يشكل الافتتاح الملكي للدورة الأولى من السنة التشريعية الأولى للولاية التشريعية الجديدة محطة تأسيسية في الهندسة الدستورية والسياسية للمملكة المغربية. ولا يقف هذا الحدث عند حدوده البروتوكولية، بل يتجاوزها ليؤكد وظيفته التوجيهية في رسم معالم الاختيارات التنموية والسياسات العمومية للدولة. يأتي الخطاب الملكي السامي في ظرفية تتسم بتسارع التحولات الجيو-استراتيجية والجيو-اقتصادية المتشابكة، مرسخاً الانتقال نحو مفهوم “المغرب الصاعد والقوي”، وهو مفهوم لا يقف عند حدود التباهي بالمنجزات أو استنزاف الرصيد التاريخي، بل يتحول فيه الشغف الوطني والانتماء إلى مسؤولية أخلاقية وسياسية، والثقة المؤسساتية إلى واجب وطني مجسّد في الفعل الميداني.
تتحدد الإشكالية المحورية لهذه القراءة الأكاديمية في السؤال الابستمولوجي والتحليلي التالي: إلى أي حد يشكل الخطاب الملكي السامي قطيعة منهجية مع النماذج التدبيرية التقليدية، وخريطة طريق استراتيجية لإعادة بناء العلاقة بين المركز والتراب، وتأسيس عقيدة سيادية جديدة للتعاون الدولي والشراكة الاستراتيجية في سياق التحولات العالمية الراهنة؟
ولإحاطة دقيقة بمدخلات هذه الإشكالية ومخرجاتها، تنقسم الدراسة إلى أربعة محاور تحليلية متكاملة وفق التصميم التالي:
المحور الأول: الأمن الاستراتيجي والجيل الجديد من استراتيجيات التسريع الاقتصادي والتكنولوجي.
المحور الثاني: الحكامة الترابية ومأزق اللاتمركز والجهوية المتقدمة: نحو تعاقد مؤسساتي جديد.
المحور الثالث: الرأسمال البشري وإدماج الشباب: من الرعاية إلى التمكين وتكافؤ الفرص.
المحور الرابع: العقيدة السيادية للشراكة الدولية: تفكيك النموذج التقليدي لتدبير ملف الهجرة والتعاون الإقليمي.
وعليه، تبدو هذه المحاور الأربعة كأعمدة متراصة لصرح استراتيجية ملكية فاعلة ومتفاعلة، تسعى إلى نقل المملكة نحو مرحلة جديدة من النماء والسيادة والحكامة الميدانية.
المحور الأول: الأمن الاستراتيجي والجيل الجديد من استراتيجيات التسريع الاقتصادي والتكنولوجي
تقتضي قراءة السياق الجيو-اقتصادي العالمي المتسم بالهشاشة واضطراب سلاسل توريد الإمداد دراسة مدى قدرة النموذج التنموي المغربي على التكيف مع الصدمات الخارجية، وذلك عبر إرساء دعائم السيادة الاستراتيجية الشاملة والانتقال نحو أنماط إنتاجية متقدمة.
وأمام هذا السياق الخارجي، يضع الخطاب الملكي مفهوماً جديداً للسيادة الوطنية يرتكز على الاستباقية والتحوط الاستراتيجي، حيث يُصنف الأمن المائي، والطاقي، والغذائي ليس فقط كقطاعات تنموية قطاعية، بل كركائز للسيادة القومية والأمن القومي بمعناه الشامل. إن الدعوة إلى التعجيل بتطوير قدرات المملكة في الاحتياطات الاستراتيجية وتأمين توريد المواد الأساسية تعكس إدراكاً عميقاً لمخاطر التبعية للخارج في زمن أزمات سلاسل التوريد والتحولات المناخية.
وفي المقابل، ينتقل الخطاب نحو توجيه الاقتصاد الوطني نحو القطع مع نماذج النمو الكلاسيكية عبر إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى المرتكزة على:
التصنيع المتقدم والإقلاع الصناعي: تحويل المغرب من منصة للتجميع إلى قطب إنتاجي إقليمي بمدخلات ذات قيمة مضافة عالية.
التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي: تدميج التكنولوجيا المتقدمة كرافعة أساسية لرفع التنافسية الاقتصادية وتسريع وثيرة النمو.
إعادة تعريف دور القطاع الخاص: نقل القطاع الخاص من موقع المستفيد من صفقات الدولة والرعاية العمومية إلى موقع “الفاعل الاستراتيجي الوطني المبادر”، القادر على الابتكار، والقدرة على خلق مناصب الشغل، وتوسيع الاستثمار المنتج والتصدير نحو الأسواق الدولية.
في الخلاصة الفرعية الأولى، يعيد الخطاب الملكي صياغة عقيدة النمو الاقتصادي بالمملكة من خلال ربطه العضوي بمفهوم السيادة الوطنية الشاملة، معتبراً أن الجيل الجديد من الاستراتيجيات التكنولوجية والصناعية ومبادرة القطاع الخاص هي الصمام الحقيقي لربح رهان الاقتصاد الصاعد.
المحور الثاني: الحكامة الترابية ومأزق اللاتمركز والجهوية المتقدمة: نحو تعاقد مؤسساتي جديد
تتوقف النجاعة العمومية للسياسات الوطنية على مدى قدرة الأجهزة الترابية والإدارية على الاستجابة للمتطلبات الميدانية، وهو ما يحتم إجراء تشخيص بنيوي للاختلالات التي تعيق التحول نحو اللامركزية الفعالة.
في هذا الإطار، يقدم الخطاب الملكي السامي صياغة صريحة وشديدة الوضوح في تشخيص وضعية التدبير الترابي بالمملكة، مبرزاً وجود فجوة هيكلية بين القرار المركزي والتنفيذ الترابي. فالتحليل الملكي لم ينطوِ على لغة تبريرية، بل أقر بشجاعة بوجود تأخير واختلالات تعرقل تنزيل اللامركزية واللاتمركز الإداري، مما ينعكس سلباً على البرامج التنموية الاقتصادية والاجتماعية، ويتسبب في إعاقة التجاوب الفعلي مع الانشغالان الحقيقية للمواطنين على المستوى المحلي.
ويرسي الخطاب الملكي قطيعة صارمة مع منطق التماطل والبطء الإداري، عبر صياغة موجّهات ملزمة تُنهي ضبابية الاختصاصات وتؤسس لعهد جديد من الحكامة الترابية، وتتجلى أبرز مقوماتها في الأبعاد التالية:
التفعيل الكامل والمباشر لميثاق اللاتمركز الإداري: التأكيد على عدم قبول أي تأخير أو تماطل إضافي في نقل الصلاحيات الفعلية والموارد البشرية والمالية الضرورية من المصالح المركزية إلى الأقاليم والجهات.
إعادة هيكلة مؤسسات الجهة وضبط الاختصاصات: إنهاء التداخل والتضارب في الاختصاصات، ووضع حد للعراقيل التي تعيق عمل المؤسسات الجهوية عبر رفع مواردها البشرية والمادية وتحديد مسؤولياتها بدقة.
إرساء أسلوب التعاقد والتنسيق المؤسساتي: تنظيم العلاقات بين الدولة والجهات عبر إيجاد آليات عملية للتنسيق والتعاقد، بما يضمن تمكين الجهات من اتخاذ القرار التنموي المستقل وتنفيذ المشاريع الميدانية بفاعلية.
منطق العمل الميداني والحلول الترابية: الانتقال من الإدارة المكتبية الفوقية المسقطة للإجراءات والأجوبة إلى التدبير الميداني المباشر على المستوى الترابي، بالوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة وإيجاد حلول واقعية تلائم خصوصياتها المجالية.
في مجمل خلاصة هذا المحور الثاني، تشكل الحكامة الترابية في الرؤية الملكية السامية شرطاً شارحاً ومحدداً لنجاح أي نموذج تنموي، حيث يمثل الحسم الفوري في تنزيل ميثاق اللاتمركز الإداري وتمكين الجهات من الموارد والصلاحيات عبر آليات التعاقد، مدخلاً إلزامياً لتجاوز التعثرات الهيكلية وتأمين العدالة المجالية والاجتماعية في المغرب الصاعد.
المحور الثالث: الرأسمال البشري وإدماج الشباب: من الرعاية إلى التمكين وتكافؤ الفرص
يمثل الشباب المورد الاستراتيجي الأهم في بناء مفهوم “المغرب الصاعد”، مما يجعل إعادة بناء السياسات العمومية الموجهة لهذه الفئة حجر الزاوية في تحقيق الارتقاء الاجتماعي وتوطيد الثقة المؤسساتية. وفي هذا الإطار يتعامل الخطاب الملكي مع قضية الشباب ببوصلة تحليلية تنتقل بهم من دائرة الفئات الهشة المتلقية للدعم والدعم الاجتماعي الكلاسيكي، إلى دائرة المواطنة الفاعلة والإنتاجية. فجعل قضايا الشباب في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة يتطلب وضع تصور متكامل ومندمج يتجاوز الحلول الترقيعية والبرامج المشتتة.
وترتكز خريطة الطريق الملكية لتمكين الشباب على ثلاثية متكاملة الأركان:
منظومة تعليمية وتأهيلية موجهة لنشاط السوق: إصلاح مناهج التأهيل والتعليم لضمان ملاءمتها للتحولات الاقتصادية والتكنولوجية الحديثة.
الإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص: محاربة الفوارق والريع لضمان وصول الشباب للفرص الاستثمارية وسوق الشغل بناءً على الاستحقاق والكفاءة.
ترسيخ الثقة والارتقاء الاجتماعي: إرجاع الثقة للشباب في مؤسسات وطنهم والفرص التي يتيحها، باعتبار الثقة هي المكون الرئيسي لتماسك السلم الاجتماعي والاستقرار الوطني.
في خلاصة المحور الثالث، إن تمكين الشباب وفق رؤية متكاملة تشمل التعليم والتأهيل والإدماج ليس مجرد خيار اجتماعي، بل هو رهان استراتيجي محدد لمستقبل الدولة، يربط بين الارتقاء الاجتماعي وتوطيد الاستقرار والكرامة.
المحور الرابع: العقيدة السيادية للشراكة الدولية: تفكيك النموذج التقليدي لتدبير ملف الهجرة والتعاون الإقليمي
تستدعي التحولات الجيو-سياسية في الفضاء الأورو-متوسطي صياغة قواعد جديدة للتعاون الدولي، تتجاوز الحلول الأمنية الظرفية نحو شراكات متكافئة تحترم السيادة الوطنية والالتزامات المتبادلة. وفي سياق هذا يؤسس الخطاب الملكي لـ “عقيدة دبلوماسية وسيادية متجددة” تنطلق من مبدأ الشريك المسؤول والموثوق الذي يلتزم بتعهداته وينتظر المعاملة بالمثل من شركائه. ومن هذا المنطلق، أجرى الخطاب مراجعة نقدية وشجاعة لنموذج التعاون التقليدي في مجال تدبير الهجرة، معتبراً إياه نموذجا متجاوزا وغير قادر على الاستجابة للواقع الأمني والتنموي التشاركي.
وفي هذا الصدد، حدد الخطاب الاختلالات التي شابت الشراكة مع الجوار الأوروبي (ولا سيما إسبانيا) في النقاط التالية:
الأطر القانونية والقرارات القضائية الأجنبية المتجاوزة: التأكيد على أن بعض القرارات القضائية البعيدة عن الواقع أضحت تعرقل ترحيل القاصرين ومدعي اللجوء، مما يغذي شبكات الهجرة غير الشرعية والأنشطة الإجرامية.
الرفض المطلق لسياسة الضغط والابتزاز: حسم الخطاب موقف المملكة مبيناً أن الشراكة خيار سيادي والتزام إرادي، ولن تكون تحت أي ظرف عرضة للمساومة، أو الضغط، أو التهديد، أو الاستغلال السياسي والإعلامي.
تقديم الرؤية البديلة (وثيقة التوجه الجديد): إعلان المغرب عن تقديم وثيقة استراتيجية متكاملة لشركائه ترتكز على التنمية المشتركة، والتنافسية الاقتصادية، وتأمين الاستقرار الإقليمي كبديل للمقاربات الجزرية والأمنية الضيقة.
في الخلاصة المحورية الرابعة، وضع الخطاب الملكي حداً للمقاربات الكلاسيكية في إدارة الشراكات الدولية وملف الهجرة، مكرساً مبدأ السيادة الوطنية والندية، ومقدماً في الوقت ذاته نموذجاً أطرياً جديداً يقوم على الشراكة التنموية الشاملة والمسؤولية المتقاسمة.
خاتمة
تأسساً على ما سبق، تكشف هذه القراءة التحليلية الأكاديمية أن الخطاب الملكي السامي لافتتاح الولاية التشريعية الجديدة يقدم وثيقة مرجعية واستراتيجية شاملة لإعادة صياغة أولويات الدولة والمجتمع في مرحلة مفصلية من تاريخ المملكة المغربية الحديث.
لم يكن الخطاب الملكي مجرد تشخيص للواقع، بل وضع خريطة طريق علمية وعملية ترتكز على البنيات الآتية:
الانتقال الهيكلي نحو الاقتصاد الصاعد: عبر تأمين الأبعاد الاستراتيجية الثنائية (الماء، الطاقة، الغذاء) وتوطين التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي.
الثورة التدبيرية الترابية: عبر الحسم الفوري في ميثاق اللاتمركز الإداري وتفكيك العراقيل التي تعيق عمل الجهات، لجعل التراب فضاءً حقيقياً للتنمية والعمل الميداني.
أخلقة الفعل السياسي والنيابي: من خلال إعادة الاعتبار للانتداب البرلماني باعتباره تعاقداً أخلاقياً وسياسياً يضع خدمة المواطن الميدانية فوق كل اعتبار.
ترسيخ الدبلوماسية السيادية: عبر إقرار نموذج شراكة دولي جديد يرفض الابتزاز ويؤسس للبناء التنموي المشترك والاستقرار الإقليمي.
إن ربح رهانات هذه الولاية التشريعية والحكومية يتطلب تحويل هذه التوجيهات الملكية إلى سياسات عمومية ملموسة، ومخططات تشريعية وتنفيذية تتسم بالسرعة والنجاعة، لتجسيد طموح المغرب كقوة اقتصادية وإقليمية صاعدة، وموثوقة، ومتوازنة مجالياً واجتماعياً.