بنك المغرب يدرس إطلاق عملة رقمية وطنية لمواجهة زحف العملات المشفرة
اقتصاد

بنك المغرب يدرس إطلاق عملة رقمية وطنية لمواجهة زحف العملات المشفرة

يتجه المغرب إلى دراسة إمكانية إصدار عملة رقمية للبنك المركزي، في سياق التحولات المتسارعة التي يشهدها القطاع المالي عالميا، والتحديات المرتبطة بارتفاع حجم النقد المتداول وضعف انتشار الأداء الإلكتروني، إلى جانب تنامي استخدام العملات المشفرة.

وحسب وثيقة بحثية بعنوان “العملة الرقمية للبنك المركزي: الرهانات والدروس المستفادة بالنسبة للمغرب”، فإن بنك المغرب شكل مجموعات عمل تضم خبراء من مؤسسات مالية دولية، بهدف إجراء تحليلات وتجارب بشأن إمكانية إصدار عملة رقمية وطنية، بالتوازي مع توجه السلطات إلى تأطير الأصول الرقمية عبر مشروع القانون رقم 42.25، الذي يستهدف تنظيم الفاعلين في هذا السوق وتعزيز الشفافية وحماية المستثمرين.

وتعرف العملة الرقمية للبنك المركزي بأنها نقود رقمية يصدرها وينظمها البنك المركزي، وتتمتع بالصفة القانونية للعملة الوطنية، ويمكن استخدامها في الأداء والاحتفاظ بالقيمة. ولا يعني إصدارها الاستغناء عن الأوراق النقدية والقطع المعدنية، بل يتعلق الأمر بإضافة وسيلة أداء رقمية إلى المنظومة النقدية القائمة.

وتشير الوثيقة التي اطلعت عليها “العمق” إلى أن سوق الأداء الرقمي بالمغرب لا يزال يواجه تحديات على مستوى الانتشار والتنافسية، رغم الجهود المبذولة لتطوير الخدمات المالية الرقمية، فيما يظل النقد المتداول عند مستويات مرتفعة. ويجعل هذا الوضع تحديث أنظمة الأداء وتعزيز كفاءتها وأمنها أحد المداخل الأساسية لتحقيق أهداف الاستراتيجية الوطنية للشمول المالي.

ومن شأن الدرهم الرقمي، في حال اعتماده، أن يوفر وسيلة إضافية للأداء، مع إمكانية توسيع استفادة الفئات التي لا تتوفر على حسابات بنكية، وتسهيل المعاملات اليومية والتحويلات المالية، بما فيها تحويلات مغاربة العالم، شريطة توفير أنظمة متوافقة قادرة على ضمان التشغيل البيني بين مختلف منصات الأداء.

وفي المقابل، تحذر الدراسة من المخاطر المرتبطة بالعملات المشفرة، التي تتسم بتقلبات سعرية كبيرة ولا توفر لمستخدميها ضمانات مؤسساتية مماثلة لتلك المتاحة في النظام المالي التقليدي. كما تثير إشكالات تتعلق بالاحتيال وحماية المستهلكين والسيولة وانتقال الاضطرابات بين المنصات المالية.

ووفق تقرير “جغرافية العملات المشفرة لسنة 2025” الصادر عن شركة “Chainalysis”، يحتل المغرب المرتبة 24 عالميا في مؤشر تبني هذه الأصول، وهو ما يبرز أهمية تطوير إطار تنظيمي يواكب توسع استخدامها، دون إغفال متطلبات الابتكار وحماية المستثمرين.

وتكتسي العملة الرقمية أهمية إضافية، بحسب الوثيقة، في ظل تنامي استخدام العملات المستقرة، المرتبطة في معظمها بالدولار الأمريكي. إذ إن انتشارها على نطاق واسع قد يقلص دور العملة الوطنية في الأداء والادخار، ويزيد الاعتماد على جهات إصدار خاصة، بما يطرح تحديات أمام السيادة النقدية وفعالية السياسة النقدية.

وتحدد الدراسة مجموعة من الخيارات التي يتعين حسمها قبل اعتماد أي عملة رقمية، في مقدمتها توزيع الأدوار بين البنك المركزي والمؤسسات المالية. ويتيح النموذج المباشر للبنك المركزي تدبير إصدار العملة والحسابات والمعاملات، لكنه قد يفرض عليه أعباء تشغيلية كبيرة ويحد من مساهمة القطاع الخاص في الابتكار.

أما النموذج الوسيط، فيمنح البنك المركزي مسؤولية الإصدار، بينما تتولى البنوك ومؤسسات الأداء وشركات التكنولوجيا المالية توزيع العملة وتقديم الخدمات للمستخدمين. ويتيح النموذج الهجين، على وجه الخصوص، الجمع بين دور الوسطاء في التعامل مع العملاء واحتفاظ البنك المركزي بسجل مركزي للمعاملات، بما يوازن بين الرقابة والابتكار.

وتشمل الخيارات الأخرى تحديد ما إذا كانت العملة ستعتمد على الحسابات المرتبطة بهوية المستخدم أو على الرموز الرقمية، فضلا عن اختيار البنية التكنولوجية المناسبة، ومستوى حماية الخصوصية، وإمكانية منح فوائد على الأرصدة، ووضع سقوف للاحتفاظ بالعملة، وإتاحة الأداء دون اتصال بالإنترنت.

وتشدد الوثيقة على ضرورة التوفيق بين حماية المعطيات الشخصية ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، مع إمكانية اعتماد مستويات متدرجة من التحقق بحسب قيمة المعاملات. كما تحذر من أن منح فوائد على العملة الرقمية قد يشجع على تحويل الودائع البنكية إليها، بما يهدد دور البنوك التجارية في الوساطة المالية، وهو ما يجعل تحديد سقوف للأرصدة أحد الخيارات المطروحة للحد من هذه المخاطر.

وعلى المستوى الدولي، تستند الدراسة إلى مسح لبنك التسويات الدولية أظهر أن 93 بنكا مركزيا، تمثل البلدان التي تنتمي إليها 76 في المائة من سكان العالم و94 في المائة من الناتج الداخلي الإجمالي العالمي، تدرس إمكانية إصدار عملات رقمية خلال السنوات المقبلة.

وتبرز تجربة الصين، التي سجل مشروع اليوان الرقمي فيها، إلى غاية نهاية شتنبر 2025، نحو 225 مليون محفظة فردية وأكثر من ثلاثة مليارات معاملة تراكمية، أهمية دمج العملة الرقمية في الاستعمالات اليومية. في المقابل، تركز الهند على وظائف إضافية، من بينها الأداء دون اتصال بالإنترنت والمدفوعات القابلة للبرمجة، بينما يهدف مشروع اليورو الرقمي إلى توفير وسيلة أداء عمومية تواكب توسع المعاملات الإلكترونية وتعزز الاستقلال المالي الأوروبي.

وتكشف هذه التجارب أن نجاح العملة الرقمية لا يرتبط فقط بإطلاقها تقنيا أو بعدد المحافظ المفتوحة، بل بمدى إقبال المستخدمين عليها وقدرتها على تقديم قيمة مضافة مقارنة بوسائل الأداء الموجودة.

وتخلص الدراسة إلى أن تحديد مستقبل الدرهم الرقمي يقتضي تقييما دقيقا لخصوصيات السوق المغربية، ومستوى انتشار الخدمات الرقمية، وأدوار المؤسسات المالية، والمخاطر المحتملة على السياسة النقدية والاستقرار المالي. ويظل الرهان الأساسي هو تطوير وسائل أداء أكثر كفاءة وأمانا، وتوسيع الشمول المالي، مع الحفاظ على الثقة في العملة الوطنية وتحقيق التوازن بين الابتكار وحماية المستخدمين.