حدود قدرة المدعي على معرفة خصمه
وجهة نظر

حدود قدرة المدعي على معرفة خصمه

الأكيد أنه، وبعد رجوع الدفاع إلى ممارسة مهامه، اصطدم بقانون المسطرة المدنية الجديد وإجراءاته الشكلية وصيغته التي كان ينبغي أن تطور طريقة اللجوء إلى القضاء وتحسنها وتجودها.

لكن الامتحان الأول وسوء الصياغة لم يكونا بعيدين، بل ظهرا عند المواد المائة الأولى، وبالضبط المادة 77 منها، والتي ألقت على عاتق المدعي تضمين عدة بيانات جديدة، وكأن عليه أن يثبت 100 مرة أنه هو ولا غيره صاحب الحق.

ناهيك عن تعب تدوين المعلومات بالمقال الافتتاحي، كل شيء مقدور عليه. فأنا كمدعٍ أعرف نفسي أحسن معرفة.

وأنا كمحامٍ وجب علي مواكبة التطور والتوفر على حساب إلكتروني تسريعا لمسطرة التبليغ ومستلزمات سير الدعوى. وهذا لا بأس فيه، وإن تأخرنا في مواكبة التشريعات المقارنة. رغم أن فكرة التطور عندنا محدودة، فمثل عنوان مكتبي، يجب على السلطة القضائية ووزارة العدل أن تتوفرا على قاعدة بيانات تجد فيها حسابي الإلكتروني دون ربط شكليات الدعوى بذكره، فالسهو وارد.

لكن هل وجب علي أن أعرف خصمي أحسن معرفة قبل مقاضاته؟

يقول سون تزو في كتابه فن الحرب: إذا عرفت عدوك وعرفت نفسك، فلا حاجة بك إلى الخوف من نتيجة مئة معركة.

لا أعرف إن كان من الأخلق تشبيه التقاضي بالحرب، ففي الأخير لا أريد هزيمتك بقدر ما أريد الحفاظ على حقوقي.

لكن ماذا لو كانت نتيجة الحرب عدم القبول؟ وماذا لو أنها بيد طرف ثالث؟

تقتضي إقامة الدعوى عامةً تحديد أطرافها بما يسمح للمحكمة بمعرفة الخصومة المعروضة عليها، ويتيح للمدعى عليه العلم بالمطالبة وممارسة حقوق دفاعه. غير أن مشروعية هذه الغاية لا تعني أن جميع المعلومات المتعلقة بالخصم يمكن أن تتحول إلى شروط لقبول الدعوى. فثمة فرق بين مطالبة المدعي بتحديد الشخص الذي يقاضيه، وبين إلزامه بالإحاطة ببيانات لا يملكها، ولا تتوافر له وسيلة معقولة للحصول عليها.

ومن هنا برزت المادة 77 مبهمة التعبير، وأوردت: “إذا تعلق الأمر بشخص اعتباري، اسمه وممثله القانوني ونوعه ومقره الاجتماعي أو مقر الفرع التابع له، وعنوانه المضمن في السجل التجاري وعنوان بريده الإلكتروني”.

فعلى غرار شرط بطاقة التعريف الوطنية الذي اشترط في المدعي، فإن هذه الفقرة لم تفرق بين مدعٍ ومدعى عليه.

سيقول عاقل إن هذا الشرط يخص فقط المدعي، فمن أين لي أن آتي بالبريد الإلكتروني لخصمي وهو غير متاح للمعرفة؟ لكننا رأينا عكس هذا الطرح، أي أن المحاكم ذهبت إلى القول بعدم قبول الدعوى لخلو المقال من البريد الإلكتروني للخصم الشخص الاعتباري.

إن معرفة الشخص الاعتباري الذي تجمعني معه معاملة لا تستلزم بالضرورة معرفة بريده الإلكتروني. فقد يملك الأجير عقد عمل، أو يتوفر المستهلك على فاتورة، أو يحمل الدائن سندًا يحدد الشركة ومقرها، دون أن تتضمن هذه الوثائق عنوانًا إلكترونيًا. وفي مثل هذه الحالات، تكون الجهة المطالبة بالحق محددة، بينما تظل إحدى وسائل الاتصال بها مجهولة. ومن الصعب تبرير إخضاع الحالتين، أي جهالة الخصم وجهالة بريده، للنتيجة الإجرائية نفسها.

وحتى على فرض توفره، تذهب أغلب الشركات الكبرى إلى اعتماد أكثر من بريد إلكتروني، فهناك البريد الإلكتروني الخاص بالزبناء وآخر من أجل التشكي، وثالث من أجل طلبات العمل وبريد إلكتروني خاص بكل مستخدم. فكيف أحدد البريد الإلكتروني الصحيح، وكيف للشركة ألا تحتج علي بذكر هذا عوض ذلك؟ ولقد أرتنا الممارسة المهنية أن بعض الشركات الكبرى، مثل شركات التأمين، تعيق حتى التوصل بالاستدعاء، كفرض مكان غير المقر الاجتماعي على المفوض القضائي من أجل تسلم الاستدعاءات، أو فرض وقت معين في ضرب صارخ لقانون المسطرة المدنية.

إشكال كبير مطروح يهدد الحق في اللجوء إلى القضاء، كما أنه إن اتبعنا منطق الأحكام الصادرة، فيكفي عدم التوفر على بريد إلكتروني من أساسه من أجل التحصن ضد المطالبة القضائية أيا كانت.

ويطرح سؤال دراسة الجدوى: شرط ضمن شكليات المقال، ما محله من الإعراب؟ ما جدواه؟

بقراءة قانون المسطرة المدنية كافةً، لا نجد ولو لمرة أنه يمكن استدعاء المدعى عليه الشخص الاعتباري، أو تبليغه بالأحكام، سواء كانت تمهيدية أو فاصلة في الدعوى، استنادا إلى المعلومات المدلى بها من طرف المدعي.

الإمكانية الوحيدة نجدها في القسم الحادي عشر المعنون بـ: رقمنة المساطر والإجراءات القضائية، والتي تشترط أن يدلي الشخص الاعتباري الخاضع للقانون الخاص هو ببريده الإلكتروني، وأن يدلي بتصريح يقبل من خلاله التبليغات عبره.

إذن ما جدوى الإدلاء بالبريد الإلكتروني إن لم تكن له غاية من الأساس؟

وحتى إن ظننا أن ما يجري هو تقليد أعمى لتشريع استنبطنا منه قوانيننا منذ زمن، فإن المادة 54 من قانون المسطرة المدنية الفرنسي لم تشترط البريد الإلكتروني للخصم أبدا.

وتفيدنا المقارنة مع القانون الإسباني الذي كان سباقا لاعتماد التكنولوجيا الحديثة في ضبط هذا الفرق. فالمادة 155، في فقرتها الثالثة، تطلب من المدعي تقديم ما يعرفه من بيانات المدعى عليه التي تساعد على تحديد هويته، وتذكر ضمنها البريد الإلكتروني. وبذلك تربط تقديم هذه المعلومة بحدود المعرفة، مع بقاء شروط التعريف الأساسية بالدعوى.

لكننا، كما أسلفنا الذكر، هنا أمام صياغة ناقصة أو بالأحرى مبهمة، فإذن ما العمل؟

هنا يأتي دور القاضي، فالقانون مجرد نص جامد، يكيفه القاضي من أجل تحقيق غايته. وعندما نتحدث عن قانون المسطرة المدنية، فغايته الأولى والوحيدة هي تبيان أوجه المطالبة بالحق والتقاضي.

فإن ربطنا قبول الدعوى بالإدلاء بمعلومة نجهلها، جردناه من روحه وأقررنا أن به ثغرة لا حل لها. أو كفينا نفسنا تعب البت في الموضوع وعللنا بسطر وانتهى.

القاضي في حقيقته مشرّع مؤتمن على الغاية، لا على اللفظ وحده. وهو حين يسدّ ثغرة أو يؤوّل نصًا غامضًا إنما يؤدي أمانة الحفاظ على روح القانون، شريطة أن يلتزم بالمنهج، ويعلّل اجتهاده، ويقف عند حدود النص الصريح. وبهذا التوازن بين الحرف والروح يظل القانون حيًا قادرًا على خدمة العدالة في كل زمان، ويظل القضاء حصنًا للحقوق لا مجرد جهاز لتطبيق النصوص.