وجهة نظر

القسم في منظومة الحكم بالمغرب

إذا أخذنا القَسَم بوصفه مؤسسة أو ممارسة سياسية، وليس مجرد إجراء شكلي، فإنه يحتل مكانة لافتة في منظومة الحكم بالمغرب، لأنه يقع عند تقاطع الشرعية الدستورية، والرمزية الملكية، والولاء للدولة، والمسؤولية السياسية. فتاريخياً، للقسم في المغرب جذور أعمق من الدستور الحديث. فقد كان البيعة تقوم بوظيفة قريبة من العقد السياسي بين السلطان والأمة/الرعية. ولهذا يمكن النظر إلى تطور الأمر من البيعة التقليدية إلى القسم الدستوري الحديث المتمثل في التي تختزن مضمونا سياسيا ودينيا واسعا، وبين القسم في الدولة الدستورية الحديثة الذي أصبح أكثر ارتباطاً بالمنصب والمسؤولية والقانون. وقسم النضال السياسي الذي تبته تنظيمات سياسية أو حزبية

1- القَسَم وتكريس الشرعية الملكية

في النظام الملكي بالمغرب، للقَسَم وظيفة تتجاوز الجانب البروتوكولي. فالملك، عند توليه العرش، يؤدي اليمين الدستورية المنصوص عليها في الفصل 43 من الدستور، بما يربط ممارسة السلطة الملكية بالتزام دستوري واضح.

والأهم أن صيغة القَسَم نفسها تحيل إلى صيانة الإسلام، والدستور، وحقوق وحريات المواطنين، والحفاظ على استقلال البلاد ووحدة أراضيها. وبالتالي فإن القَسَم يؤسس رمزياً لعلاقة متبادلة: الملك يلتزم بحماية الدولة ومصالحها، والدولة ومؤسساتها تدور داخل إطار الشرعية الدستورية والملكية. وتختلف البيعة المغربية عن اليمين الدستورية في الملكيات الأوروبية وعن اليمين أو القسم الدستوري في الأنظمة الرئاسية، رغم وجود قاسم مشترك بينها جميعاً، هو إضفاء الشرعية على تولي السلطة وربطها بالتزام قانوني أو سياسي.

– البيعة المغربية ليست مجرد يمين دستورية

البيعة في المغرب لها جذور تاريخية ودينية وسياسية أقدم بكثير من الدولة الدستورية الحديثة. وهي في أصلها علاقة تعاقدية بين السلطان والأمة، تقوم على الاعتراف بالسلطة والولاء لها مقابل القيام بواجبات الحكم وحماية الجماعة.أما اليمين الدستورية الحديثة فهي، في الأصل، إجراء دستوري يسبق مباشرة ممارسة الوظيفة.

ولهذا يمكن التمييز بينهما:

البيعة اليمين الدستورية

ذات جذور تاريخية ودينية وسياسية ذات أساس دستوري وقانوني

تعبر عن الولاء والاعتراف بالسلطة تعبر عن الالتزام بالدستور والقانون

علاقة ذات طابع جماعي ورمزي التزام شخصي يؤديه صاحب المنصب

مرتبطة تاريخياً بشرعية السلطان مرتبطة بشرعية المنصب والمؤسسات

تتضمن معنى العهد والوفاء تتضمن معنى الالتزام الدستوري

وبالتالي ، ففي الملكيات الدستورية الأوروبية، مثل إسبانيا أو بلجيكا، يوجد أداء قسم أو تعهد دستوري عند تولي العرش، لكنه لا يؤدي الوظيفة التاريخية نفسها التي تؤديها البيعة المغربية. فالملك الأوروبي المعاصر يستمد شرعيته أساساً من الدستور وقواعد الخلافة، وليس من إجراء بيعة جماعية مماثلة للبيعة المغربية. فمثلا الملك الإسباني يؤدي عند اعتلائه العرش قسماً أمام البرلمان، يتعهد فيه باحترام الدستور والقانون وضمان حقوق المواطنين والمناطق المتمتعة بالحكم الذاتي.أي أن الاتجاه هنا هو: الدستور → الملك → الالتزام الدستوري.

بينما في البيعة التقليدية المغربية نجد علاقة أكثر تعقيداً:الأمة/أهل الحل والعقد → البيعة → السلطان → الالتزام بحماية الجماعة وإقامة الحكم.

أما في الأنظمة الرئاسية، فالرئيس، مثل رئيس الولايات المتحدة، لا يتلقى «بيعة» من الشعب أو ممثليه. وإنما ينتخب وفق قواعد دستورية، ثم يؤدي قسم المنصب. ففي الولايات المتحدة مثلاً، القسم هو تعهد للرئيس بأن يؤدي مهام منصبه بأمانة وأن يحافظ على الدستور ويحميه ويدافع عنه.إذن العلاقة هي:الانتخاب → اكتساب الشرعية → القسم → ممارسة السلطة.

-البيعة وتكريس الشرعية الملكية

بينما البيعة تاريخياً كانت جزءاً من عملية إنتاج الشرعية نفسها، وليست مجرد إجراء يأتي بعد اكتساب المنصب. وهنا تظهر خصوصية المغرب، إذ أن المثير في نظام الحكم بالمغرب هو أن البيعة والقسم الدستوري يوجدان جنباً إلى جنب، لكنهما ليسا الشيء نفسه.فالملك يؤدي اليمين الدستورية وفق الفصل 43 من الدستور، وفي الوقت نفسه تستمر مؤسسة البيعة في التعبير عن شرعية الملك في بعدها التاريخي والرمزي. وهذا يجعل النظام المغربي مختلفاً عن الملكيات الأوروبية من حيث استمرار مؤسسة سياسية تقليدية داخل نظام دستوري حديث.فاليمين الدستورية تُقَيِّد ممارسة السلطة بالدستور، أما البيعة فتؤسس تاريخياً لعلاقة الشرعية والولاء بين الحاكم والجماعة. وبالتالي ، لا ينبغي أن تفهم البيعة بالمغرب باعتبارها مجرد «نسخة قديمة من الانتخابات». فالبيعة التقليدية لم تكن انتخاباً بالمعنى الديمقراطي الحديث، كما أن «أهل الحل والعقد» لم يكونوا مماثلين للبرلمان المنتخب اليوم. الأقرب أنها كانت آلية للاعتراف السياسي بشرعية السلطان وإقامة رابطة الولاء بين الحاكم والجماعة.ومن هنا يمكن فهم استمرارها في المغرب حتى بعد ظهور الدستور والمؤسسات المنتخبة: فهي تؤدي وظيفة رمزية وتاريخية في الشرعية الملكية تختلف عن وظيفة الانتخابات والبرلمان والقسم الدستوري.وبالتالي، فإن المقارنة الأكثر دقة ليست بين «البيعة» و«القسم» فقط، بل بين ثلاث مؤسسات: البيعة، والقسم الدستوري، والانتخاب. فالبيعة كانت تؤسس شرعية السلطان وتحدد علاقة الحكم بالرعية في إطار تقليدي، بينما الدستور الحديث يؤطر ممارسة السلطة داخل مؤسسات وقواعد قانونية. ومع ذلك، بقيت فكرة العهد والالتزام والوفاء والولاء حاضرة في الثقافة السياسية المغربية.وهذا يفسر لماذا يحتفظ القسم والبيعة معاً بحمولة رمزية قوية في المخيال السياسي المغربي. كما توجد خصوصية إضافية تتمثل في المكانة المركزية للمؤسسة الملكية داخل النظام السياسي؛ ولذلك تختلط أحياناً ثلاثة مستويات في رمزية القسم: الملك ، و الدولة و الوطن. وهذا ما يجعل القسم في المغرب أكثر من مجرد إجراء إداري بل هو آلية من آليات الشرعنة السياسية.

2. القَسَم كأداة لإنتاج الولاء السياسي

يكتسب القسم معنى خاصاً في منظومة الحكم بالمغرب، لأنه يحول الولاء للدولة والملك والوطن إلى التزام مهني وأخلاقي وقانوني.وهنا تظهر خصوصية النموذج المغربي: فالملكية ليست مجرد مؤسسة رمزية، وإنما يحتل الملك دستورياً موقع القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة للقوات المسلحة الملكية. ولذلك يصبح القسم العسكري جزءاً من بناء الانضباط والتراتبية والولاء المؤسسي. كما أن القسم يظهر أيضاً في عدد من الوظائف والمهن التي ترتبط بممارسة السلطة أو بحماية الحقوق والمصلحة العامة. والفكرة الأساسية هي أن تولي الوظيفة لا يعني مجرد الحصول على منصب، وإنما تحمل أمانة.وهذا يفسر حضور مفردات مثل: الأمانة؛ و خدمة الوطن؛احترام الدستور والقانون؛ و الحفاظ على أسرار الدولة؛ و النزاهة؛ والمسؤولية. ووفق هذا المنظور، فإن القسم يعمل كآلية لتحويل السلطة القانونية إلى التزام أخلاقي شخصي. كما أن القسم يمكن أن يساعد على مأسسة السلطة. فالموظف أو العسكري أو المسؤول لا يؤدي القسم للشخص الذي عيّنه فقط، وإنما للوظيفة وللدولة وللواجبات المرتبطة بها. وهذا مهم في دولة حديثة، لأن استمرار المؤسسات يفترض أن يبقى الالتزام قائماً حتى مع تغير الأشخاص.

دلالات أداء كبار العسكريين القسم أمام الملك

أداء الضباط القسم أمام الملك في المغرب يحمل دلالة سياسية ومؤسساتية أعمق من مجرد طقس عسكري؛ لأنه يقع في نقطة التقاء بين الولاء للدولة، والشرعية الملكية، والتراتبية العسكرية، ووحدة المؤسسة العسكرية.

1. القسم وتجسيد العلاقة المباشرة بين القوات المسلحة والملك

يعتبر الملك دستوريا هو القائد الأعلى للقوات المسلحة الملكية، وله حق التعيين في الوظائف العسكرية. لذلك فإن أداء الضباط القسم أمامه يرمز إلى أن المؤسسة العسكرية، في قمة هرمها القيادي، ترتبط مباشرة بالمؤسسة الملكية، وليس بالحكومة أو بالأحزاب السياسية.وهذا يختلف عن الوزير: فالوزير ينتمي إلى جهاز حكومي سياسي، بينما الضابط ينتمي إلى مؤسسة عسكرية ذات قيادة عليا ملكية.

2. القسم كإعلان للولاء للدولة وليس للحكومة

فالدلالة الأكثر أهمية هي أن الضابط عندما يؤدي القسم لا يعلن ولاءه لحزب أو لحكومة أو لرئيس حكومة، وإنما يلتزم بالوطن ومؤسساته ومقدساته وبالشعار الوطني: «الله، الوطن، الملك». وهذا واضح جداً في الخطاب الملكي الموجه إلى الضباط؛ ففي حفل 2024، ربط الملك أداء القسم بالاستقامة والانضباط والوفاء لشعار «الله، الوطن، الملك». وبالتالي فالقسم يؤدي وظيفة تحييد المؤسسة العسكرية عن التنافس السياسي الحزبي.

3. القسم يؤسس للرابطة الشخصية والمؤسساتية بين الضابط والقائد الأعلى للقوات المسلحة

فالضابط لا يؤدي القسم في مؤسسة حكومية عادية، وإنما بين يدي الملك القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة. ولهذا يمكن اعتبار المراسم بمثابة لحظة انتقال:من طالب عسكري إلى ضابط ، ثم إلى عضو في مؤسسة عسكرية مرتبطة مباشرة بالقائد الأعلى.وهذا يفسر لماذا تحظى المراسم بهذا المستوى من الرسمية، ولماذا يحضرها كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين والملحقون العسكريون الأجانب. ففي حفل 2024، حضر رئيس الحكومة ورئيسا مجلسي البرلمان وأعضاء الحكومة وكبار ضباط القيادة العليا والملحقون العسكريون الأجانب.

4. القسم كانعكاس لمبدأ وحدة القيادة العسكرية

ففي الأنظمة السياسية التي تكون فيها المؤسسة العسكرية شديدة الارتباط بالسلطة التنفيذية المنتخبة، تكون العلاقة الأساسية للجيش بالحكومة أو بوزير الدفاع. أما في المغرب، فإن البناء الدستوري يجعل الملك القائد الأعلى للقوات المسلحة. وبالتالي فإن القسم أمامه يرسخ رمزياً وحدة القيادة العسكرية.وهذا مهم سياسياً لأنه يؤكد أن الجيش مؤسسة وطنية موحدة ذات هرم قيادي واضح، وليس تجمعاً لقيادات عسكرية مستقلة أو مراكز قوة متنافسة.

5. بالنسبة لكبار الضباط، للقسم دلالة إضافية

فإذا كان أداء القسم بالنسبة إلى الضابط المتخرج يمثل دخوله الرسمي إلى المؤسسة، فإن ارتباطه بالترقية وتولي المسؤوليات العليا يضيف بعداً آخر. ففي حفل 2024 مثلاً، لم يقتصر الأمر على أداء القسم؛ فقد قدمت لجنة الترقية نتائج أعمالها للملك، وحظيت خلاصات وجدول الترقيات بموافقته.وهنا تظهر علاقة مهمة:

القسم = الالتزام

الترقية = الثقة والمسؤولية

القيادة العليا = ممارسة السلطة العسكرية

وبالتالي فإن المسار المهني للضابط الأعلى رتبة يظل مرتبطاً بالتراتبية العسكرية التي تتوجها مؤسسة القيادة العليا للقوات المسلحة.

6. القسم يربط الجيش بالرموز التاريخية للدولة المغربية

من اللافت أن مراسم القسم تتضمن أحياناً إطلاق اسم شخصية تاريخية أو وطنية على فوج الضباط. ففي سنة2025، مثلاً، أطلق الملك على الفوج اسم السلطان أحمد المنصور الذهبي، وربط الاسم بالتقدم والاستقرار والانفتاح الإفريقي وتوطيد العلاقات مع أوروبا. وهذا يعني أن المراسيم العسكرية لا تنتج فقط ضباطاً؛ بل تنتج أيضاً ذاكرة عسكرية ووطنية مشتركة.فالضابط يدخل المؤسسة وهو يحمل، رمزياً، إرثاً تاريخياً يربط: الدولة المغربية القديمة بالملكية الحديثة و القوات المسلحة الملكية و الدفاع عن الوحدة الترابية.

7. القسم يساهم في بناء «العقيدة الوطنية» للضابط

فمن خلال الكلمات الملكية المصاحبة للمراسم، تتكرر مفاهيم: الغيرة الوطنية؛ و الاستقامة؛ و الانضباط؛ و الوفاء؛ و الدفاع عن الوطن؛ و التشبث بالمقدسات؛ و خدمة الوطن.وهذا يعني أن القسم ليس مجرد التزام قانوني، وإنما جزء من التنشئة السياسية والمهنية للضابط.وفي الأمر اليومي للقوات المسلحة بمناسبة الذكرى السبعين لتأسيسها سنة 2026، جرى تقديم القوات المسلحة باعتبارها مؤسسة وطنية مرتبطة بحماية أمن البلاد ووحدتها الترابية.

وإجمالا ، فالقسم أمام الملك يؤكد أن المؤسسة العسكرية ليست طرفاً في التداول الحزبي على السلطة. فالانتخابات تنتج الحكومة، والحكومة تمارس السلطة التنفيذية، والأحزاب تتنافس على البرامج والمقاعد؛ لكن الجيش يوجد خارج هذا التنافس، وتظل علاقته القيادية العليا مرتبطة بالملك.ومن هنا يمكن القول إن القسم يؤدي وظيفة الفصل الرمزي بين المجال السياسي الحزبي والمجال العسكري.. لكن القسم لا يعني «شخصنة» الجيش في مجرد ولاء شخصي للملك. فالصيغة الرسمية للمؤسسة تربط هذا الالتزام بـ الوطن والمقدسات والشعار الوطني والمؤسسات. كما أن الدستور نفسه يجعل الملك قائداً أعلى للقوات المسلحة باعتباره رأس الدولة. لذلك فالأدق هو الحديث عن: ولاء مؤسساتي يجسده الملك باعتباره القائد الأعلى، وليس مجرد ولاء شخصي منفصل عن الدولة.

من هنا تكتسب المراسيم العسكرية أهمية سياسية خاصة في منظومة الحكم بالمغرب ، لأنها تجمع في مشهد سياسي وعسكري واحد عناصر متعددة: الملك بوصفه القائد الأعلى ورئيس أركان الحرب العامة، و العلم والنشيد الوطني، بالإضافة إلى القسم ، والضباط ، و شعار «الله، الوطن، الملك». ولهذا فالمشهد يمكن قراءته باعتباره طقساً من طقوس إعادة إنتاج الشرعية العسكرية للدولة.

وبالتالي ، يمكن القول إن أداء كبار الضباط القسم أمام الملك يؤدي خمس وظائف سياسية رئيسية:

*تأكيد القيادة العليا للملك على القوات المسلحة.

*ترسيخ ولاء المؤسسة العسكرية للدولة والوطن بعيداً عن التنافس الحزبي.

*تجسيد وحدة القيادة والتراتبية داخل المؤسسة العسكرية.

*تحويل الضابط من مجرد موظف عسكري إلى حامل لمسؤولية وطنية وأمنية.

*إعادة إنتاج الذاكرة والرموز التي تربط الملكية بالدولة والجيش والوحدة الترابية.

ومن هذه الزاوية، فإن قسم الضباط أمام الملك يمثل أحد أوضح الطقوس السياسية التي تكشف طبيعة العلاقة بين الملكية والمؤسسة العسكرية في المغرب: فالجيش لا يدخل المجال السياسي باعتباره فاعلاً حزبياً، وإنما يحتل موقعاً مؤسساتياً خاصاً، تتوسطه علاقة القيادة العليا بالملك.واللافت أن هذه المراسيم عادة ما تُجرى ، خاصة في عهد الملك محمد السادس في 31 يوليوز، ضمن احتفالات عيد العرش؛ وهو ما يمنحها بعداً رمزياً إضافياً: ربط تجديد أجيال الضباط وتجديد الالتزام العسكري بتجديد البيعة والولاء للدولة والملك في مناسبة وطنية كبرى. وهذا يفتح باباً مهماً للمقارنة بين القسم العسكري، والبيعة، والقسم الوزاري، وقسم «المسيرة» باعتبارها أشكالاً مختلفة لإنتاج الالتزام السياسي في المغرب.

-الدلالات السياسية لمراسيم أداء الوزراء وكبار الموظفين القسم أمام الملك بالمغرب

تكتسي مراسيم أداء الوزراء وبعض كبار المسؤولين القسم أمام الملك في المغرب دلالات تتجاوز مجرد الإجراء البروتوكولي؛ فهي تقع عند تقاطع الشرعية الدستورية، والشرعية الملكية، والمسؤولية السياسية، وثقافة الدولة المغربية. لكن ينبغي أولاً التمييز بين القسم الذي يؤديه الوزراء بين يدي الملك وبين مجرد التعيين في منصب إداري. فالدستور ينص على أن الملك يعين أعضاء الحكومة باقتراح من رئيس الحكومة، كما أن الملك يرأس المجلس الوزاري الذي يتداول في قضايا استراتيجية وفي تعيينات عليا محددة.

1. القسم يحول التعيين من قرار قانوني إلى التزام شخصي

فالتعيين بظهير أو بقرار قانوني يمنح الشخص الصفة والاختصاص، لكن أداء القسم يضيف بعداً آخر: الالتزام الشخصي أمام رأس الدولة.وهنا تصبح لحظة القسم ذات معنى رمزي قوي: المسؤول لا يتسلم فقط وظيفة، وإنما يدخل في علاقة مسؤولية مع الدولة ورأسها.ولهذا فإن الصورة التي يظهر فيها الوزراء وهم يؤدون القسم بين يدي الملك ليست مجرد صورة بروتوكولية؛ إنها مشهد لتجديد العلاقة بين الشخص الذي سيتولى المسؤولية وبين الدولة.

2. القسم يجسد خصوصية الملكية التنفيذية المغربية

تكتسب هذه الممارسة أهميتها من طبيعة النظام المغربي الذي يجمع بين الملكية الدستورية والبعد التنفيذي والاستراتيجي للمؤسسة الملكية. فالفصل 47 يجعل تعيين أعضاء الحكومة يتم من طرف الملك باقتراح من رئيس الحكومة، بينما ينص الفصل 48 على أن الملك يرأس المجلس الوزاري. كما أن الفصل 49 يمنح المجلس الوزاري اختصاصات في قضايا استراتيجية وتعيينات عليا محددة. لذلك فإن أداء القسم أمام الملك يضع المسؤول، رمزياً، داخل سلسلة الشرعية السياسية للدولة التي تمر عبر المؤسسة الملكية.

3. القسم ليس بديلاً عن المسؤولية أمام البرلمان

لا ينبغي تفسير القسم باعتباره يجعل الوزير مسؤولاً أمام الملك فقط. فالدستور يجعل الوزراء مسؤولين عن تنفيذ السياسة الحكومية في قطاعاتهم، كما يقر مسؤوليتهم الجنائية أمام محاكم المملكة في الحالات التي يحددها القانون.كما أن الحكومة، بعد تعيينها، تتقدم أمام البرلمان ببرنامجها الحكومي وفق الفصل 88. وبالتالي توجد دوائر متعددة للمسؤولية:

الملك ← الشرعية الملكية والتعيين

رئيس الحكومة ← المسؤولية الحكومية والتنسيق التنفيذي

البرلمان ← المسؤولية السياسية والدستورية للحكومة

القضاء ← المسؤولية القانونية والجنائية

وهذا يجعل القسم جزءاً من منظومة أوسع، وليس مصدراً وحيداً للمسؤولية.

4. البعد الرمزي: «الوظيفة تكليف وليست امتيازاً»

للقسم أيضاً دلالة سياسية وثقافية عميقة في الدولة المغربية: المنصب العمومي تكليف.وهذا مهم خصوصاً بالنسبة للوزير، لأن الانتقال من قيادة حزبية أو مسار انتخابي إلى المسؤولية الحكومية يعني الانتقال من المنافسة السياسية إلى خدمة الدولة ومؤسساتها.وبالتالي يمكن النظر إلى القسم كنوع من الانتقال الرمزي من السياسي إلى رجل الدولة.ففي بعض الملكيات البرلمانية، يكون أداء القسم موجهاً إلى الدستور أو الدولة، بينما تظل وظيفة الملك أساساً رمزية. أما في المغرب، فإن الملك ليس مجرد رمز للدولة؛ فالدستور يقر له اختصاصات فعلية في التعيين، ورئاسة المجلس الوزاري، ومجالات استراتيجية أخرى.لذلك فإن أداء القسم أمامه يحمل معنى مزدوجاً: قسم أمام شخص الملك باعتباره رأس الدولة و قسم أمام المؤسسة الملكية باعتبارها مركزاً أساسياً في بنية النظام السياسي.

6. بالنسبة لكبار الموظفين: الدلالة تختلف

يميز الدستور بين التعيينات التي يتم التداول فيها في المجلس الوزاري، مثل الولاة والعمال والسفراء وبعض المسؤولين في قطاعات استراتيجية، وبين التعيينات التي يتم التداول فيها في مجلس الحكومة، مثل الكتاب العامين ومديري الإدارات المركزية ورؤساء الجامعات والعمداء ومديري المؤسسات العليا، وفق الشروط القانونية المنظمة لذلك. وبالتالي، فإن المثول أمام الملك وأداء القسم عندما يحصل لمسؤول معين يكتسب قيمة رمزية إضافية، لأنه يضع ذلك المسؤول في دائرة القرب المباشر من المؤسسة الملكية، لكن لا ينبغي الخلط بين ذلك وبين أن كل منصب عالٍ يخضع للمسطرة نفسها.

7. للقسم بعد تاريخي في الثقافة السياسية المغربية

في الثقافة السياسية المغربية، للقسم تاريخ طويل يتجاوز المعنى القانوني الضيق. فقد ارتبط بـ: البيعة؛ و الالتزام تجاه السلطان؛ و الوفاء للدولة؛ و التعبئة الوطنية؛ و الالتزام داخل بعض التنظيمات والحركات السياسية. ومن ثم فإن قسم المسؤول أمام الملك يمكن فهمه أيضاً باعتباره استمراراً، في صيغة دستورية ومؤسساتية حديثة، لثقافة سياسية مغربية تجعل الالتزام الشخصي والوفاء للدولة جزءاً من ممارسة السلطة.لكن الفرق جوهري: البيعة علاقة تأسيسية بين الأمة والملك، بينما قسم الوزير إجراء مرتبط بتولي وظيفة ومسؤولية عامة.

8. القسم يؤكد أيضاً «شخصنة المسؤولية»

إن القسم يجعل المسؤولية شخصية ومجسدة في شخص الوزير أو المسؤول.فالوزارة ليست مجرد مؤسسة مجهولة؛ هناك شخص يحمل المسؤولية أمام الدولة، وتصبح صورته مرتبطة بالوظيفة التي أسندت إليه. ولهذا تحمل مراسيم القسم أهمية إعلامية وسياسية كبيرة، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بتشكيل حكومة جديدة أو تعديل حكومي. ففي سنة 2024، مثلاً، أعلنت وزارة القصور الملكية أن الوزراء الجدد أدوا القسم بين يدي الملك عقب إعادة هيكلة الحكومة.

وإجمالا ، يمكن اختزال الدلالة السياسية لمراسيم القسم في المغرب في أربع كلمات: التعيين → الالتزام → المسؤولية → الشرعية. فالقسم لا ينشئ وحده شرعية الوزير، ولا يلغي مسؤوليته أمام البرلمان أو رئيس الحكومة، لكنه يؤدي وظيفة رمزية وسياسية مهمة: يحوّل لحظة التعيين من مجرد انتقال إداري إلى لحظة التزام أمام رأس الدولة، ويؤكد أن ممارسة السلطة الحكومية تتم داخل بنية شرعية تتداخل فيها الملكية والدستور والحكومة والبرلمان. ومن هذه الزاوية، فإن القسم أمام الملك يمثل أحد الطقوس السياسية التي تكشف خصوصية النظام المغربي: حداثة دستورية ومؤسساتية تتعايش مع رموز وممارسات سياسية ذات جذور تاريخية عميقة.

3- القسم النضالي في التنظيمات السياسية والحزبية

لم يقتصر القَسَم على الدولة ومؤسساتها، بل عرفته أيضاً بعض التنظيمات السياسية، خصوصاً في مراحل تاريخية معينة. لكن وظيفته داخل الحزب تختلف جذرياً عن وظيفته في الدولة.

– القسم في حزب الاستقلال

في تجربة الحركة الوطنية، كان القسم يرتبط بفكرة الالتزام التنظيمي والوفاء للحزب والقضية الوطنية. وحزب الاستقلال، باعتباره خرج من رحم الحركة الوطنية، ورث جانباً من الثقافة التنظيمية التي كانت تقوم على السرية والانضباط والتضامن بين المناضلين. لذلك لم يكن القسم مجرد طقس رمزي، بل كان يؤدي وظائف متعددة:

كتأكيد الانتماء إلى التنظيم، و الالتزام بقرارات القيادة، و المحافظة على أسرار التنظيم، والتضامن مع المناضلين. و الالتزام بمواجهة الاستعمار والنضال من أجل الاستقلال.وهنا يلاحظ أن القسم الحزبي كان أقرب إلى عهد تنظيمي منه إلى اليمين الدستورية.

– القسم في التنظيمات اليسارية

عرفت بعض التنظيمات اليسارية المغربية، خصوصاً في مراحل العمل السري أو شبه السري، أشكالاً من الالتزام التنظيمي الصارم، وإن كانت الصيغ تختلف كثيراً بين تنظيم وآخر.في هذه الحالة كان القسم أو التعهد يؤدي وظيفة مرتبطة بـ:السرية + الانضباط + التضامن + الالتزام بالمشروع السياسي.وهذا مفهوم إذا أخذنا بعين الاعتبار أن بعض التنظيمات اليسارية في فترات معينة كانت تعمل في ظروف سياسية شديدة الصعوبة، مما جعل الحفاظ على هوية التنظيم وأسراره مسألة أساسية بالنسبة إليها. لأن الأحزاب القديمة لم تكن دائماً مجرد مؤسسات انتخابية كما هي اليوم. ففي مرحلة الحركة الوطنية، ثم في مراحل الصراع السياسي اللاحقة، كان الحزب يمكن أن يكون: مدرسة سياسية ن و شبكة تضامن ، و تنظيم منضبط ، و أداة للنضال السياسي.

وبالتالي كان القسم وسيلة لتحويل العضوية من مجرد انتماء فكري إلى التزام شخصي. وهذا يفسر أيضاً لماذا كان مفهوم «المناضل» أكثر حمولة من مفهوم «العضو الحزبي» المعاصر. وهكذا فالمثير في تطور الأحزاب المغربية أن أن الأحزاب المغربية انتقلت تدريجياً من ثقافة التنظيم المنضبط إلى ثقافة الحزب الانتخابي.

ففي مرحلة الحركة الوطنية كان السؤال: هل أنت ملتزم بالقضية والتنظيم؟ أما في الحزب الانتخابي المعاصر فأصبح السؤال بدرجة أكبر:هل تستطيع الحصول على الأصوات والمقاعد؟

ومن هنا يمكن الربط بين تراجع القسم والعهد التنظيمي وبين ظواهر مثل الترحال الحزبي، وحرب التزكيات، وضعف الانضباط الحزبي. بل يمكن أن نذهب أبعد من ذلك: القسم التنظيمي كان يمثل محاولة لجعل الولاء للحزب أقوى من المصلحة الشخصية للمناضل؛ بينما الترحال السياسي يمثل، في بعض الحالات، انقلاب هذه المعادلة، بحيث يصبح المقعد الانتخابي أقوى من الالتزام التنظيمي.وهذه المقارنة تساعد كثيراً في تفسير التحول من أحزاب الحركة الوطنية والأحزاب الإيديولوجية إلى الأحزاب الانتخابية في المغرب.

بالإضافة إلى ذلك ، فلابد من تسجيل الفرق بين القسم الحزبي والقسم الملكي : فالقسم في الدولة يقول للمسؤول تقريباً: سأحترم الدستور والقانون وأؤدي واجبات المنصب.بينما القسم التنظيمي يقول للمناضل: سألتزم بالتنظيم ومبادئه وقراراته وأحافظ على أسراره.أي أن الأول يؤسس المسؤولية القانونية والمؤسساتية، بينما الثاني يؤسس الانضباط والولاء التنظيمي.فالقسم يشكل امتداد لثقافة «العهد» في تاريخ السياسة بالمغرب. حيث يمكن أن نلاحظ وجود خيط ثقافي طويل يمتد من:البيعة إلى القسم ، إلى العهد التنظيمي ، فالالتزام الحزبي. ففكرة العهد والوفاء والالتزام بالجماعة ليست غريبة عن الثقافة السياسية المغربية. لكن ينبغي الحذر من مساواة هذه الظواهر ببعضها؛ فالبيعة ذات طبيعة سياسية-تاريخية ودينية، والقسم الدستوري ذو طبيعة قانونية، والقسم الحزبي ذو طبيعة تنظيمية.

4-قسم المسيرة والتعبئة الوطنية

يمثل “قسم المسيرة» يمثل نوعاً مختلفاً من القسم في الثقافة السياسية المغربية؛ فهو ليس قسماً لتولي منصب، ولا قسماً للانخراط في حزب، وإنما قسم جماعي ارتبط بحدث تعبوي وطني هو المسيرة الخضراء.ففي 6 نونبر 1975، أعلن الملك الحسن الثاني انطلاق المسيرة الخضراء باتجاه الصحراء، وكانت التعبئة مصحوبة بقسم جماعي ذي صيغة وطنية. ولذلك فالقسم هنا لا ينشئ علاقة قانونية بين الحاكم والمحكوم، وإنما يؤدي وظيفة تعبئة جماعية وتوحيد الإرادة السياسية حول قضية الصحراء. حيث يمكن فهمه من خلال أربعة مستويات:

أولا الطبيعة التعبوية لقسم المسيرة

فقد كان المطلوب من المشاركين ليس مجرد حضور المسيرة، وإنما الالتزام الجماعي بسلوك محدد: المشاركة والانضباط وعدم استعمال العنف، في إطار تعبئة سلمية ذات هدف سياسي.

ثانيا .الطبيعة الوطنية لقسم المسيرة

فالقسم وضع المشاركين في موقع المواطن الذي يلتزم بقضية اعتبرت قضية وطنية. ولذلك اكتسبت المسيرة بعداً يتجاوز الانتماء الحزبي أو الجهوي.

ثالثا. قسم ذو دلالة ملكية حيث كان للملك الحسن الثاني دور مركزي في إطلاق المسيرة وتوجيهها. لذلك ارتبط القسم أيضاً بالقيادة الملكية للمبادرة، وأصبح جزءاً من الشرعية التعبوية للمؤسسة الملكية في قضية الصحراء.

رابعا. الطبيعة الجماعية لقسم المسيرة وهذه ربما أهم خصوصية له. فالقسم الدستوري يؤديه شخص يتولى وظيفة، والقسم الحزبي يؤديه عضو تجاه تنظيم، بينما قسم المسيرة يؤديه جمع من المواطنين في لحظة سياسية وطنية واحدة. ولهذا يمكن اعتباره أقرب إلى «عهد جماعي» منه إلى اليمين القانونية.

وهكذا ، فإن قسم المسيرة الخضراء له صيغة تاريخية محددة، وضعها الملك الحسن الثاني، وأعلنها في خطاب بمناسبة الذكرى الثالثة للمسيرة سنة 1978، موضحاً أنه كتبها بيده، ودعا المغاربة إلى ترديدها في البيوت.

والصيغة الأصلية هي: «أقسم بالله العلي العظيم أن أبقى وفياً لروح المسيرة الخضراء، مكافحاً عن وحدة وطني، من البوغاز إلى الصحراء.

أقسم بالله العلي العظيم أن ألقن هذا القسم أسرتي وعشيرتي، في سري وعلانيتي، والله سبحانه هو الرقيب على طويتي وصدق نيتي.»

وبالتالي ، فلعل ما يميز هذا القسم سياسياً هو أن هذا القسم يختلف بصورة واضحة عن قسم الوزير: فالمخاطَب فيه ليس المسؤول، وإنما الشعب كله؛ فقد أراد الحسن الثاني أن يتحول القسم إلى التزام جماعي يستمر عبر الأجيال. و الموضوع المركزي لهذا القسم هو الوحدة الترابية: عبارة «من البوغاز إلى الصحراء» تجعل المجال الترابي للمملكة محور القسم. فالقسم يتجاوز الفرد إلى الأسرة والعشيرة: عبارة «أن ألقن هذا القسم أسرتي وعشيرتي» تعني أن الالتزام ليس شخصياً فقط، وإنما عملية نقل للذاكرة السياسية والوطنية من جيل إلى جيل. كما أن عبارة «والله سبحانه هو الرقيب على طويتي وصدق نيتي». تنقل القسم من مجرد تعهد سياسي إلى التزام ديني وأخلاقي. حيث صرح الملك الحسن الثاني في سنة 1978بأن القسم استمده من آية في سورة المائدة، وربط فكرة الرقابة الإلهية على النية بمضمون القسم. ولذلك فـ«قسم المسيرة» مهم جداً لفهم ثقافة الحكم المغربية

إذ يمكن وضعه ضمن سلسلة أوسع: البيعة -قسم المسيرة – القسم الوزاري و القسم العسكري/المهني. لكنها ليست شيئاً واحداً. فالبيعة تؤسس علاقة الشرعية بين الملك والأمة، بينما قسم المسيرة يؤسس التزاماً شعبياً جماعياً بالوحدة الترابية، في حين أن القسم المهني أو الوزاري يربط المسؤول بالأمانة والوظيفة التي يتولاها.

ووفق هذا المنظور ، فإن عبارة «قسم المسيرة» ليست مجرد ذكرى لحدث سنة 1975؛ بل تحولت إلى طقس من طقوس الذاكرة السياسية المغربية، أعيد تلقينه في المدارس والمناسبات الوطنية، وأصبح وسيلة لربط الأجيال اللاحقة بالحدث وبفكرة الوحدة الترابية.

وهذا يقود إلى مسألة أعمق: لماذا اختار الحسن الثاني أن يصوغ المسيرة في شكل «قسم» وليس مجرد شعار أو نشيد؟ هنا تظهر علاقته بفكرة القسم في البيعة والقسم العسكري والقسم الحزبي، وهي مسألة لها دلالة قوية في بنية الشرعية السياسية المغربية.فإذا وضعنا الأنواع التي تحدثنا عنها جنباً إلى جنب، تظهر صورة مقارنة كما يلي :

النوع طبيعة العلاقة الوظيفة الأساسية

البيعة الحاكم والجماعة إنتاج/تجديد الشرعية والولاء

القسم الدستوري صاحب المنصب والدستور الالتزام بالقانون والدستور

القسم الحزبي العضو والتنظيم الانضباط والالتزام التنظيمي

قسم المسيرة المواطن والقضية الوطنية التعبئة والوحدة والالتزام الجماعي

ومن ثم فإن قسم المسيرة يقع في منطقة وسطى بين السياسة والمجتمع والدولة. وبالتالي ، فقد كان له أثر رمزي قوي، لأن المسيرة الخضراء لم تقدم نفسها فقط باعتبارها عملية سياسية أو دبلوماسية، وإنما باعتبارها تعبئة شعبية وطنية. والقسم أعطى لهذه التعبئة لغة رمزية تقوم على الالتزام الجماعي. وهنا تظهر إحدى خصائص الثقافة السياسية المغربية: تحويل الأحداث السياسية الكبرى إلى طقوس جماعية؛ فالطقس يمنح الحدث استمرارية في الذاكرة، ويجعله قابلاً للتكرار في الاحتفالات والمناسبات الوطنية.لذلك لم يعد «قسم المسيرة» مرتبطاً فقط بالأشخاص الذين شاركوا في مسيرة 1975، وإنما تحول إلى ذاكرة سياسية وطنية مرتبطة بقضية الصحراء. و يمكن أن نلاحظ تشابهاً في لغة العهد والالتزام بين البيعة وقسم المسيرة، لكن لا ينبغي الخلط بينهما. فالبيعة تعبر عن علاقة شرعية سياسية بين الملك والأمة، بينما قسم المسيرة يعبر عن التزام جماعي بقضية وطنية في ظل قيادة الملك.ومن هنا يمكن القول إن قسم المسيرة أضاف إلى الشرعية الملكية بعداً آخر هو الشرعية التعبوية: أي قدرة المؤسسة الملكية على تحويل قضية سياسية إلى تعبئة شعبية واسعة، ثم تحويل تلك التعبئة إلى ذاكرة وطنية مستمرة.وهذا يفسر لماذا يمكن دراسة البيعة، وقسم المسيرة، والقسم الدستوري، والقسم الحزبي معاً باعتبارها أربع صور مختلفة لفكرة واحدة في الثقافة السياسية المغربية: فكرة العهد والالتزام والولاء، لكن كل واحدة منها تعمل داخل مجال مختلف من مجالات السلطة والمجتمع.

وعموما ، فيمكن أن نعتبر القسم كمرآة لمنظومة الحكم. لذلك يمكن القول إن دراسة القسم في المغرب تكشف شيئاً مهماً عن طبيعة منظومة الحكم نفسها. فهو يجمع بين: الشرعية التاريخية و الشرعية الدستورية ، الشرعية الرمزية ، و المسؤولية القانونية و الولاء للدولة.ومن هنا، فالقسم ليس مجرد طقس بروتوكولي. إنه لغة سياسية رمزية تعبر عن انتقال السلطة من مجرد امتلاك صلاحية قانونية إلى تحمل عهد ومسؤولية أمام الدولة والوطن والملك، بحسب طبيعة المنصب.وهكذا ، فالمقارنة بين البيعة التي تقدم للملك، والقسم الذي يؤديه الملك، والقسم الذي يؤديه العسكريون والوزراء و الموظفون السامون… تكشف بشكل دقيق جداً كيف تُبنى هرمية الولاء والشرعية في النظام السياسي المغربي.