كشف تقرير حديث صادر عن البنك الدولي تحت عنوان “التحديث الاقتصادي لإفريقيا لشهر أكتوبر 2026: بناء الجاهزية للذكاء الاصطناعي”، أن النمو الاقتصادي في إفريقيا جنوب الصحراء حافظ على استقراره، حيث من المتوقع أن يرتفع من 4.1 بالمائة في سنة 2025 إلى 4.3 بالمائة خلال سنة 2026، وذلك رغم الرياح المعاكسة المتمثلة في التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وارتفاع تكاليف الطاقة والنقل، مشيرا إلى أن الذكاء الاصطناعي يمتلك قدرة تحويلية قد تضيف ما يصل إلى تريليون دولار إلى الناتج المحلي الإجمالي للقارة بحلول سنة 2035 إذا تم تحقيق سيناريو “التفعيل الكامل”.
وأوضح التقرير، الذي يعكس تقييما شاملا للوضع الماكرو اقتصادي والرقمي، أن هذا التحسن في النمو يعزى بالأساس إلى مرونة الطلب المحلي المدعوم بالاستهلاك الخاص والاستثمار، فضلا عن انتعاش الإنتاج الفلاحي في العديد من البلدان، واستفادة الدول المصدرة للموارد الطبيعية من ارتفاع أسعار السلع الأساسية، مبرزا أن هذا النمو الإجمالي يخفي تفاوتات كبيرة بين دول القارة، حيث تستفيد الاقتصادات الغنية بالموارد من تحسن شروط التبادل التجاري، في حين تواصل الاقتصادات غير الغنية بالموارد أداءها القوي بفضل الإصلاحات الهيكلية وتحسن مناخ الأعمال.
وأشار المصدر ذاته إلى أن التوترات الجيوسياسية العالمية أدت إلى عكس مسار التقدم المحرز في كبح التضخم، حيث يتوقع أن يرتفع متوسط معدل التضخم في المنطقة من 3.7 بالمائة في سنة 2025 إلى 5.5 بالمائة في سنة 2026، موضحا أن هذه الضغوط التضخمية تتجلى بشكل أكبر في الاقتصادات التي تعتمد بشدة على استيراد السلع الأساسية وتتسم بمرونة محدودة في أسعار الصرف، مما دفع العديد من البنوك المركزية إلى وقف دورات التيسير النقدي واللجوء إلى تشديد السياسات النقدية لاحتواء ارتفاع الأسعار.
وأضافت المؤسسة المالية الدولية أن مستويات الدين العام استقرت عند متوسط 57 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال سنة 2025، غير أن نقاط الضعف الأساسية لا تزال تتفاقم بسبب التغير في بنية الديون نحو مسار أكثر تكلفة ومخاطرة، مسجلة أن تكاليف خدمة الدين الخارجي العام والمضمون من الدولة ظلت مرتفعة عند حوالي 1.6 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، مما يقلص الحيز المالي المتاح للحكومات للاستثمار في البنية التحتية والرأسمال البشري وشبكات الأمان الاجتماعي.
وأكد خبراء البنك الدولي أن القارة تواجه تراجعا حادا في المساعدات الإنمائية الرسمية، التي انخفضت بنحو 25 بالمائة خلال سنة 2025، مما يفرض على الحكومات الإفريقية إعادة تقييم استراتيجيات التمويل الخاصة بها والتركيز بشكل أكبر على تعبئة الموارد المحلية وتطوير الأسواق المالية الداخلية لتعزيز المرونة الاقتصادية وتقليل الاعتماد على التمويلات الخارجية المتقلبة.
وتابع التقرير تحليله للمخاطر المحدقة بالتوقعات الاقتصادية، مسلطا الضوء على التهديدات المناخية المتزايدة، وعلى رأسها ظاهرة “النينيو” المتوقع أن تشتد أواخر سنة 2026 وأوائل 2027، والتي تنذر بموجات جفاف قاسية في الجنوب الإفريقي ومنطقة الساحل، مقابل فيضانات في شرق القارة، مما يهدد بضرب الإنتاج الفلاحي وتأجيج أسعار الغذاء وتعميق أزمة انعدام الأمن الغذائي التي يعاني منها الملايين.
وانتقل التقرير ليعالج الشق المتعلق بالتكنولوجيا، مبرزا أن الذكاء الاصطناعي يشكل أداة قوية لتعزيز الإنتاجية وتحسين الخدمات العامة، غير أن مستوى الجاهزية الحالي لا يسمح بإضافة سوى 0.2 إلى 4 بالمائة إلى الناتج المحلي الإجمالي التراكمي خلال العقد المقبل، وهو ما يعكس الهوة الشاسعة بين الإمكانات النظرية للذكاء الاصطناعي والواقع البنيوي للقارة.
وأبرزت الوثيقة وجود فجوات تأسيسية عميقة تعوق تبني هذه التقنيات، حيث لا يزال حوالي 900 مليون إفريقي غير متصلين بشبكة الإنترنت، في حين يعاني ملايين آخرون من غياب الكهرباء الموثوقة، مسجلة أن التكلفة العالية للأجهزة الذكية وبيانات الاتصال تجعل هذه التكنولوجيا حكرا على فئة محدودة، ما يهدد بتوسيع الفجوة الرقمية والاجتماعية بدل تقليصها.
وكشفت البيانات الواردة في التقرير أن إفريقيا، التي تضم 18 بالمائة من سكان العالم، لا تمتلك سوى 0.6 بالمائة من القدرة العالمية لمراكز البيانات، وأن 5 بالمائة فقط من هذه المراكز جاهزة لدعم تقنيات الذكاء الاصطناعي، متمركزة أساسا في دول مثل جنوب إفريقيا وكينيا ونيجيريا، في حين أظهرت استطلاعات، شملت دولا رائدة من بينها المغرب، أن الشركات تواجه تحديات كبرى في التبني تشمل البنية التحتية، ونقص الكفاءات، والضبابية التنظيمية.
وسجل التقرير أن تبني الذكاء الاصطناعي في إفريقيا يتركز حاليا في مرحلتي “الاعتماد والتكييف” باستخدام أدوات جاهزة وتطبيقات مصممة محليا للعمل في بيئات منخفضة التردد الترددي الترددي، كاستخدام الرسائل القصيرة لتوفير الدعم التعليمي والاستشارات الفلاحية، وهي أدوات أثبتت فعاليتها التشغيلية في تجاوز عقبات البنية التحتية المعقدة.
وأفاد التقييم بأن التحدي الأكبر يتمثل في نقص تمثيل اللغات والسياقات الإفريقية في بيانات التدريب العالمية، حيث أن اللغة الإنجليزية تهمين على قواعد البيانات مفتوحة المصدر، مما يؤدي إلى ضعف أداء النماذج الجاهزة عند تطبيقها محليا، ويفرض ما يسمى بـ”ضريبة اللغة الإفريقية” التي تزيد من التكلفة والوقت اللازمين لمعالجة البيانات باللغات المحلية.
واعتبر المصدر عينه أن الجاهزية لتعميم الذكاء الاصطناعي تعتمد على القدرات المؤسساتية أكثر من مجرد إقرار القوانين، فرغم تبني العديد من الدول لاستراتيجيات وطنية وقوانين لحماية البيانات، إلا أن ضعف المؤسسات التنظيمية ونقص الخبرة التقنية يحولان دون التنزيل الفعال لهذه الأطر، مما يطرح تحديات تتعلق بحماية المستهلكين وضمان النزاهة والمساءلة الخوارزمية.
وأردف التقرير أن تأثير الذكاء الاصطناعي على أسواق الشغل في القارة سيكون على الأرجح في اتجاه تعزيز قدرات العمال بدل تعويضهم، نظرا لطبيعة الاقتصادات الإفريقية التي يغلب عليها الطابع الفلاحي والخدمات غير المهيكلة، محذرا في الوقت ذاته من أن الفوائد قد تتركز لدى العمال ذوي التعليم العالي والشركات المهيكلة إذا لم يتم تعميم الوصول إلى البنية التحتية الرقمية.
وخلص البنك الدولي في توصياته إلى ضرورة نهج سياسة “السيادة البراغماتية للذكاء الاصطناعي”، التي لا تعني العزلة أو بناء نماذج تأسيسية من الصفر، بل تعتمد على التعاون الإقليمي لتوفير البنية التحتية المشتركة لمراكز البيانات، وتوحيد الأطر التنظيمية لتسهيل تدفق البيانات عبر الحدود، مع التركيز على حالات الاستخدام العملي التي تعالج مشاكل تنموية حقيقية في قطاعات الصحة والفلاحة والإدارة العامة.