في كل افتتاح للسنة التشريعية، تتجه الأنظار إلى الخطاب الملكي باعتباره مناسبة لتحديد الأولويات الوطنية واستشراف رهانات المرحلة المقبلة. لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح لا يتعلق فقط بما جاء في الخطاب، بل أيضاً بمدى قدرة البرلمانيين على استيعاب مضامينه وتحويلها إلى ممارسة سياسية وتشريعية تستجيب لانتظارات المواطنين.
لقد حمل الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية رسالة واضحة حين أكد أن «الانتداب البرلماني هو التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين». وهي عبارة تتجاوز المجاملة البروتوكولية لتضع البرلماني أمام جوهر مهمته: تمثيل المواطنين، والدفاع عن مصالحهم، والمساهمة في التشريع، ومراقبة العمل الحكومي، والترافع عن قضايا التنمية والعدالة المجالية.
لكن هل يستوعب كل برلماني فعلاً معنى هذا الالتزام؟ وهل ينظر إلى المقعد البرلماني باعتباره مسؤولية عمومية، أم أن بعض الممارسات السياسية ما زالت تجعل منه وسيلة لتعزيز المكانة الاجتماعية وتوسيع شبكة المصالح الشخصية؟
لا يتعلق الأمر هنا بمستوى الشهادات الدراسية وحده، فالكفاءة السياسية لا تُختزل في الدبلوم، وإنما تتجلى في القدرة على التحليل والفهم واتخاذ المواقف ومناقشة القوانين والميزانيات ومساءلة الحكومة. غير أن ضعف التكوين السياسي، حين يقترن بغياب المبادرة وتغليب الحسابات الشخصية، قد يحوّل الانتداب البرلماني إلى حضور شكلي لا يرقى إلى مستوى انتظارات الناخبين.
لقد وضع الخطاب الملكي قضايا الشباب، والتنمية الترابية، والاستثمار، والتشغيل، وجودة الخدمات العمومية في صلب المرحلة المقبلة. وهي ملفات لا يكفي التصفيق لها أو ترديد مضامينها، بل تتطلب عملاً ميدانياً، وتواصلاً مستمراً مع المواطنين، وتوظيفاً فعلياً للصلاحيات الدستورية والمؤسساتية من أجل إيجاد حلول للمشكلات التي تعيشها مختلف المناطق.
ومن منظور سوسيولوجي، فإن السؤال يتجاوز الأفراد ليشمل طبيعة النخب السياسية وآليات إنتاجها. كيف يتم اختيار المرشحين؟ وما المعايير التي تحكم تزكيتهم؟ وهل تمنح الأولوية للكفاءة والقدرة على التمثيل والترافع، أم تلعب الاعتبارات الانتخابية والشبكات والمصالح دوراً حاسماً في بعض الحالات؟ إنها أسئلة ضرورية لفهم العلاقة بين التمثيل السياسي وجودة الأداء البرلماني، بعيداً عن التعميم أو إصدار أحكام دون أدلة.
إن الامتحان الحقيقي للبرلماني لا يبدأ حين يُلقى الخطاب، ولا ينتهي حين يتوقف التصفيق؛ بل يبدأ حين يعود إلى مقعده، ويصبح مطالباً بأن يثبت للمواطنين أن الانتداب الذي مُنح له ليس امتيازاً شخصياً، وإنما مسؤولية عمومية تُمارَس وتُقيَّم وتُحاسَب.
فهل ستكون مضامين الخطاب الملكي منطلقاً لممارسة برلمانية أكثر مسؤولية، أم ستظل الكلمات أكبر من الأفعال؟