النجاح في الانتخابات التشريعية لحظة اعتزاز بالنسبة لكل من اختار خوض غمار العمل السياسي، لكنها قبل ذلك وبعده لحظة استحضار لحجم المسؤولية المترتبة عنها. فالوصول إلى قبة البرلمان ليس نهاية مسار انتخابي، ولا مجرد تتويج لمرحلة من التنافس بين الأحزاب والمرشحين، بل هو بداية امتحان حقيقي تتحدد من خلاله قدرتنا على الوفاء بالتزاماتنا، وتحويل الثقة التي منحنا إياها المواطنون إلى عمل جاد ومسؤول.
ومع افتتاح هذه الولاية التشريعية، لا يمكن التعامل مع هذه اللحظة باعتبارها مجرد بداية لمرحلة سياسية جديدة، بل باعتبارها مناسبة للتساؤل بصراحة عما إذا كنا مستعدين فعلاً لتحمل مسؤولية هذا الانتداب. فالمواطنون لا ينتظرون منا خطابات إضافية بقدر ما ينتظرون أثراً ملموساً في حياتهم، ولا يهمهم فقط ما سنقوله داخل البرلمان، بل ما سنتمكن من تغييره على أرض الواقع.
وفي هذا السياق، جاء الخطاب الملكي بمناسبة افتتاح السنة التشريعية حاملاً رسائل واضحة بشأن طبيعة المرحلة التي يمر منها المغرب، والتحديات التي تواجهه، والمسؤوليات الملقاة على عاتق المؤسسات المنتخبة. فمن الأوراش الاقتصادية الكبرى إلى تحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، ومن قضايا الشباب إلى الأمن المائي والطاقي والغذائي، وضع الخطاب أمامنا أولويات تستدعي عملاً تشريعياً ورقابياً جاداً، وقدرة على مواكبة التحولات والاستجابة لانتظارات المواطنين.
ولعل العبارة التي تختزل جوهر هذه المسؤولية هي تأكيد جلالة الملك أن الانتداب البرلماني «التزام سياسي، وتعاقد أخلاقي، يربطكم بالمواطنين». وهي رسالة تعيدنا إلى السؤال الأساسي: ماذا سنفعل بهذه الثقة؟ وكيف سنحولها إلى التزام يومي يتجاوز الشعارات إلى الممارسة والإنجاز؟
ولعل ما يمنح هذه المرحلة دلالة استثنائية، ويجعلها لحظة فارقة في تاريخ المغرب، هو أن المملكة تشهد، لأول مرة في تاريخها، تولي امرأة رئاسة الحكومة. إنها لحظة تتجاوز حدود التغيير في هرم السلطة، لتلامس عمق التحولات التي عرفها المجتمع المغربي، وتعيد إلى الواجهة مساراً طويلاً من نضالات المرأة المغربية من أجل إثبات حضورها وكفاءتها وحقها في المشاركة الكاملة في تدبير الشأن العام. فأن تبلغ امرأة هذا الموقع المتقدم في قيادة البلاد، ليس مجرد سابقة في تاريخ المؤسسات، بل هو حدث يحمل رمزية قوية، ويفتح الباب أمام أسئلة جوهرية حول مستقبل المشاركة النسائية، ومدى قدرتنا على تحويل هذه اللحظة إلى منعطف حقيقي في مسار تكافؤ الفرص وتوسيع حضور النساء في مراكز القرار. فالتاريخ لا تصنعه فقط القرارات التي تُتخذ، بل أيضاً الأبواب التي تُفتح أمام الأجيال القادمة.
وتكتسي هذه المرحلة أهمية خاصة أيضاً في ظل طموح المغرب إلى ترسيخ مكانته كبلد صاعد، وتحقيق نمو اقتصادي مستدام وازدهار شامل. وفي هذا الإطار، يشكل تنظيم كأس العالم 2030، بشراكة مع إسبانيا والبرتغال، أكثر من مجرد موعد رياضي عالمي؛ إنه رهان استراتيجي وفرصة لتسريع التنمية، وتحديث البنيات التحتية، وتعزيز جاذبية الاقتصاد الوطني والسياحة، وتطوير الرياضة، وخلق فرص الشغل والاستثمار.
غير أن نجاح هذا الرهان لا ينبغي أن يقاس فقط بقدرتنا على تنظيم تظاهرة عالمية في مستوى تطلعات المغرب، بل أيضاً بما ستتركه من أثر مستدام على الاقتصاد والمجتمع، وبمدى استفادة مختلف جهات المملكة من المشاريع المصاحبة لها. فطموحنا لا يقتصر على إنجاح موعد رياضي استثنائي، بل يمتد إلى بناء مغرب أكثر تنافسية وازدهاراً، قادر على تحويل إنجازاته الاقتصادية والرياضية إلى فرص حقيقية لتحسين حياة المواطنين.
وفي قلب هذا الطموح، يظل الرأسمال البشري الثروة الحقيقية التي يتوقف عليها نجاح مختلف الأوراش الوطنية. فالمغرب لا يراهن فقط على المشاريع والبنيات التحتية، بل يراهن أساساً على كفاءات أبنائه وبناته، وعلى قدرة شبابه على الابتكار والإبداع والمنافسة والمساهمة في صناعة المستقبل. وإذا كانت الإنجازات الرياضية قد أبرزت ما تزخر به بلادنا من مواهب وطاقات قادرة على بلوغ أعلى المستويات، فإن التحدي اليوم هو توسيع هذه الدينامية لتشمل مختلف المجالات الاقتصادية والعلمية والتكنولوجية.
ولا يتحقق ذلك بمجرد الحديث عن الشباب أو الدعوة إلى تجديد النخب، بل بالاستثمار في تعليم ذي جودة، وتكوين يستجيب لتحولات سوق الشغل، وتوفير فرص حقيقية للتشغيل والمبادرة، وفتح المجال أمام الكفاءات الشابة للمشاركة في اتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. فالشباب ليسوا مجرد فئة تنتظر الحلول، بل قوة فاعلة وشريك أساسي في بناء مغرب الغد. ومن مسؤوليتنا، كمنتخبين، أن نساهم في تهيئة الشروط التي تمكنهم من إطلاق طاقاتهم وتحويل طموحاتهم إلى إنجازات.
ومن هنا، فإن مسؤوليتنا البرلمانية لا تنفصل عن هذه الرهانات الكبرى؛ إذ يتعين علينا مواكبتها بتشريعات محفزة للاستثمار وخلق فرص الشغل، ورقابة فعالة تضمن حسن تنفيذ المشاريع، ومبادرات تضع تنمية الرأسمال البشري وتمكين الشباب في صلب الأولويات. فالمغرب الذي يطمح إلى التميز اقتصادياً ورياضياً، مدعو أيضاً إلى جعل ثمرة هذا التقدم ملموسة في حياة المواطنين، من خلال تحسين الخدمات العمومية، وتعزيز تكافؤ الفرص، والحد من الفوارق الاجتماعية والمجالية.
إن الأسئلة التي تطرحها هذه المرحلة لا تتعلق فقط بتشكيلة الحكومة أو بموقع الأغلبية والمعارضة، بل بمدى قدرتنا جميعاً على الارتقاء بالممارسة السياسية إلى مستوى انتظارات المغاربة. فهل سنجعل مصلحة المواطنين أولوية فعلية في عملنا؟ وهل سنتمكن من تجاوز الحسابات الحزبية الضيقة حين يتعلق الأمر بقضايا الوطن؟ أم أن منطق الاصطفاف سيظل أقوى من قدرتنا على النقاش والبحث عن حلول مشتركة؟
صحيح أن لكل مكون سياسي موقعه وأدواره، وأن الاختلاف جزء أساسي من الديمقراطية، لكن الاختلاف لا ينبغي أن يتحول إلى غاية في حد ذاته، ولا أن يصبح مبرراً لتعطيل المبادرات أو التغاضي عن القضايا التي تمس الحياة اليومية للمواطنين. فالمسؤولية البرلمانية لا تقاس فقط بالحضور في الجلسات أو بالتصويت على القوانين، وإنما كذلك بجودة التشريع، وفعالية الرقابة، والقدرة على اقتراح البدائل ومتابعة تنفيذ السياسات العمومية.
وحين نتحدث عن النمو الاقتصادي، علينا ألا نغفل أن نجاح الأوراش الكبرى يظل مرتبطاً بمدى انعكاسها على حياة المواطنين. فما معنى النمو إذا لم تتسع ثماره لتشمل مختلف الفئات والجهات؟ وكيف يمكن الحديث عن مغرب صاعد في الوقت الذي ما تزال فيه قضايا الشغل والتعليم والصحة وتكافؤ الفرص تشغل بال فئات واسعة من المجتمع؟ إن التنمية الحقيقية ليست مجرد أرقام ومؤشرات، بل قدرة على تحويل الثروة إلى فرص، والاستثمار إلى قيمة مضافة، والتقدم إلى عدالة اجتماعية ومجالية.
كما أن تحقيق هذه التنمية يقتضي الانتقال من التشخيص إلى الفعل، ومن الإعلان عن المشاريع إلى تتبع تنفيذها. فلا يمكن الحديث عن تنمية مندمجة بينما ما تزال بعض المناطق تعاني من ضعف الخدمات ومحدودية فرص الشغل والاستثمار. وهنا تبرز أهمية الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري، باعتبارهما وسيلتين لتقريب القرار من المواطن، وتمكين الجهات من الاضطلاع بدورها في الاستجابة لحاجيات السكان.
ومن موقعنا كمنتخبين، لا ينبغي أن يظل القرب من المواطنين مرتبطاً بفترة الانتخابات، بل يجب أن يتحول إلى ممارسة مستمرة. فالمواطن من حقه أن يجد من ينصت إليه، ويتابع انشغالاته، وينقل مشاكله إلى المؤسسات المعنية. وليس مطلوباً منا أن نعد بحلول لكل شيء، وإنما أن نكون واضحين في التزاماتنا، جادين في متابعتها، ومستعدين للمساءلة بشأن ما تحقق وما تعذر تحقيقه.
وهنا تبرز أيضاً مسؤولية الأحزاب السياسية، التي لا ينبغي أن ينحصر دورها في تقديم المرشحين خلال الانتخابات، بل يتعين أن تواكب أداء منتخبيها، وتقيّم عملهم، وتحرص على احترام الالتزامات المقدمة للمواطنين. فالمصداقية لا تبنى بالشعارات، وإنما بالممارسة، وبالقدرة على الاعتراف بالاختلالات وتصحيحها، وربط المسؤولية بالمحاسبة.
لقد منحتنا هذه الولاية فرصة جديدة لإثبات أن العمل السياسي قادر على استعادة ثقة المواطنين، لكن هذه الثقة لن تستعاد بمجرد الحديث عن تخليق الحياة السياسية أو تجديد المؤسسات. إنها تحتاج إلى مواقف واضحة، وعمل منتظم، واستعداد لتحمل المسؤولية، حتى عندما يكون ذلك مكلفاً سياسياً. كما تحتاج إلى أن نضع المصلحة العامة فوق الحسابات الضيقة، وأن نتذكر دائماً أن اختلاف المواقع لا يلغي وحدة المسؤولية تجاه الوطن والمواطنين.
في نهاية المطاف، لن يكون الحكم على هذه الولاية بما نقوله في بدايتها، ولا بما نعلنه من نوايا والتزامات، بل بما سننجزه فعلياً، وبما سيشعر به المواطن في حياته اليومية. فالثقة التي منحنا إياها ليست امتيازاً شخصياً، ولا تفويضاً مفتوحاً، بل أمانة تفرض علينا أن نكون في مستوى المسؤولية التي تحملناها.
فالبرلمان ليس مجرد مقاعد وصفات ومواقع سياسية، بل مسؤولية يومية تجاه المواطن، وتجاه مستقبل وطن يطمح إلى تعزيز مكانته بين الدول الصاعدة، وإنجاح رهاناته الاقتصادية والرياضية، والاستثمار في طاقات شبابه وكفاءاته. وفي نهاية هذه الولاية، لن يسألنا المغاربة كم تكلمنا، ولا كم وعدنا، بل ماذا غيّرنا فعلاً في حياتهم، وما الذي أضفناه إلى مسار تنمية بلادنا، وهل كنا في مستوى الثقة التي وضعوها فينا، أم أننا كنا بدورنا جزءاً من خيبة أمل جديدة؟