الكاتب الصحفي عبد الله الحسيني
منتدى العمق

التنمر المدرسي.. جرح صامت يهدد طفولة أبنائنا

في كل صباح، يحمل آلاف التلاميذ المغاربة حقائبهم إلى المدرسة، لكن بعضهم يحمل معها خوفًا صامتًا لا يراه أحد. فالمدرسة التي يُفترض أن تكون فضاءً للتعلم والأمان، تتحول عند البعض إلى مصدر قلق يومي بسبب ظاهرة باتت تؤرق الأسر والمربين على حد سواء: التنمر المدرسي.

التنمر ليس مجرد “مشاكسة بين الأطفال” كما يعتقد البعض، بل سلوك متكرر يهدف إلى الإيذاء، سواء كان جسديًا عبر الضرب والدفع، أو لفظيًا من خلال السخرية والألقاب المهينة، أو نفسيًا بالإقصاء والتجاهل المتعمد. ومع انتشار الهواتف الذكية، ظهر شكل جديد أشد خطورة: التنمر الإلكتروني، حيث تلاحق الإساءة الطفل حتى داخل بيته، عبر مجموعات التواصل الاجتماعي.

الأثر النفسي لهذه الظاهرة غالبًا ما يكون أعمق مما يبدو على السطح. فالطفل الذي يتعرض للتنمر يفقد تدريجيًا ثقته بنفسه، وقد يصاب بالقلق أو الاكتئاب، وتتراجع نتائجه الدراسية، بل يصل الأمر أحيانًا إلى رفضه الذهاب إلى المدرسة بالكامل. والأخطر أن كثيرًا من الأطفال يفضلون الصمت وكتمان ما يتعرضون له، خوفًا من وصمة “الضعف” أو من ردة فعل الأهل.

في المغرب، بدأت المؤسسات التعليمية والجمعيات المهتمة بالطفولة تولي هذه الظاهرة اهتمامًا متزايدًا، من خلال برامج توعوية داخل المؤسسات وتكوين الأطر التربوية على رصد علاماتها المبكرة. غير أن الجهود الرسمية وحدها لا تكفي، إذ تبقى الأسرة خط الدفاع الأول.

فكيف يمكن للآباء أن يكتشفوا أن طفلهم ضحية تنمر؟ غالبًا ما تظهر إشارات دالة: تراجع مفاجئ في الأداء الدراسي، رفض الذهاب إلى المدرسة، عزلة اجتماعية، أو عودة من المدرسة بملابس ممزقة وأدوات مفقودة دون تفسير مقنع. والإصغاء دون أحكام مسبقة، وبناء جسر من الثقة مع الطفل، يبقيان أهم خطوة لمساعدته على الإفصاح عما يعانيه.

أما بالنسبة للمدرسة، فالدور لا يقل أهمية؛ فتفعيل آليات اليقظة، وتشجيع التلاميذ على الإبلاغ دون خوف من الانتقام، وتوفير فضاءات للإنصات والدعم النفسي، كلها خطوات عملية يمكن أن تحدّ من انتشار الظاهرة.

التنمر المدرسي قضية لا تخص طرفًا واحدًا، بل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والمدرسة والمجتمع. وكل صمت تجاهه هو في الحقيقة مشاركة غير مباشرة في استمراره. حماية طفولة أبنائنا تبدأ من وعينا جميعًا بخطورة هذه الظاهرة، وبجرأتنا على كسر جدار الصمت المحيط بها.