إن ما أصبو إليه ضمن هذا المقال، هو تسليط الضوء على كثير من الأمور التي كانت مثار نقاش أثناء عملية التحالف، سواء ما تعلق ببعض الممارسات والسلوكات التي رافقت هذه العملية، أو ما تعلق بتلك الملازمة للفاعل السياسي اليساري، إذا سلمنا أنه كذلك. هذا بالإضافة إلى تقييم الحدث الانتخابي، وما أسفر عنه من نتائج، وسبل العمل ما بعد الانتخابات حزبيا وبرلمانيا. وخلال هذا كله، سيتضح موقفي الحزبي وتصوري له.
بالعودة إلى العنوان الذي دبجت به هذا المقال، فإن القصد منه أنه دعوة إلى اكتساب الفاعل السياسي اليساري لآليات الممارسة السياسية، حتى يتمكن من استيعاب وجوده الذاتي، ومواكبة ركب الواقع الموضوعي، المؤثث لمشهد سياسي، يتجاوز الفعل السياسي الذي اعتاد أن يتشرب منه ممارسته السياسية، وأقصد هنا قلاعه اليسارية المرجعية، سواء الجامعة، التجارب السياسية السابقة، الكتب، الجمعيات الحقوقية، النقابات، الأحزاب والتنظيمات اليسارية ….. وهي مواقع وأدوات لا يمكن إنكار فضلها في بناء الذات اليسارية ومرجعيتها الأيديولوجية والسياسية.
لكنها للأسف في واقع جزري بامتياز، أضحت تشكل عبئا يكبح الذات اليسارية، ويمنعها من النظر خلف قلاعها. وعوض الانفتاح على الواقع السياسي القائم وطنيا ودوليا من أجل تشكيل الموقف اليساري، ما زالت مجموعة من اليساريين القابعين في زمن الأحلام، ينظرون إلى هذا الواقع من منظار الإرث اليساري، وفي أحسن الأحوال من مصادر جافة. لذلك نجد الفاعل اليساري، في الغالب ينظر إلى نفسه باعتباره منظرا سياسيا ومناضلا فذا لا يشق له غبار، ويرى ما خاضه من معارك وما حققه من بطولات منجزًا لم يحدث مثله قط من قبل، ولن يصل إليه أحد بعد، ولن يصل إليه أحد بعد.
هذه الذات اليسارية المثقلة بأيديولوجيتها الفاقدة لشرعية الواقع، هي من تشكل للأسف عصب اليسار القائم، وأسباب أعطابه وتشتته.
لهذا نحن في حاجة إلى ممارسة سياسية قادرة على استيعاب الواقع القائم، وإنتاج ما يسمح به من قراءة سياسية وأيديولوجية، بإمكانها التعامل معه بذكاء، وتدبير يحفظ الذات، ويسمح لها في ذات الوقت التعايش مع مشهد سياسي أقوى منها ممارسة ومراكمة. وهو ما يتطلب التمكن من أدوات الفعل السياسي، وأقصد الواقعية السياسية، عوض الادعاء الطوباوي اليساري. لأن الجمع بين الرغبة في العمل داخل مؤسسات الدولة والتمسك بالطهر السياسي، يعكس الافتقاد إلى الممارسة السياسية، والحس اليساري نفسه الذي يخضع لأبجدية الطاكتيك والاستراتيجية.
وحين أعترض على الطهر السياسي، فلست أفعل ذلك من حيث المبدأ، بل من حيث كوننا فاعلين سياسيين، نمارس في واقع ليس فاضلا، الأمر الذي يفترض أن نعرف كيف نوازي بين الطهر وحفظ الذات واستمراريتها، وأن نعرف كيف نجعل مشروعنا واقعا مجتمعيا. وإلا فإن الطهر الذي تبني عليه الذات اليسارية تميزها وتبجحها، يمكن لفرد معزول، يخدم من حيث لا يدري مشروعا سياسيا نقيضا لأفكاره، أن يتفوق عليها بكثير، ولن يتمكن أي كان من منافسته، بل ويمكنه فقط لأنه يتمتع بالشهرة والمصداقية الشعبية، أن يشكل بالنسبة للجماهير مثالا للطهر الحقيقي الذي لأجله يقبر اليساري نفسه.
ويكفي أن ننظر في نتائج الانتخابات الأخيرة، حتى يتبين لنا أن معركة الطهر ليست معيارا للتفوق الجماهيري. واستيعابنا لهذا، من شأنه أن يذكرنا أن معركة اليسار كانت وما زالت هي الجماهير، والتحامنا بها وحده الكفيل بخدمة الذات والمشروع، فقط وجب التوسل في هذا بمختلف الوسائل التقليدية والحديثة التي أضحت من شروط الواقع القائم، وإحدى الآليات الناجعة للممارسة السياسية الواقعية.
وإذ أقول هذا، فإن الحاجة إلى ممارسة سياسية، تعكسها طبيعة الآراء التي رافقت التفكير في عملية التحالف، وما أثاره من ضجة بين رفاقه. ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هاهنا، ونحن نعرف ما جرى من أحداث انتهت بعدم اتحاد كل الرفاق في مكون سياسي واحد، وهو أمر عادي جدا. لأن من يؤمن بالتدافع السياسي والوحدة الموضوعية، يعرف أن مسار الاتحاد أمر حتمي، ولابد أن يمر بعملية الصراع والنقد، وهذا لا يشمل فقط تحالف اليسار، بل وحدة اليسار ككل. وبما أن الأمر مرتهن للشرطية التاريخية، فإن العمل ضمن تحالفات أدنى يتوجب تثمينه، لأنه مسار من مسارات بناء التحالفات الموضوعية، كما أنه آلية من آليات المواجهة والمقاومة.
وعليه يكون التجذر داخل الحزب بعدم صواب التحالف، يسائل القائل به عن موقعه داخل منطق التدافع، هل الذات الحزبية من كلا القطبين المشكلين للتحالف قادرة لوحدها على قيادة اليسار في المغرب ميدانيا ومؤسساتيا؟ بل بل هل التحالف نفسه قادر على تشكيل جبهة يسارية قوية يمكن لها أن تكون قوة جماهيرية في مقابل القوى النقيضة؟ الجواب في كلتا الحالتين لا، فمن أين لهؤلاء بهذا التبجح والسفاقة. أعود هاهنا وأقول إن الأمر ليس إلا مرضا من أمراض اليسار العجوز، وافتقارا للممارسة السياسية كما أشرت إليها أعلاه.
وقد يكون الرافضون للتحالف يرون في الطرف المقابل، قطبا نقيضا متحللا من طهرهم وقيمهم اليسارية، وإن كنت لا أرجح ذلك، لأنه إذا صح لديهم الأمر، فذاك بؤس يساري آخر، وإلا فإنهم على حق، لكن تموقعهم خاطئ، وهو ما يفترض اصطفافهم إلى اليسار الذي يناسب مواقفهم، أو يؤسسون لتجربة يسارية تستوعبهم. وبما أننا أمام واقع يساري يصارع ضمن واقع يتجاوزه موضوعيا، فإن الأمر يتطلب يسارا واقعيا، قادرا على النضال والصراع على كل الجبهات ميدانيا ومؤسساتيا.
ميدانيا بملازمة الجماهير، بكل السبل التقليدية والحديثة، ماديا وافتراضيا. ومؤسساتيا بجعل القنوات الرسمية للتعبير سواء البرلمان أو الوسائط السمعية البصرية… أدوات نضالية لإيصال صوت الميدان والترافع عنه، فضلا عن جعل الخطاب اليساري أداة للفضح والمقاومة. وهو أمر لا يمكن أن يتم إلا بعد أن يكون الفاعل السياسي اليساري، قادرا على التمييز بين النضال الأيديولوجي والنضال السياسي، ومتمكنا من توظيف أحدهما أو هما معا، متى تطلب الأمر ذلك، دون أن يحدث اختلال في الموقع والموقف.
من يخاف على نفسه من شبهات السياسة عليه ألا يطرقها، وحينها يمكنه أن يخط بطولات وإنجازات داخل برجه الأيديولوجي، دون أن يلومه أحد. ولعل هذا ما يقض مضجع الفاعل اليساري الديموقراطي والجذري، كما يحلو للبعض أن يسمي نفسه، أنه أضحى في الغالب مناضلا أيديولوجيا سيئا، لافتقاده للمراكمة الفكرية وللتحليل الملموس، ما يجعل منه مناضلا أيديولوجيا متعصبا. مقابل المناضل السياسي الذي نحن في حاجة إليه الآن، لأنه وحده القادر على استيعاب الواقع والتعايش معه، دون الانجرار نحوه، حتى لا يقع في محذور الفراغ الأيديولوجي التام، كما جرى مع تمثيلات يسارية.
لهذا وجب الجمع بين السياسي والأيديولوجي، مع تغليب الأول على الثاني، في ظل واقع يتجاوز منطلقاتنا الأيديولوجية جماهيريًا ووطنيًا ودوليًا.
طبقا لما تقدم، فإن التركيز على بناء الذات السياسية، سواء بشكل حزبي أو كفاعلين سياسيين، يفرض أن نتحول إلى كائنات سياسية، حتى نتمكن من تجاوز نفسياتنا وحساباتنا الضيقة التي ما زالت تثقل كاهلنا، وتكشف كم هي الذات اليسارية مريضة باجترار نفس النقاشات والإسقاطات، كما تكشف كم نحن سلفيون في أفكارنا وقناعاتنا وانتماءاتنا، بل كم نحن مرتبطون بالأشخاص أكثر من المشروع ، ولعل هذا ما يفسر هوس النجومية، وعقلية الحشاشين داخل اليسار. علما أن اليسار كمشروع إنساني في صلبه، يجد منطلقه في أسس فكرية فلسفية، تفترض في المتشبع به أن يكون متسلحا بالنقد والجدل.
ما يعني أن اليساري هو ذات مستقلة مناضلة تجد مصبها في الإنسان، باعتباره المشروع الممكن والغاية المنشودة، وبذلك فهي لا ترتهن للحظة التاريخية أو للأشخاص. وهو ما لا يعكسه واقع الرفاق، القائم في كثير منه على حب الظهور، ونسج اصطفافات وتقاطبات ضيقة.
لهذا فإن الممارسة السياسية التي أدافع عنها، تفترض التحلي بالواقعية السياسية، أمام واقع يتجاوز اليسار موضوعيا. إذ يتوجب علينا النظر إلى ذواتنا باعتبارنا فاعلين سياسيين، هدفهم الدفاع عن وجودهم السياسي، أمام قوى سياسية مناوئة ومشاريع سياسية هدامة، عوض استهلاك الذات في مسارات ونقاشات عفا عنها الزمن، سواء بفتح نقاشات أيديولوجية لا فائدة منها أو التجاوب مع ذوات مناضلة شاذة، تفتقد مواقفها للرصانة الأيديولوجية والسياسية. وإن كان هذا لا يعني الدخول في تصفيات، بل العكس من ذلك لابد من تجميع الرفاق، وفتح قنوات للتواصل مع الجميع، إلا من أبى.
بناء على ما سبق، أرى أن استيعاب الممارسة السياسية الواقعية التي هي على قدر حجم الذات والواقع والإمكانات، سيمنحنا أدوات التعامل مع واقعنا المؤسساتي الجديد الذي أفرزته الانتخابات التشريعية الأخيرة. وقبل أن أخوض فيه، وجب أن نهنئ أنفسنا أولا على النتائج المشرفة التي حققناها، والتي تعكس مدى الدينامية التي بات يعرفها قطبي التحالف، وهو ما يتطلب استثماره وتحويله إلى قوة دافعة لنا في خدمة المشروع، وتحقيق ما نصبو إليه كيسار ديموقراطي.
إلا أن واقع ما بعد الانتخابات يتطلب أولا تقييم الحملة الانتخابية نفسها، لأنه وإن كنا نفخر أن حملتنا كانت نظيفة، إلا أن الطهر لا يصنع السياسة كما أشرت سابقا. وهذا ما كشفت عنه الحملة في كثير من المواقع، إذ أبانت أن أغلب الرفاق يحملون روح المناضل الميداني، مع تحفظ كبير جدا، لكنهم يفتقدون إلى شخصية المناضل السياسي. ونحن كما نعرف أنفسنا حزب سياسي، أي أن حاجتنا إلى الممارسة السياسية ليس خيارا أمامنا، بل هو أمر ضروري يشترطه خيارنا المؤسساتي، ومستجدات التحول الذي شهده واقع التحالف ونتائج الانتخابات، وهو ما لا يستوعبه كثير من الرفاق بسبب افتقارهم للوعي والتكوين السياسيين، وهذا تقصير من طرف قطبي التحالف، لعدم اضطلاعهما بالمهام المنوطة بهما.
ولعل هذا ما يفسر أعطاب الممارسة السياسية التي عالجتها أعلاه، كما يكشف في ذات الوقت أن واقعة المناضل المستقل التي يتبجح بها الفاعل اليساري، يفهمها للأسف بشكل خاطئ سواء بوعي أو بجهل، ما يؤثر سلبا على التنظيم، وينتج في النهاية وحدة غير متجانسة قابلة للتفجر في أي لحظة. علما أن الاستقلالية لا يمكنها أن تتحقق لأحدهم، إلا إذا كان يمتلك القدر الكافي من الأدوات العلمية والعملية الميدانية. وحين أقول الميدانية لا أقصد ما مر به المناضل من تجارب قوية، بل ما مر به من تجارب مفصلية، استطاع خلالها تقديم قراءة ملموسة لواقعه.
وهو ما قد تجده في مناضل خاض تجربة متواضعة في واقع مأزوم، وقد لا تجده في مناضل مر من تجربة اعتقال طويلة، لأن الاعتقال الذي كانت تفرضه شروط المرحلة، لا يجعل من عاشه بالضرورة منظرا، بل فقط معتقلا يمتلك وعي المعتقل. وبالمنطق نفسه، إذا كان الاعتقال في مرحلة سابقة، يعد منجزا نضاليا تفترضه شروط المرحلة، فهو غير ذلك الآن، إذ ليس هناك ما يفرضه، ما دامت الذات التنظيمية أصغر بكثير من أن تقدم معتقلين. وعليه، فإن أغلب من يقدمون أنفسهم للاعتقال الآن، لا حركهم سوى هاجس البحث عن النجومية.
أما أولئك الذين يعدون أنفسهم مناضلين مستقلين، فقط لأنهم يعرفون كيف يصرخون ويجوبون الشوارع، دون أن يكونوا مسلحين بما يلزم من الخبرة والمعرفة والتحليل، وما أكثرهم، فتلك مصيبة أخرى من مصائب اليسار ومثبطاته.
ختاما، إن امتلاك الممارسة السياسية كما بسطتها أعلاه، وربطها بما أسفرت عنه الانتخابات، سيكون كفيلا بصنع نخب سياسية قوية ميدانيا ومؤسساتيا. خاصة أن المناضل الذي كان سابقا يجد نفسه معزولا لوحده في البرلمان، أضحى اليوم بمعية مجموعة من الرفاق. ما يعني أن مهام اليوم أكبر من قبل، فقد بات لزاما عليه أن يشكل زادا للميدان، ينقل نضالاته وهمومه ويعرف به وبالمشروع السياسي. بالمقابل، يستثمر الميداني الرصيد المؤسساتي في ضخ دماء جديدة، وخوض معارك تقوي الذات الحزبية، وتوفر للنضال المؤسساتي قواعد يستند إليها.
ولعل هذا التظافر من شأنه أن يصلب الذات الحزبية، ويمنحها وفاعليها أهدافا ومهاما تناضل من أجلها كوحدة ميدانية، تمكنها من تجاوز انقساماتها وصراعاتها الضيقة، نحو وحدة موضوعية أقوى. كما من شأنه أن يخدم مشروع التحالف ويؤهله للمستقبل، وذلك بالعمل على قطع أشواط متقدمة في تحقيق المشروع السياسي المنشود، وأيضا بتمكين التحالف من حصد نتائج مشرفة، ولم لا ساحقة في الاستحقاقات الانتخابية المحلية القادمة، باعتبارها واجهة نضالية، بإمكانها التعريف باليسار وتقريبه من المواطن أكثر، فضلا عن أنها أداة مؤسساتية حقيقية لخدمة الجماهير والدفاع عن مصالحهم.