طالبت الجامعة الوطنية للتعليم بإحداث وكالة وطنية عمومية للنقل المدرسي، وتوفير خدمة مجانية وآمنة وإنسانية وجيدة لتلاميذ العالم القروي والمناطق الهامشية، وذلك على خلفية تصاعد احتجاجات الساكنة بعدد من الأقاليم بسبب الاختلالات العميقة التي يعرفها تدبير هذا المرفق الحيوي تزامنا مع مستجدات الدخول المدرسي الحالي.
وسجلت الهيئة النقابية ذاتها، من خلال مكتبها الوطني ومكاتب فروعها، تضامنها المطلق مع المتضررين من هذه الاختلالات التي تفرز معاناة يومية للتلميذات والتلاميذ وأسرهم، معتبرة أن ما يشهده هذا المرفق الاجتماعي يطرح إشكالات حقيقية ترتبط بأسس الحكامة والتدبير والمراقبة والمحاسبة، ومدى احترام الالتزامات المتعلقة بتقديم خدمات النقل المدرسي وضمان استمراريتها وجودتها وسلامتها.
وأكدت النقابة أن تدبير أسطول النقل المدرسي من خلال جمعيات تستفيد من الدعم العمومي يفرض إخضاع هذا النمط لمراقبة صارمة ومنتظمة، مع ضرورة التأكد من احترام دفاتر التحملات والالتزامات التعاقدية، وربط الدعم العمومي بجودة الخدمات المقدمة وشفافية التدبير والوفاء بالالتزامات، مع تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة عند ثبوت أي إخلال أو سوء تدبير لحماية المال العام وصونا لحقوق المستفيدين والعاملين بهذا القطاع.
وأبرز المصدر ذاته أن تداعيات الاختلالات المسجلة لا تقتصر على التلميذات والتلاميذ فحسب، بل تمتد لتطال أسرهم التي باتت تتحمل أعباء مادية إضافية، وتنعكس سلبا على السائقين الذين قد يجدون أنفسهم في أوضاع مهنية واجتماعية صعبة تؤثر بشكل مباشر على استقرارهم وكرامتهم وحقوقهم وحقوق أسرهم.
ورصد الإطار النقابي، انطلاقا من اعتبار النقل المدرسي خدمة عمومية اجتماعية أساسية ترتبط بالحق في التعليم وتكافؤ الفرص ومحاربة الهدر المدرسي، استمرار مجموعة من أوجه القصور، وفي مقدمتها ضعف المراقبة والتتبع لمدى احترام دفاتر التحملات، وعدم ضمان الربط الفعلي بين الاستفادة من الدعم العمومي واحترام معايير الشفافية والجودة والاستمرارية، وقصور التدابير الرامية إلى حماية حقوق التلميذات والتلاميذ وأسرهم وضمان سلامة المستفيدين.
وتابع التنظيم ذاته جرد الاختلالات، مشيرا إلى عدم ضمان الحقوق المهنية والاجتماعية للسائقين وصون كرامتهم واستقرارهم المهني، وضعف تفعيل آليات المساءلة والمحاسبة عند ثبوت الإخلال بالالتزامات أو سوء التدبير، فضلا عن استمرار التفاوتات المجالية والاجتماعية في الولوج إلى خدمات النقل المدرسي، بما يهدد مبدأ تكافؤ الفرص ويزيد من مخاطر الهدر المدرسي.
واعتبرت الجهة المصدرة للبيان أن الاكتفاء بالدعوة إلى تحسين تدبير النموذج الحالي، رغم أهمية إجراءات المراقبة والتتبع، لا يستجيب وحده للحاجة إلى بناء خدمة عمومية مستدامة ومنصفة تحمي حقوق جميع المتدخلين، داعية الحكومة ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والرياضة إلى تحمل مسؤوليتهما وإعادة النظر في النموذج المعتمد عبر إحداث وكالة عمومية وطنية مملوكة للدولة وخاضعة لقواعد الشفافية والمراقبة والمحاسبة.
وأوضحت الوثيقة أن هذه الوكالة يجب أن تضطلع بمهام أساسية تشمل تدبير أسطول وطني للنقل المدرسي وتوفير الحافلات وصيانتها وتجديدها وفق معايير السلامة، وضمان انتظام الخدمات مع إعطاء الأولوية للمناطق القروية والهامشية التي تعاني من ضعف العرض التربوي، إلى جانب توظيف السائقين بشروط مهنية واجتماعية واضحة، وإرساء آليات فعالة للمراقبة والتتبع والتقييم، ووضع معايير موحدة لجودة الخدمات وتلقي الشكايات.
وشددت الجامعة الوطنية للتعليم على ضرورة توفير النقل المدرسي المجاني لتلميذات وتلاميذ العالم القروي والمناطق الهامشية باعتباره مسؤولية تقع على عاتق الدولة، مؤكدة أن هذه المجانية ليست امتيازا أو إحسانا بل هي إجراء ضروري لتحقيق العدالة المجالية والاجتماعية والتخفيف من أعباء الأسر، وضمان ألا يتحول البعد الجغرافي أو الوضع الاقتصادي والاجتماعي إلى عائق يحول دون التمدرس.
وأشارت النقابة إلى أن إحداث وكالة عمومية ليس مجرد اقتراح تقني لتغيير أسلوب التدبير، بل يشكل اختيارا مؤسساتيا يهدف إلى تعزيز مسؤولية الدولة في توفير الخدمات الأساسية وحماية المال العام، وصون حقوق التلاميذ والأسر والسائقين، وإرساء مرفق عمومي قائم على الإنصاف والجودة.
وخلص التنظيم النقابي إلى تجديد مطالبته باتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الاختلالات القائمة، مع فتح نقاش عمومي ومؤسساتي حول إرساء نموذج عمومي وطني يضمن مجانية الخدمة ويضع حدا للتفاوتات، مشددا على أن النقل المدرسي مسؤولية عمومية وأن الحق في التعليم لا ينبغي أن تحده الجغرافيا أو الفقر.