منتدى العمق

معاشات الوزراء في المغرب: الامتياز السياسي وسؤال العدالة التقاعدية

لا تقاس عدالة الدولة بما تمنحه لمن بلغوا قمة السلطة وحدهم، بل بما تحفظه لمن أمضوا أعمارهم في العمل. لذلك يتجاوز النقاش حول معاشات الوزراء في المغرب حدود الأرقام إلى سؤال أخلاقي وسياسي: كيف يطلب من الموظف والأجير تمويل تقاعدهما باقتطاعات منتظمة، بينما تتيح المسؤولية الوزارية استحقاقا مختلفا، تموله الميزانية العامة، دون مساهمات خاصة بهذا المعاش؟

ينظم ظهير سنة 1975 وتعديلاته معاشات الوزراء السابقين، ويتيح صرفها بعد مغادرة الحكومة دون اشتراط مدة دنيا في المنصب. وتمولها الميزانية العامة، دون مساهمات تقاعدية خاصة بها. ويصل معاش الوزير إلى 39 ألف درهم شهريا إذا لم يكن له دخل آخر. أما إذا كان دخله أقل من هذا المبلغ، فيحصل على الفرق فقط؛ وإذا ساواه أو تجاوزه، فلا يصرف له معاش. ويصرح بمداخيله سنويا لتحديد استحقاقه.

يصحح هذا الشرط الاعتقاد بأن كل وزير سابق يحصل على المبلغ كاملا، لكنه يترك سؤال الإنصاف قائما. فما الذي يجعل المرور بالوزارة أساسا لضمان مستوى دخل استثنائي، بينما يظل أمان الموظف والأجير مرهونا بسنوات الاشتراك والأجر ومدة التأمين؟ إن التفاوت هنا يتجاوز الحساب المالي إلى اختلاف المعايير التي تمنح بها الدولة الحماية لمواطنيها.

ولا يستقيم اختزال القضية في مواقف المستفيدين السياسية. فمعارضة السياسات الحكومية حق، والمال العام ليس ثمنا للولاء أو الصمت. محل النقد هو النظام الذي يمنح الامتياز، سواء استفاد منه موال أو معارض. وكل إصلاح يربط الاستحقاق بالموقف السياسي يبتعد عن العدالة، ويقترب من توظيف الموارد العامة لضبط المجال السياسي.

وتساعد المقارنة الدولية على فصل حماية المسؤول بعد المنصب عن تحويل المنصب إلى ضمانة مالية دائمة. ففي فرنسا، لا تمنح مغادرة الحكومة معاشا وزاريا خاصا تلقائيا؛ ترتبط الحقوق التقاعدية بالأنظمة التي ينخرط فيها المسؤول. أما تعويض المغادرة فيستمر ثلاثة أشهر، ويتوقف إذا استأنف المستفيد نشاطا مأجورا قبل انتهائها. إنه تعويض انتقالي، يختلف عن معاش ممتد.

وفي بريطانيا، يوجد نظام تقاعد وزاري، لكنه يعتمد على مساهمات تقتطع من الأجر وتراكم حقوقا تقاعدية. ووفق جواب حكومي نشر في فبراير 2026، تبلغ مساهمة العضو النشط 11.2 في المئة من الأجر الخاضع للتقاعد. لذلك لا تنحصر المقارنة في وجود معاش خاص؛ الأهم هو مصدر تمويله، وكيفية اكتساب الحق فيه، وشروط صرفه.

أما ألمانيا فتحتفظ بنظام خاص، تشترط قاعدته العامة أربع سنوات من الخدمة المؤهلة، مع استثناءات قانونية. ويرتبط بدء صرف المعاش بسن التقاعد، مع إمكان التقاعد المبكر وفق شروط وتخفيضات. وهذه التجربة لا تمثل إلغاء للخصوصية الوزارية، لكنها تقيدها بمدة الخدمة والسن، وتبين أن الاعتراف بطبيعة المسؤولية لا يستلزم منح حماية مالية فورية بلا ضوابط مماثلة.

تكشف هذه النماذج أن العالم لا يتبع وصفة واحدة، وأن وجود نظام خاص لا يكفي وحده للحكم عليه. المعيار الأجدى هو التناسب بين الاستحقاق والمساهمة ومدة المسؤولية، ووضوح القواعد أمام المجتمع. ومن هنا، ينبغي للمغرب أن يصوغ إصلاحه انطلاقا من حاجاته الاجتماعية، وقدرته المالية، والمساواة التي يريد ترسيخها.

وقد أثبت إلغاء وتصفية نظام معاشات أعضاء مجلس النواب سنة 2021 أن الامتيازات السياسية قابلة للمراجعة. والخطوة المطلوبة اليوم هي إنهاء المعاش الوزاري غير القائم على الاشتراك، وإدماج الخدمة الحكومية في أنظمة تقاعد تعتمد المساهمة، مع تعويض انتقالي محدود وترتيبات واضحة للحقوق القائمة. فالمسؤولية العامة تستحق التقدير، لكن التقدير لا يبرر الفصل الدائم عن قواعد الإنصاف.

ويحتاج الإصلاح إلى شفافية تسبق القرار وترافق تنفيذه: نشر الكلفة الإجمالية، وتدقيق التصريحات بالمداخيل، ومراقبة احترام شروط الاستحقاق، وعرض الإصلاح على نقاش برلماني علني. كما ينبغي ربطه بتحسين حماية أصحاب المعاشات الضعيفة. فإلغاء امتياز دون تقوية العدالة الاجتماعية قد يهدئ الغضب مؤقتا، لكنه لا يعالج الأسباب التي تجعل المواطن يشعر بأن التضحية واجب عليه وحده.

تبدأ مصداقية الإصلاح حين تقبل النخب مراجعة ما تمنحه لنفسها قبل أن تطلب من المجتمع تحمل المزيد. ولا تستعيد الدولة الثقة بخطاب عن التقشف يبقي أبواب الامتياز مفتوحة، وإنما بقواعد يرى الناس عدالتها في حياتهم. فالمنصب يزول، وتبقى مسؤولية المال العام؛ وكرامة الشيخوخة حق يستحقه من خدم وطنه، في الوزارة كما في المصنع والمدرسة والحقل.