لا شك أن كتاب «الأخبار الزائفة في ضوء التشريع والعمل القضائي والصحفي – دراسة مقارنة» للدكتور عبد العزيز البعلي يأتي في سياق إعلامي وقانوني أصبحت فيه المعلومة جزءًا من معركة الثقة، وأصبح تداول الخبر فعلًا قد تترتب عنه آثار تتجاوز حدود الشاشة والمنصة إلى المجال العام ومراكز القرار والحياة اليومية للأفراد والمؤسسات. فالخبر في البيئة الرقمية لم يعد مجرد مادة إعلامية تنتظر قارئًا، وإنما تحول إلى معطى سريع الانتشار، قابل لإعادة الإنتاج والتداول والتأويل، ومن ثم فإن ضبط مشروعيته ومصدره ومضمونه أضحى إشكالًا قانونيًا ومهنيًا متشعبًا. وفي هذا السياق تحديدًا تبرز أهمية اختيار الدكتور البعلي لموضوع كتابه، لأن معركة الحقيقة تبدأ أحيانًا من مكان يبدو بسيطًا جدًا: من خبر جرى تداوله قبل أن يسأل أحد عن مصدره.
وتزداد أهمية هذا المؤلف بالنظر إلى أن صاحبه ينطلق من موقع يجمع بين المعرفة القانونية والخبرة القضائية، وهو ما يمنح الموضوع زاوية مغايرة للمعالجة الإعلامية المجردة أو المقاربة القانونية المنفصلة عن واقع الممارسة. فالكتاب، بحسب المعطيات المنشورة عنه، يسعى إلى الإحاطة بالإشكالات المرتبطة بمفهوم الأخبار الزائفة وبالآليات القانونية التي اعتمدها المشرع المغربي للتعامل معها، كما يربط بين التشريع والعمل القضائي والممارسة الصحفية ضمن مقاربة مقارنة. ومن ثم، فالقيمة العلمية للعمل تكمن في جمعه بين ثلاثة مستويات متلازمة: النص القانوني باعتباره قاعدة ملزمة، والقضاء باعتباره مجالًا لتفسير النص وتطبيقه، والصحافة باعتبارها مهنة تتحمل مسؤولية خاصة في إنتاج المعلومة وتداولها.
ومن أبرز ما يستوقف القارئ في هذا العمل أن «الأخبار الزائفة» لا تُطرح باعتبارها مجرد مشكلة تقنية مرتبطة بالإنترنت، وإنما باعتبارها إشكالًا قانونيًا ومهنيًا واجتماعيًا يحتاج إلى تحديد المفاهيم قبل ترتيب المسؤوليات. فمتى نكون أمام خطأ مهني؟ ومتى نكون أمام معلومة غير دقيقة؟ ومتى ينتقل الأمر إلى التضليل المتعمد أو إلى فعل تترتب عنه مسؤولية قانونية؟ هذه الأسئلة تكتسب أهمية خاصة لأن التجريم في المجال الإعلامي والرقمي يحتاج إلى قدر من الدقة في التكييف القانوني، حتى لا تختلط المعلومة الخاطئة بالخبر الكاذب، ولا تختلط الممارسة الصحفية غير المهنية بالفعل الجرمي، ولا تتحول مكافحة التضليل إلى عنوان فضفاض يمكن تحميله أكثر مما يحتمل. وهنا تظهر إحدى الوظائف الأساسية للبحث القانوني الرصين: وضع الحدود بين المفاهيم قبل وضع الأشخاص أمام المسؤوليات.
وقد اختار الدكتور عبد العزيز البعلي أن يجعل الفصل الأول من الكتاب مخصصًا لـ«التصدي للأخبار الزائفة في ضوء التشريع والعمل القضائي المغربي والمقارن»، وهو اختيار يكشف عن مركزية النص والاجتهاد القضائي في بناء مقاربة متماسكة للظاهرة. فالمشرع يضع القواعد العامة، بينما يتولى القضاء تنزيلها على الوقائع، وتحديد عناصر المسؤولية، وفحص الأفعال والملابسات والآثار المترتبة عنها. وبالتالي، فإن دراسة الأخبار الزائفة من زاوية قضائية تفتح الباب أمام سؤال جوهري يتعلق بمدى قدرة القواعد القانونية القائمة على استيعاب أنماط جديدة من إنتاج المحتوى ونشره، خصوصًا أن البيئة الرقمية تتحرك بسرعة تفوق في كثير من الأحيان سرعة التشريع… والقانون، في النهاية، يجد نفسه مطالبًا بملاحقة واقع لا ينتظر صدور النص.
أما الفصل الثاني، الذي يتناول «التصدي للأخبار الزائفة في ضوء العمل الصحفي المغربي والمقارن»، فينقل النقاش من دائرة الإلزام القانوني إلى دائرة المسؤولية المهنية والأخلاقية. وهذه النقلة مهمة، لأن الصحافة المهنية تؤدي وظيفة اجتماعية تتجاوز نقل الوقائع، إذ ترتبط بالتحقق والتدقيق ونسبة المعلومات إلى مصادرها والتمييز بين الخبر والرأي والتعليق، وهي عناصر تجعل من أخلاقيات المهنة خط دفاع أول أمام التضليل. فالصحافي الذي يتحقق قبل النشر يمارس نوعًا من الوقاية المهنية، والمؤسسة الإعلامية التي تعتمد آليات للتدقيق الداخلي تحمي جمهورها وتحمي نفسها في الوقت ذاته من تبعات قانونية ومهنية قد تكون مكلفة. ولذلك، فإن مواجهة الأخبار الزائفة تبدأ من المسؤولية قبل أن تصل إلى الجزاء.
ويكتسب إدراج العمل القضائي ضمن هذا البناء أهمية إضافية، لأن القضاء يمثل الحلقة التي تختبر فيها النصوص القانونية أمام الوقائع الفعلية. فالحديث عن الأخبار الزائفة يظل ناقصًا إذا اقتصر على التشريع، كما أن الحديث عن حرية التعبير يظل مجردًا إذا جرى عزله عن كيفية تنزيل الضمانات القانونية على حالات واقعية. ولهذا يتضمن الكتاب ملحقًا خاصًا بالعمل القضائي في قضايا الأخبار الزائفة، وهو عنصر يعزز الطابع التطبيقي للمؤلف ويقرب الباحث والقارئ من كيفية معالجة هذا النوع من المنازعات داخل الممارسة القضائية.
ومن زاوية أخرى، يضع الكتاب قضية حرية التعبير في مواجهة سؤال المسؤولية، وهي معادلة دقيقة تحتاج إلى قدر كبير من الانضباط القانوني. فحماية المجتمع من التضليل لا يمكن أن تنفصل عن حماية الحق في التعبير، كما أن حماية حرية التعبير لا تعني إعفاء كل محتوى من قواعد المسؤولية. ومن ثم، فإن الرهان الحقيقي يكمن في بناء توازن قانوني واضح يميز بين الرأي والخبر، وبين النقد والتشهير، وبين الخطأ غير المقصود والتضليل المتعمد، وبين الممارسة الصحفية المشروعة والسلوك الذي يمكن أن يرتب مسؤولية وفقًا للقانون. وكلما غابت هذه الحدود، أصبح النقاش أكثر ضجيجًا وأقل دقة… والقانون الجيد هو الذي يعرف أين يبدأ الحق وأين تبدأ المسؤولية.
ولعل اختيار المقارنة ضمن عنوان الكتاب يحمل بدوره دلالة منهجية مهمة، إذ إن الظاهرة الرقمية عابرة للحدود، والمحتوى الذي ينتج في فضاء معين قد يصل في ثوانٍ إلى جمهور يوجد في فضاء قانوني مختلف. لذلك تصبح المقارنة بين التجارب التشريعية والقضائية والصحفية وسيلة لفهم اختلاف المقاربات وتعدد آليات التصدي، كما تتيح للباحث وضع التجربة المغربية ضمن سياق أوسع، بعيدًا عن المعالجة المنغلقة على نموذج قانوني واحد. وهنا تتحول المقارنة من مجرد تقنية بحثية إلى أداة لاختبار مدى نجاعة الحلول القانونية أمام ظاهرة تتغير أدواتها باستمرار.
كما أن راهنية الكتاب ترتبط بما عرفه المجتمع خلال السنوات الأخيرة من أزمات جعلت المعلومة عنصرًا حاسمًا في تشكيل السلوك الجماعي، إذ تشير المعطيات المنشورة حول الكتاب إلى استحضار المؤلف لوقائع مثل جائحة كورونا وزلزال الحوز باعتبارهما نموذجين برزا خلالهما خطر تداول المعلومات المضللة في لحظات ترتفع فيها حاجة المجتمع إلى الخبر الدقيق والموثوق. ففي الأزمات، تصبح الإشاعة أسرع من البيان الرسمي أحيانًا، وتصبح المعلومة غير الموثقة قادرة على إنتاج الخوف أو البلبلة أو اتخاذ قرارات فردية وجماعية على أساس معطيات مغلوطة. ولذلك فإن مكافحة الأخبار الزائفة في هذه الحالات تكتسب بعدًا يتجاوز حماية السمعة أو الحقوق الفردية إلى حماية الثقة العامة وسلامة المجال العمومي.
وما يجعل مؤلف الدكتور عبد العزيز البعلي جديرًا بالقراءة أن صاحبه لم يحصر الموضوع في زاوية واحدة؛ فقد جمع بين التشريع والعمل القضائي والممارسة الصحفية، وهي ثلاث دوائر تتداخل باستمرار في قضايا النشر والإعلام والمحتوى الرقمي. كما أن اهتمام المؤلف السابق بقضايا الصحافة والقضاء، من خلال أعمال من بينها «الدفوع الشكلية في جرائم الصحافة والنشر»، يمنح هذا الكتاب امتدادًا طبيعيًا لمسار بحثي يهتم بالحدود القانونية للممارسة الإعلامية وبالعلاقة بين حرية الصحافة والمسؤولية القانونية.
وفي زمن أصبح فيه الهاتف المحمول غرفة أخبار مفتوحة، وأصبح كل مستخدم قادرًا على إعادة نشر معلومة خلال ثوانٍ، تتغير طبيعة المسؤولية نفسها؛ فالمشكلة لم تعد مرتبطة فقط بمن يملك وسيلة إعلامية، وإنما بمن ينتج المحتوى، ومن يعيد نشره، ومن يقتطع جزءًا منه، ومن يمنحه عنوانًا مضللًا، ومن يحوله إلى مادة قابلة للانتشار الجماهيري. وهنا تبرز الحاجة إلى ثقافة قانونية وإعلامية جديدة تجعل التحقق من المعلومة ممارسة يومية، وتجعل المسؤولية عن المحتوى جزءًا من الوعي الرقمي، بدل ترك المجال لمنطق «انشر أولًا واسأل لاحقًا».
إن كتاب «الأخبار الزائفة في ضوء التشريع والعمل القضائي والصحفي» للدكتور عبد العزيز البعلي، وفق بنيته ومادته المعلنة، يقدم إذن معالجة تجمع بين التأصيل القانوني والاستحضار القضائي والبعد المهني الصحفي، ويضع القارئ أمام سؤال أكبر من مجرد معرفة حكم قانوني هنا أو مقتضى مهني هناك: كيف يمكن حماية الحق في المعلومة دون فتح المجال أمام التضليل، وكيف يمكن مكافحة الأخبار الزائفة دون المساس بجوهر حرية التعبير؟ تلك هي المعضلة التي تجعل الكتاب مرتبطًا بواقع الإعلام والقانون معًا، وتجعل قراءته تتجاوز حدود الرفوف القانونية إلى صميم النقاش حول مستقبل الثقة في المعلومة.
وفي النهاية، تكمن قيمة الكتاب في أنه يعالج ظاهرة أصبحت جزءًا من الحياة القانونية والإعلامية اليومية، ويقترح قراءتها عبر النص والاجتهاد والممارسة المهنية في آن واحد. فالأخبار الزائفة قد تبدأ بمنشور عابر، لكنها قد تنتهي بأثر قانوني أو اجتماعي واسع؛ وبين البداية والنهاية توجد مسؤولية الصحفي، ووعي القارئ، وتدخل المشرع، واجتهاد القضاء… وفي زمن أصبحت فيه المعلومة أسرع من الحقيقة، تظل مهمة القانون أن يجعل السرعة خاضعة للمسؤولية.