كشف تقرير حديث للمؤسسة العالمية للاستشارات الإدارية والاستراتيجية “ماكنزي” أن الغلاء وارتفاع تكاليف المعيشة يدفع المستهلكين إلى تغيير طريقة إنفاقهم على المواد الغذائية، عبر إعادة ترتيب أولوياتهم وتقليص بعض المشتريات مقابل الحفاظ على الإنفاق على حاجات أخرى.
وأوضح استطلاع لـ”ماكنزي”، شمل 9 آلاف و36 مستهلكا في خمس أسواق وهي مصر وكينيا والمغرب ونيجيريا وجنوب إفريقيا، ضمنهم ألف و10 مستهلكين في المغرب، أن المستهلكين يكثفون البحث عن العروض ومقارنة الأسعار والجودة.
كما يبرز التقرير أن نمط الاستهلاك في المغرب، بالإضافة إلى البلدان الإفريقية التي شملها الاستطلاع، عرف تحولا في ظل توسع متاجر الخصم/التخفيضات واستمرار هيمنة التجارة التقليدية، مضيفا أن هناك قابلية متزايدة للمستهلك المغربي للتوجه مستقبلا نحو التسوق الإلكتروني للمواد الغذائية.
ويمثل البيع بالتجزئة الحديث من خلال المتاجر المنظمة في المغرب، بحسب التقرير، ما بين 25 و30 في المائة من سوق البقالة، وهو ما يضع المملكة بعد جنوب إفريقيا، التي تتراوح فيها حصة التجارة عبر المتاجر الكبرى بين 60 و70 في المائة، ومصر بين 30 و40 في المائة، وقبل كينيا التي تتراوح بين 25 و35 في المائة.
وأصبح سلوك المستهلكين بهذه الدول، وضمنها المغرب، يعكس نهجا قائما على تحديد قائمة المشتريات مسبقا، كما يتأثر ذلك بالقرب من المتجر، وتوفر السيولة، والميزانية اليومية، بحيث يقوم 73 في المائة من المتسوقين مرة واحدة على الأقل أسبوعيا برحلات عاجلة لشراء مواد نفدت أو لتلبية حاجة فورية.
في الاتجاه ذاته، رصد الاستطلاع ارتفاع التنقل بين المتاجر، في المغرب ومصر وكينيا ونيجيريا وجنوب إفريقيا، من 34 في المائة سنة 2024 إلى 38 في المائة سنة 2025 بحثا عن أسعار أو جودة أفضل، كما تمثل رحلات الشراء هذه 44 في المائة من الإنفاق الشهري على البقالة.
ورصدت “ماكنزي” توسعا سريعا لمتاجر الخصم، مثل BIM وKazyon، في كل من المغرب ومصر، مستفيدة من الجمع بين الأسعار المناسبة، والقرب من المستهلك، وتوفير تشكيلة أساسية من المنتجات. ويشير التقرير إلى أن هذا التوسع يدفع تجار التجزئة المغاربة إلى تقديم عروض أكثر تركيزا على المنتجات المتميزة، إلى جانب نماذج قائمة على القيمة والسعر.
وفي ما يتعلق بالتجارة الإلكترونية للمواد الغذائية، يبرز الاستطلاع أن المغرب يسجل أدنى مستويات التسوق الإلكتروني الحالية بين الأسواق التي شملتها الدراسة، مستدركا بأن هناك مؤشرات على وجود إمكانات غير مستغلة في هذا المجال.
ورصد التقرير اهتماما أكبر بالتسوق عبر الإنترنت لدى 43 في المائة من الجيل X (الذين ولدوا بين عامي 1965 و1980) و44 في المائة من جيل الألفية، في الأسواق الإفريقية الخمسة التي شملها الاستطلاع، مقابل 36 في المائة لدى الجيل Z، موضحا أن ذلك يرتبط جزئيا بكون الجيل Z يعتمد أصلا بدرجة أكبر على التجارة الرقمية.
ونبه إلى أن تحويل الاهتمام بالتسوق الإلكتروني إلى عادات شراء منتظمة يواجه عراقيل عملية، بحيث إن أكثر من 30 في المائة من المتسوقين الذين توقفوا عن الشراء عبر الإنترنت يعزون ذلك إلى ارتفاع رسوم التوصيل وزيادة الأسعار، بينما يثير 18 في المائة مخاوف تتعلق بطزاجة المنتجات أو توفرها أو أخطاء توصيل الطلبات.
في المقابل، يقول 28 في المائة، ممن شملهم الاستطلاع في الأسواق الإفريقية الخمسة، إنهم يفضلون التسوق حضوريا بسبب الرغبة في لمس المنتجات ومخاوف تتعلق بأمن الدفع عبر الإنترنت. وهذه النتائج تخص الأسواق المشمولة بالاستطلاع وليست نسبا خاصة بالمغرب.
أما على مستوى سلوك الإنفاق في الأسواق الإفريقية الخمس، فيقول التقرير إن التضخم وتقلبات العملات وضغوط تكاليف المعيشة أدت إلى الضغط على دخول الأسر المتاحة للإنفاق، وإن ارتفاع الأسعار ظل يتجاوز تطور الأجور. ويشير إلى أن اعتماد العديد من فئات السلع الاستهلاكية الأساسية على الواردات أدى إلى زيادة الأسعار، ما جعل القدرة على تحمل تكاليف المعيشة اليومية تحديا للأسر في أنحاء القارة.
ويبحث المستهلكون الأفارقة، وضمنهم المغاربة، عن العروض والتخفيضات، لكنهم لا يختارون بالضرورة الأرخص فقط. إذ قال 46 في المائة إنهم يخططون للبحث عن العروض، وقال 73 في المائة إنهم يشترون كميات إضافية خلال فترات التخفيضات، بينما اختار 41 في المائة المتاجر أساسا بناء على السعر، وفي المقابل، قال 37 في المائة إنهم مستعدون باستمرار لدفع سعر إضافي مقابل الأغذية ذات الجودة العالية، أما 36 في المائة فيتسوقون في متاجر متعددة بحثا عن أفضل جودة.
وتعيد الأسر الإفريقية توزيع أموالها بين فئات مختلفة من السلع من أجل إعطاء الأولوية لحاجات وتفضيلات محددة، بحيث انخفضت نية زيادة شراء الكحول والوجبات الخفيفة بـ58 و35 نقطة مئوية على التوالي، بينما ارتفعت نية شراء المنتجات الطازجة بـ31 نقطة مئوية. وهو التحول الذي يعكس اتجاها عالميا أوسع.