وجهة نظر

من طموح الإقلاع الاقتصادي إلى تحدي الإنصاف الاجتماعي.. قراءة في مضامين الخطاب الملكي لافتتاح البرلمان

شكل الخطاب الملكي الموجه إلى أعضاء البرلمان يوم أمس محطة لتحديد ملامح المرحلة المقبلة، واستشراف أولويات العمل الحكومي والتشريعي، في سياق وطني ودولي يتسم بتسارع التحولات الاقتصادية والجيوسياسية وتزايد التحديات الاجتماعية والتنموية.

ولا تكمن أهمية هذا الخطاب في تعدد الملفات التي تناولها فحسب، وإنما في الرسائل الاستراتيجية التي يحملها، والتي تؤكد ضرورة الانتقال من منطق إطلاق المشاريع والإصلاحات إلى منطق تحقيق النتائج الملموسة، وتعزيز التكامل بين النمو الاقتصادي والعدالة الاجتماعية والمجالية، مع جعل نجاعة المؤسسات وقدرتها على التنفيذ معياراً أساسياً لقياس نجاح السياسات العمومية.

أولا؛ الولاية التشريعية الجديدة.. مسؤولية سياسية ورهان تنموي

يضع الخطاب الولاية التشريعية والحكومية الجديدة أمام مسؤولية تاريخية تتمثل في مواصلة مسار التنمية، وتعزيز مكانة المغرب باعتباره قوة اقتصادية صاعدة وموثوقة. غير أن هذا الطموح لا ينفصل عن ضرورة تحقيق التوازن بين التنافسية الاقتصادية والإنصاف الاجتماعي والمجالي، بما يضمن توسيع دائرة المستفيدين من ثمار التنمية.

ومن هذه الزاوية، تبرز أهمية التكامل بين الأدوار الدستورية للمؤسسات، ولا سيما الحكومة باعتبارها مسؤولة عن تنفيذ برنامجها، والبرلمان باعتباره مؤسسة للتشريع ومراقبة العمل الحكومي وتقييم السياسات العمومية. فالتحدي المطروح لا يتعلق فقط بمدى قدرة المؤسسات على إنتاج النصوص القانونية والبرامج الحكومية، بل كذلك بمدى قدرتها على إحداث أثر ملموس في حياة المواطنين.

إن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة يتمثل في تحويل التوجهات الاستراتيجية إلى التزامات واضحة، وبرامج قابلة للتنفيذ، ومؤشرات دقيقة لقياس النتائج، بما يعزز الثقة في المؤسسات ويجعل الأداء العمومي أكثر ارتباطاً بالانتظارات المجتمعية.

ثانيا؛ جيل جديد من الاستراتيجيات لمواجهة التحولات الدولية

يحمل تأكيد الخطاب على ضرورة إطلاق جيل جديد من الاستراتيجيات الكبرى، خصوصاً في مجالات الأمن المائي والطاقي والغذائي، والتصنيع، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، دلالة واضحة على التحول في طبيعة التحديات التي تواجه الدولة المغربية.

ففي ظل الاضطرابات الدولية وتنامي المخاطر المرتبطة بسلاسل التوريد وتقلبات الأسواق، لم يعد تحقيق التنمية رهيناً فقط بتعبئة الاستثمارات وتطوير البنيات التحتية، وإنما أصبح مرتبطاً أيضاً بقدرة الدولة على استباق الأزمات، وتنويع مصادر التزود، وتعزيز القدرات الوطنية، وبناء منظومة فعالة للاحتياطات واليقظة الاستراتيجية.

ويقتضي هذا التوجه الانتقال من التدبير الظرفي للأزمات إلى اعتماد سياسات استباقية قائمة على تحليل المخاطر والاستشراف والتخطيط طويل المدى. كما يفرض تعزيز التكامل بين الدولة والقطاع الخاص، بما يسمح بتوجيه الاستثمار نحو القطاعات المنتجة، ورفع القدرة التنافسية للاقتصاد الوطني، وتوسيع فرص الشغل والتصدير.

ومن ثم، فإن الرهان لا يتعلق بمجرد إطلاق استراتيجيات جديدة، بل بمدى قدرتها على تحقيق الالتقائية بين السياسات القطاعية، وضمان استدامة التمويل، وتحويل الأهداف المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس.

ثالثا؛ الشباب والسياسات الاجتماعية… استعادة الثقة عبر تكافؤ الفرص

يبرز الشباب باعتباره أحد المحاور الأساس في التصور الذي يحمله الخطاب الملكي للمرحلة المقبلة، من خلال الدعوة إلى وضع قضاياهم في صدارة السياسات العمومية واهتمامات هيئات الحكامة، ضمن تصور متكامل يربط التعليم والتأهيل بالإدماج الاقتصادي وتكافؤ الفرص.

وتكتسي هذه الدعوة أهمية خاصة بالنظر إلى الترابط القائم بين جودة التكوين، والقدرة على الاندماج في سوق الشغل، وإمكانات الترقي الاجتماعي، ذلك أن معالجة التحديات التي تواجه الشباب لا يمكن أن تتم من خلال برامج متفرقة أو تدخلات قطاعية معزولة، بل تستلزم بالضرورة رؤية مندمجة تربط المدرسة والجامعة والتكوين المهني بالاستثمار المنتج والسياسات الاقتصادية والاجتماعية.

كما أن تعزيز الثقة في المؤسسات يقتضي أن يشعر الشباب بأن الفرص المتاحة أمامهم تقوم على الاستحقاق والإنصاف، وأن السياسات العمومية قادرة على الاستجابة لتطلعاتهم وتحسين شروط اندماجهم في الحياة الاقتصادية والاجتماعية.

وبذلك، يصبح الاستثمار في الشباب استثماراً في الاستقرار الاجتماعي، وفي مستقبل التنمية الوطنية، وليس مجرد ملف قطاعي ضمن أجندة الحكومة المقبلة.

رابعا؛ الحكامة الترابية واللاتمركز الإداري.. من نقل الاختصاصات إلى فعالية القرار العمومي

يحتل البعد الترابي موقعاً مركزياً في الخطاب، من خلال التشديد على ضرورة الوقوف على المشاكل الحقيقية لكل منطقة، وإيجاد حلول واقعية لها، مع التأكيد على أهمية الجهوية المتقدمة وتفعيل اللاتمركز الإداري وتحسين الخدمات العمومية وتحفيز الاستثمار المنتج.

ويعكس هذا التوجه إدراكاً لأهمية المجال الترابي باعتباره فضاءً فعلياً لتنزيل السياسات العمومية وقياس أثرها. فنجاح الإصلاحات الوطنية يظل مرتبطاً بقدرة المؤسسات الترابية والإدارات اللاممركزة على الاستجابة لحاجيات المواطنين، وتكييف التدخلات العمومية مع خصوصيات المجالات المحلية.

غير أن بلوغ هذه الغاية يقتضي تجاوز الاختلالات المرتبطة بتداخل الاختصاصات، وبطء اتخاذ القرار، ومحدودية الموارد البشرية والمالية، وضعف التنسيق بين المستويات المركزية والترابية.

ومن هنا، تبرز أهمية التمييز بين اللامركزية، التي تقوم على تدبير الجماعات الترابية لشؤونها في إطار اختصاصاتها، واللاتمركز الإداري، الذي يستهدف توزيع صلاحيات الدولة بين الإدارة المركزية ومصالحها الترابية. فنجاح المسارين يقتضي وضوح الاختصاصات، وتوفير الموارد اللازمة، وإرساء آليات فعالة للتنسيق والتعاقد والتقييم.

إن نقل الاختصاصات دون توفير الإمكانات الضرورية لممارستها قد يؤدي إلى نقل المسؤوليات دون تحقيق الفعالية والأثر المطلوب. ولذلك، فإن تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري ينبغي أن يقترن بتحديد دقيق للصلاحيات، وتوفير الموارد البشرية والمالية، وتبسيط المساطر، وتعزيز قدرة المسؤولين الترابيين على اتخاذ القرار.

كما أن تطوير العلاقة بين الدولة والجهات يستدعي الانتقال إلى حكامة قائمة على الالتقائية والتعاقد وتحديد الأهداف والنتائج، بما يجعل الجهة فاعلاً أساس في التنمية، وليس مجرد مستوى إداري لتنفيذ القرارات المتخذة مركزياً.

خامسا؛ العدالة المجالية.. المعيار الحقيقي لنجاعة التنمية

إن التأكيد على التنمية المندمجة والعدالة المجالية يطرح سؤالاً جوهرياً حول كيفية توزيع ثمار النمو والاستثمار العمومي بين الجهات والأقاليم، ومدى انعكاس السياسات الاقتصادية على جودة الخدمات وفرص الشغل وظروف عيش المواطنين.

فالتنمية لا تقاس فقط بحجم المشاريع المنجزة أو قيمة الاستثمارات المعبأة، وإنما كذلك بقدرتها على تقليص الفوارق المجالية، وتحسين الولوج إلى التعليم والصحة والنقل والخدمات الأساس، وتعزيز جاذبية المجالات التي تعاني من ضعف التجهيزات أو محدودية الفرص الاقتصادية.

وفي هذا السياق، تكتسي الحكامة المالية أهمية بالغة، من خلال توجيه الإنفاق العمومي نحو الأولويات الفعلية، وربط الاعتمادات المالية بالأهداف التنموية، وتعزيز تقييم أثر البرامج والمشاريع. فنجاعة السياسات العمومية لا ترتبط بحجم الموارد المرصودة وحدها، بل بكيفية توزيعها وتدبيرها والنتائج المحققة من خلالها.

ومن ثم، فإن العدالة المجالية تستدعي رؤية تتجاوز المقاربة القطاعية، وتربط الاستثمار العمومي بالتخطيط الترابي، وتضمن التنسيق بين مختلف المتدخلين، مع مراعاة الخصوصيات الاقتصادية والاجتماعية لكل جهة.

سادسا؛ الشراكات الدولية والهجرة.. نحو تعاون قائم على المسؤولية المتبادلة

على المستوى الخارجي، يسلط الخطاب الضوء على ضرورة تطوير نموذج التعاون في مجال الهجرة، خصوصاً في العلاقة مع إسبانيا، في ضوء التحديات القانونية والعملية التي تواجه تدبير هذه الظاهرة.

وتكشف هذه الإشارة عن توجه نحو إعادة تقييم آليات التعاون الدولي، بما يضمن التوفيق بين الالتزامات المتبادلة والمصالح الوطنية ومتطلبات الاستقرار الإقليمي. فالتعاون الفعال لا يمكن أن يقوم على تحميل طرف واحد أعباء التدبير، وإنما يستلزم تقاسماً للمسؤوليات، وتنسيقاً مستمراً، ومعالجة الأسباب الاقتصادية والاجتماعية المرتبطة بالهجرة.

كما أن التأكيد على السيادة الوطنية في تدبير الشراكات يعكس أهمية بناء علاقات متوازنة، تقوم على احترام الالتزامات المتبادلة وتجنب منطق الضغط والابتزاز، مع الحفاظ على المصالح الاستراتيجية للمملكة.

سابعا؛ البرلمان أمام امتحان المسؤولية والمساءلة

يختتم الخطاب بالتذكير بالطبيعة السياسية والأخلاقية للانتداب البرلماني، وهو ما يعيد التأكيد على مركزية المسؤولية التمثيلية في النظام الدستوري. فالانتخاب لا يمثل نهاية العلاقة بين النائب والمواطن، وإنما بداية التزام مستمر بالدفاع عن انتظاراته ومراقبة تنفيذ السياسات العمومية.

ومن هذا المنطلق، ينتظر من المؤسسة التشريعية مساهمة فعلية في تجويد التشريعات، وتعزيز الرقابة على العمل الحكومي، ومواكبة الإصلاحات الكبرى، وتقييم مدى استجابتها للحاجيات المجتمعية.

كما أن المرحلة المقبلة تقتضي تطوير الممارسة البرلمانية بما يجعلها أكثر ارتباطاً بالنتائج، من خلال الاستناد إلى المعطيات والتقارير التقييمية، وتعزيز النقاش العمومي حول الأولويات الوطنية، وربط الأداء التشريعي والرقابي بمدى مساهمته في تحسين السياسات العمومية.

وختاما يؤسس الخطاب الملكي في مجمله، لأفق تنموي تتكامل فيه التنافسية الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية والمجالية، والاستراتيجيات الوطنية مع فعالية التنفيذ الترابي، والشراكات الدولية مع حماية المصالح السيادية للمملكة.

غير أن التحدي الأساسي يظل كامناً في القدرة على تحويل هذه التوجهات إلى نتائج ملموسة، من خلال وضوح المسؤوليات، وتعبئة الموارد، وتجاوز الاختلالات الإدارية، وتعزيز التنسيق بين المؤسسات، وإرساء ثقافة التقييم والمساءلة.

وعليه، فإن نجاح الولاية التشريعية والحكومية الجديدة لن يقاس فقط بمدى قدرتها على مواصلة المشاريع والإصلاحات، وإنما بمدى إسهامها في تحسين حياة المواطنين، وتوسيع فرص الشباب، وتقليص الفوارق المجالية، وتعزيز الثقة في المؤسسات.

إنها، في نهاية المطاف، دعوة إلى الانتقال من طموح الإصلاح إلى فعالية الإنجاز، ومن تعدد البرامج إلى تكامل السياسات، ومن مؤشرات النشاط الإداري إلى قياس الأثر التنموي الفعلي.