدا بين ثلاثة عناصر: أصل الدين، والغرامات والزيادات عن التأخير، وصوائر التحصيل أي مصاريف المتابعات.

فالفقرة II من المادة 162 تخول السلطة المكلفة بالمالية أو بالداخلية، أو من تفوضانه، سلطة الإبراء أو التخفيف من الزيادات والغرامات والذعائر وباقي الجزاءات، بناء على طلب الملزم ومراعاةلظروفه، وهي سلطة جزائية محضة، لا تتناول صوائر التحصيل الجبري، وهذا التمييز مقصود، إذ تذكر المادة 122 نفسها الزيادة والصوائر كلا باسمه، والصوائر هي كلفة إجراءات جبرية تنشأ وفق القانون رقم 15.97 لا وفق القانون رقم 47.06.

والمفارقة أن القرار فوض ما لا يملكه الوزير، أي صوائر المادتين 90 و91 التي تعود لوزير المالية حكرا، ولم يشمل ما يملكه فعلا بمقتضى المادة 162، ولا ينقذه حصر نطاقه في ديون القانون رقم 47.06، لأن الإشكال يكمن في طبيعة الصوائر لا في نوع الدين، يضاف إلى ذلك أن تأشيرات القرار لا تتضمن المادتين 122 و162 معا، فيغيب الأساس القانوني الذي كان ينبغي أن ُبنى عليه التفويض.

ثالثا: انعكاسات تتجاوز الشكل

لا يقف الأمر عند حدود المشروعية الشكلية، فقد يُطرح سؤال الطعن في القرار، لكن من طرف من؟ ومن له مصلحة في ذلك؟ ومن المتضرر؟ وهل تتدخل وزارة الإقتصاد والمالية؟ وهل يقدر القباض الجماعيون على الطعن؟ ثم هل سيعفيهم هذا القرار من مساءلة المجلس الأعلى للحسابات بخصوص المراقبة القبلية الواجبة لصفة الآمر بالصرف، المنصوص عليها في المادة 11 من المرسوم الملكي رقم 330.66 بسن نظام عام للمحاسبة العمومية، والمادة 80 من المرسوم رقم 2.17.451 بسن نظام للمحاسبة العمومية للجماعات ومؤسسات التعاون بين الجماعات؟

إن هؤلاء القباض، الذين كان يفترض أن يتمتعوا باستقلالية عن وزارة الداخلية، كما روج لذلك أثناء مناقشة و إقرار القانون رقم 14.25 بخلق إدارة جبائية محلية، وجدوا أنفسهم في تبعية مباشرة لها.

وتزداد حساسية المسألة لأن دورهم الجديد يرفع درجة الاعتماد على سلطات الولاة والعمال في الترخيص بالتحصيل الجبري، فتصبح مسألة من يملك الإعفاء من كلفته، مسألة تمس حقوق الملزمين وموارد الجماعات معا.

خاتمة

كان من الأفضل منذ البداية أن يصدر قرار مشترك بين وزيري الداخلية والاقتصاد والمالية تفاديالهذه الإشكالات، أو أن يصدر قراران منفصلان، كل في مجال اختصاصه، أما الآن، فالتصحيح العملي يمر عبر أحد طريقين: تعديل القرار ليقتصر على الجزاءات وفق المادة 162 من القانون رقم 47.06، أو استصدار تفويض من وزير الاقتصاد والمالية لفائدة الولاة والعمال بمقتضى المادة 122 من مدونة تحصيل الديون العمومية، ومع كل ذلك سيبقى قرار وزير الداخلية بدون سند قانوني، وعلى المدى المتوسط، ينبغي التفكير في تعديل هذه المدونة لتستوعب المستجدات التي أفرزتها متغيرات القانون رقم 25-14.

ذلك أن الإصلاح، مهما كانت غاياته، ينبغي أن يفعل بقرارات تنظيمية تلتزم بحدود النصوص التشريعية وتنسجم معها، حتى تكون مشروعة وذات سند قانوني، فمبدأ المشروعية ليس ترفا شكليا، بل هو الضمانة الأولى لحقوق الملزمين واستقرار المالية المحلية.

*دكتور في المالية العامة، رئيس منتدى الباحثين بوزارة الاقتصاد والمالية