هل الديمقراطية تعني بالضرورة حكم الأغلبية البرلمانية؟ صحيح أن إرادة الشعب تترجم عبر التمثيل النيابي وهو أصل الديمقراطية التمثيلية، وهدا لا يمكن أن يؤدي بالضرورة إلى تحول أغلبية عددية داخل البرلمان إلى حكومة.
تتميز النظم البرلمانية بتوزيع وظيفي، بين ثلاث قوى كبرى، أولها الحكومة التي تحتل مركز القيادة وتمتلك القوة الاقتراحية والتنفيذية، وثانيها الأغلبية البرلمانية التي تشكل السند السياسي والتشريعي للحكومة، وآخرها المعارضة التي تمتلك سلطة الاقتراح والرقابة، والمنع عند الحاجة كل ما تراه مخالفا لتوجهها. ومن هذا المنطلق فإن الأغلبية لا تتوقف أهميتها في تمرير القوانين والسياسات من قبل الحكومة، وإنما تعتبر من أهم وظائفها تحمل المسؤولية السياسية عن الاختيارات الحكومية، وهذه مسألة جوهرية.
إذا تم افتراض حكومة الأقلية وأغلبية المعارضة، فإن هناك سؤال يقول: من الحاكم فعلياً؟ الحكومة وفق الإطار الدستوري؟ أم أغلبية المعارضة وفق المنطق السياسي؟ وفي هذا المضمار تبرز إشكالية ازدواجية مركز القرار السياسي.
كيف لا يمكن تصور حكومة الأقلية في وضع طبيعي؟ في النظام البرلماني لا تعتبر الحكومة مجرد جسم إداري تنفيذي، وإنما تحتل مكان مركزي في المبادرة السياسية والتنفيذية. الحكومة التي لا تملك أغلبية تؤيد برنامجها، قد تتسمر من الناحية النظرية، لكن وفي كل حين تكون مجبرة على البحث عن أصوات خارج صفوفها، وهذا ما يمكن وصفه بأغلبية نص بنص أو مشروع بشمروع ” Majorités texte par texte”، وهنا تطالعنا مفارقة، إذا كانت الحكومة قادرة على تمرير مشروع قانون أو رؤية اقتصادية عن طريق حشد أغلبية معينة لهذا المشروع وأغلبية أخرى لمشروع آخر، فقد لا تستطيع حشد أغلبية لمشروع ثالث نظرا للشرخ البرلماني الذي أحدثه المشروعين السابقين، وبالتالي يغيب تماسك واستقرار البرنامج الحكومي الذي يمكن ان تحكم من خلاله بشكل فعلي وواقعي وهذه هي المفارقة الهامة.
ألا يُعبر هذا الوضع عن ممارسة ديمقراطية حقيقية؟ في واقع الأمر قد يحمل هذا الوضع تصور ديمقراطي قوي ومنطقي! فحكومة الأقلية يمكن أن تؤدي إلى تشكل برلمان قوي، ويعزز مكانة المعارضة ودرها الرقابي، وحشر الحكومة في مقعد تفاوضي وسلبها مكنة الاستتار واحتكار القرار، فنكون حينها أمام تشريع ذي جودة، وذلك بتحول الأقلية البرلمانية من مجرد جهاز للتصديق إلى جهاز فاعل قي صياغة المشاريع. وبالتالي فالحكومة التي لا تمتلك الأغلبية يصبح لزاماً عليها إقناع البرلمان في كل مشروع وتكوين أغلبية ما يصطلح عليها باسم أغلبية المشاريع، وهذا المنطق يمكن أن يؤدي إلى ميلاد الحكومة البرلمانية أو برلمنة النظام السياسي.
إن وجود حكومة أقلية ليس إشكالاً، وإنما الإشكال في وجود أغلبية معارضة منظمة؛ هناك فرق كبير بين وجود حكومة أقلية وتعددية برلمانية، وحكومة أقلية ومعارضة قوية متماسكة. في الوضع الأول، توجد أمام الحكومة فسحة للتفاوض مع مختلق الكثل، الأمر الذي يُتيح للحكومة إمكانية تشكيل أغلبية مختلفة في كل مناسبة، أم الحالة الثانية فإن الأغلبية المعارضة تملك الكلة للقول بمنع تنفيذ البرنامج الحكومي، وإخلاء مسؤوليتها من تنفيذ أي برنامج بديل، وفي هذا الوضع تتور إشكالية المسؤولية السياسية. إذ لا تعتبر القدرة على المنع القوام الوحيد الذي تقوم عليه الديمقراطية البرلمانية، وإنما القدرة على الحكم وتحمل تبعاته، وهي نقطة في غاية الأهمية ولا ينبغي غض الطرف عنها
إن القول بكون الأغلبية تؤدي وظيفة الحكم، والمعارضة تؤدي وظيفة الرقابة لا يمكن التسليم به على إطلاقه، إذ لا يمكن حصر الأغلبية في التصويت لصالح الحكومة، ولا يمكن تحويل المعارضة إلى مجرد فرامل للتعطيل، فالممارسة الديمقراطية السليمة تقتضي إيجاد توازن بين وظيفتي اتخاذ القرار والرقابة. حينما تكون الأغلبية الحكومية في موقع قوة، يلوح في الأفق خطر استحواذ السلطة التنفيذية على البرلمان، وشل عمل البرلمان في الحالة التي يكون في مقدور المعارضة إسقاط المبادرات الحكومية دون استعدادها لتحمل المسؤولية. ومن همنا فإنه لا يمكن حصر المسألة في أغلبية او أقلية، وإنما في مدى قدرة الحكومة على الحكم، وتملك البرلمان قدرة حقيقية على ممارسة الرقابة.
القول بحكومة الأقلية ليس بالأمر المستحيل، مسألة حكمها واردة لكن بأي ثمن وبأية وسائل؟ امام تزايد صعوبة إمكانية حصول الحكومة على أغلبية سياسية كان لمسألة العقلنة البرلمانية المخرج لحكومة الأقلية. إن غياب الأغلبية يجعل الحكومة في حاجة إلى التفاوض، وإذا واجهتها صعوبة في التفاوض تتبنى أدوات تؤدي إلى تقييد العمل البرلماني.
يمكن أن يمهد غياب اغلبية حكومية، لوجود برلمان أكثر تعددية، وحكومة تفاوضية منفتحة، ومعارضة تمارس رقابة سياسية أكثر فاعلية. وبالتالي فالأغلبية البرلمانية لم تكن ولن تكون مجرد غاية ديمقراطية في ذاتها، لأن الأغلبية تأتي في النظام البرلماني لتحقيق وظيفة مؤسساتية تنعكس في تخويل القرار الحكومي لقاعدة برلمانية تتيح للحكومة إمكانية الحكم وتحمل المسؤولية السياسية. من هذا المنطلق؛ يثور التساؤل التالي، هل الممارسة الديمقراطية تستدعي حكومة اغلبية لكي تكون قوية، أم أنها تستلزم حكومة قادرة على التفاوض لأنها لا تلك الأغلبية؟
الواقع والممارسة يجيبان بالقول: أن لا قدرة للحكومة على الحكم إلا بوجود أغلبية، والرقابة الممنوحة للبرلمان لا توجد دائما إلا مع الأقلية، فالنظام البرلماني لكي يحقق نجاعة شرعيته يجمع بين الأمرين على نحو يوازن فيه بين الأغلبية والأقلية، فلا تتحول الأولى إلى هيمنة والثانية إلى آلة تعطيل.