منتدى العمق

عليّ بن المنتصر الكتّاني: رجلٌ بأمّة

العالِمُ الذي جمع بين المختبر والمحراب، وحمل همّ الأقليات المسلمة من أستراليا إلى الأندلس

في سجلّ الرجال الذين تتجاوز سِيَرُهم حدودَ الترجمة الفردية لتغدوَ فصلًا من فصول التاريخ الحضاري للأمة، يتبوّأ العلّامة الدكتور عليّ بن المنتصر الكتّاني (فاس، 27 سبتمبر 1941 – قرطبة، 10 أبريل 2001) منزلةً فريدة؛ إذ استطاع أن يُمسك — في آنٍ واحد — بخيوط العلم التجريبي الحديث، والوعي الدعوي الرسالي، والحسّ الحضاري العميق بالانتماء إلى تراث الأندلس والمغرب، فكان — بحقّ — “رجلًا بأمّة” على حدّ التعبير القرآني الذي وصف به الخليلُ إبراهيم عليه السلام.

النسب والتكوين: جذورٌ في تربة العلم والشرف

تُعدّ أسرة الكتّانيين من أعرق الأسر العلمية الشريفة بالمغرب الأقصى، وقد تميّزت عبر العصور بحضور ثلاثي الأبعاد: علميّ في حلقات الدرس والإفتاء، وصوفيّ في رحاب التربية والسلوك، وجهاديّ في ميادين الدفاع عن الأمة وثوابتها. ومن هذه التربة الثرية نبت عليّ بن المنتصر؛ فوالده هو محدّث الحرمين الشريفين الشيخ محمد المنتصر الكتّاني، أحد أبرز المحدّثين والعلماء في عصره، ووالدته هي السيدة أمّ هانئ، سليلة العلّامة الخطيب عبد السلام من آل الفاسي الفهري، تلك الأسرة التي طبعت الحياة الفكرية المغربية بميسمها منذ قرون. وبذلك التقى في شخصه نهران من أنهار المجد العلمي المغربي، فكان أن حمل في وجدانه ميراثًا مزدوجًا من العلم والتقوى شكّل البوصلة التي وجّهت مسيرته اللاحقة كلّها.

التحصيل الأكاديمي: عبقرية مبكّرة عابرة للقارات

لم يكتفِ عليّ الكتّاني بالعلوم الشرعية التي رضعها في أسرته، بل توجّه في مطلع شبابه إلى سويسرا، حيث التحق بجامعة لوزان لدراسة العلوم الهندسية، متخصّصًا في الهندسة الكهربائية، فنال منها درجة الماجستير. ثم انتقل إلى السويد ليشتغل في معهد الطاقة النووية لعدة أشهر، قبل أن يرتحل إلى الولايات المتحدة الأمريكية حيث تخصّص في مجال الطاقة، ولا سيما الطاقة الشمسية المتجددة، وتوّج مساره الأكاديمي بنيل درجة الدكتوراه ولمّا يتجاوز الرابعة والعشرين من عمره. وهو إنجاز يضعه في مصافّ العقول العلمية المبكّرة التي لا تقاس بالأعمار بل بالثمار.

ابتكار علم الأقليات الإسلامية: رؤية سابقة لعصرها

إذا كان لكلّ عالِمٍ لحظةٌ فارقة يُعاد فيها تعريف مشروعه الفكري، فإن لحظة عليّ الكتّاني كانت حين أدرك — خلال رحلاته عبر القارات — أن ملايين المسلمين المنتشرين خارج الجغرافيا الإسلامية التقليدية يعيشون في فراغ تنظيمي ومؤسسي خانق. فابتكر ما يمكن أن نسمّيه “علم الأقليات الإسلامية”، وهو حقل معرفي جديد يجمع بين الدراسة الديموغرافية، والتحليل الاجتماعي، والتأطير الدعوي، والتخطيط المؤسسي.

وقد صبّ خلاصة تجربته في كتابه الموسوعي “المسلمون في أوروبا وأمريكا”، وهو مؤلَّف فريد في بابه؛ إذ يمزج بين الخطاب العلمي والفلسفي والإخباري والتاريخي وأدب الرحلة، حتى عُدّ من أهمّ رحلات المغاربة في العصر الحديث. يرصد الكتاب أحوال المسلمين في مختلف المدن والدول الأوروبية والأمريكية والأسترالية، ويشخّص مشكلات الأقليات الإسلامية، ويحلّل أسبابها، ويقترح سُبُل معالجتها بمنهجية علمية تجمع بين الواقعية والطموح.

المشروع التنظيمي: من الجمعية المحلية إلى المجلس العالمي

لم يقف الكتّاني عند حدود التأليف والتنظير، بل انخرط في العمل التنظيمي الميداني بطاقة لا تعرف الكلل. كانت رؤيته تقوم على هندسة هرمية دقيقة: تنظيم المسلمين في جمعيات محلية في كلّ مدينة، ثم جمعية عامة في كلّ دولة، ثم مجلس إقليمي في كلّ قارة، وصولًا إلى مجلس عام يمثّل المسلمين أجمعين. وهذه الرؤية، التي تحمل بصمات الفكر المقاصدي والتنظيمي الذي ورثه عن والده العلّامة محمد المنتصر الكتّاني، كانت سابقة لعصرها بعقود، ولا يزال صداها يتردّد في كثير من المؤسسات الإسلامية العاملة اليوم في الغرب.

ومن أبرز ثمار هذا الجهد التنظيمي أنه نجح في تنظيم المسلمين في أستراليا، وهم اليوم يقاربون ثمانمائة ألف مسلم، كما نجح خلال رحلاته الدعوية في أمريكا الجنوبية في إدخال دولتي غويانا وسورينام إلى منظمة المؤتمر الإسلامي، وهما أول دولتين في تلك القارة تنضمّان إلى المنظمة، فيما وُصف بأنه فتحٌ إسلامي كبير فتح الباب أمام جمهوريات أخرى لتحذوَ حذوهما.

المؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا والتنمية: جسر بين المعرفة والنهضة

في عام 1982، انتقل الدكتور الكتّاني إلى جدة حيث أسّس المؤسسة الإسلامية للعلوم والتكنولوجيا والتنمية، وتولّى إدارتها العامة بنفسه. وقد عُنيت هذه المؤسسة بنشر العلوم والتكنولوجيا وتشييد بناها التحتية في مختلف الدول الإسلامية، وأرسلت عشرات المنح الدراسية في مرحلتي الدكتوراه والماجستير وفي شتى التخصصات إلى جامعات العالم، فتخرّج منها كبار علماء المسلمين في مجالات الطاقة والعلوم التجريبية والبحتة. وبذلك أثبت الكتّاني أن الدعوة إلى الله لا تنفصل عن بناء القدرات العلمية والتقنية للأمة، وأن النهضة الحقيقية لا تتمّ إلا بالجمع بين نور الوحي وقوة المختبر.

حلم الأندلس: استعادة الجسر الحضاري

لعلّ من أعمق أبعاد شخصية عليّ الكتّاني ذلك الحنين الحضاري إلى الأندلس، الفردوس المفقود الذي ظلّ يسكن وجدان المغاربة عبر القرون. لم يكن هذا الحنين عنده مجرّد عاطفة رومانسية، بل تحوّل إلى مشروع عملي متعدّد الأوجه. فقد أسّس في قرطبة جمعية جامعة تحمل اسم الفيلسوف ابن رشد، واشتغل على وثائق أندلسية بالغة الأهمية تربط الحضارة المغربية بنظيرتيها الإسبانية والأمريكية، وتكشف عن الأثر العميق الذي تركه المسلمون في تلك الجغرافيات.

كما عمل على جمع وثائق عدة في هذا الشأن، قدّمها بين يدي جلالة الملك محمد السادس حفظه الله، في لقاء مبكّر جمعه بجلالته إثر توليه مقاليد الحكم، ممّا يدلّ على المكانة التي كان يحظى بها على المستوى الرسمي، وعلى جدّية مشروعه في نظر أعلى سلطة في البلاد.

المنهج التربوي: بين التشدّد والانحلال

على الرغم من انشغالاته الدعوية والعلمية الكثيفة، لم يُغفل الدكتور الكتّاني واجبه التربوي تجاه أبنائه. وقد لخّص نجله الدكتور حسن الكتّاني — أحد كبار الدعاة النشطين بالمغرب — منهج والده التربوي في عبارة موجزة بليغة: “كان أبي ينهانا عن التشدّد وعن الانحلال”. وهي عبارة تختزل فلسفة الوسطية الإسلامية في أجلى صورها، وتكشف عن رجل كان يعيش الإسلام بوصفه منهج اعتدال وتوازن، لا بوصفه ردّ فعل متطرّفًا في أيّ اتجاه.

وقد أثمر هذا المنهج التربوي جيلًا من الأبناء الذين يحملون راية والدهم بأمانة وإخلاص: فنجله الدكتور حمزة الكتّاني يواصل العمل في مجال تحقيق تراث الأسرة الكتّانية ونشر تصوّفها الأصيل، وابنته الدكتورة حسناء الكتّاني تنشر فكره وعلمه وأخلاقه، وسائر أبنائه ممّن يُعرفون بغيرتهم على قضايا الأمة والذبّ عنها بكلّ ما أتاحه الله لهم من جهد وطاقة.

الرحيل الغامض: شهادة على درب الدعوة

في سحر ليلة الثلاثاء، 15 محرّم الحرام 1422هـ، الموافق 10 أبريل 2001م، رحل الدكتور عليّ بن المنتصر الكتّاني عن دنيانا في مدينة قرطبة الأندلسية، المدينة التي أحبّها وأراد أن يُحيي فيها ذاكرة الإسلام الحضارية. وقد ظلّت ملابسات وفاته غامضة، غير أن خيوط الاغتيال — كما تؤكد أسرته — تبدو واضحة للعيان؛ إذ سبقت وفاتَه تهديدات بالقتل تلقّاها من اليمين المتطرّف الإسباني بسبب نشاطه الإسلامي الكبير في إسبانيا وأوروبا. وكان الفقيد يستعدّ حينها للعودة إلى وطنه المغرب.

نُقل جثمانه من الغد إلى الرباط، حيث شُيّع في جنازة مهيبة ظهر يوم الخميس الموالي، ليوارَى الثرى في مقبرة الشهداء، في رمزية عميقة تختزل حياة رجل عاش شهيد الدعوة حيًّا، وانتقل شهيدها إلى بارئه. والأسرة مقتنعة بأنه انتقل شهيدًا إلى الله في سبيل نصرة دعوة جدّه صلى الله عليه وسلم.

خاتمة: الرجل الأمّة

حين نتأمّل مسيرة عليّ بن المنتصر الكتّاني في مجملها، ندرك أننا أمام نموذج نادر لما يمكن أن يصنعه الفرد حين تجتمع فيه أربعة عناصر: عمق التكوين الشرعي والروحي، والتفوّق في العلوم الحديثة، والرؤية الاستراتيجية البعيدة المدى، والجرأة في التنفيذ والعمل الميداني. لقد كان رجلًا تخرّج من مختبر العلم ومحراب العبادة معًا، فجمع بين طاقة الشمس التي درسها في المختبر وطاقة الروح التي أشعلها في محراب العبودية لله. حمل همّ الأقليات الإسلامية في أصقاع الأرض، وحلم باستعادة الفردوس الأندلسي المفقود، وبنى جسورًا بين الحضارات لم يقوَ الموتُ الغامض على هدمها.

إنه — بحقّ — رجلٌ بأمّة. وإن أمّة تُنجب أمثاله، لن تموت.

رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جنّاته، وبارك في ذريته وفي امتداد مشروعه.