أثار الناقد السينمائي مصطفى الطالب محدودية تأثير المهرجانات والتظاهرات السينمائية بالمغرب في ترسيخ الثقافة السينمائية لدى الجمهور، متسائلا عن جدوى تعدد هذه المبادرات ورصد ميزانيات مهمة لها، في ظل استمرار العزوف عن القاعات السينمائية وضعف الإقبال على الفيلم المغربي.
وقال الطالب، في تصريح لـ”العمق”، إن المغرب ينظم ما يقارب 80 تظاهرة ومهرجانا سينمائيا سنويا، غير أن أثرها يظل محدودا، معتبرا أن هذا الوضع يستدعي مساءلة مدى قدرتها على توسيع قاعدة الجمهور، خاصة في ظل محدودية الحضور الجماهيري لبعض هذه التظاهرات، رغم أن السينما فن جماهيري بامتياز.
وتكتسب هذه التساؤلات أهمية في ضوء حجم الدعم العمومي المخصص لتنظيم المهرجانات السينمائية. ففي سنة 2026، خصصت لجنة دعم تنظيم المهرجانات السينمائية 5 ملايين و490 ألف درهم لفائدة 28 مهرجانا وتظاهرة سينمائية خلال الدورة الأولى، قبل أن تمنح، خلال دورة يوليوز، 26 مليونا و460 ألف درهم لفائدة 40 مهرجانا وتظاهرة من أصل 55 ملفا مرشحا.
وبلغ مجموع الدعم المعلن عنه خلال هاتين الدورتين 31 مليونا و950 ألف درهم، أي ما يعادل أكثر من 3.1 مليارات سنتيم، فيما تصدر المهرجان الدولي للفيلم بمراكش قائمة المستفيدين في دورة يوليوز بحصوله على 12 مليون درهم، يليه المهرجان الوطني للفيلم بطنجة بـ7 ملايين و500 ألف درهم.
وأمام هذه الأرقام، طرح الطالب أسئلة بشأن الجهات التي ينبغي أن تتحمل مسؤولية تقييم نتائج هذه التظاهرات، بين منظمي المهرجانات والوزارة الوصية على القطاع والمركز السينمائي المغربي ولجنة الدعم، متسائلا عن المستفيد من استمرار الوضع الحالي، وما إذا كانت المهرجانات قد أصبحت موجهة أساسا إلى المهنيين والمهتمين بالسينما وطلبة التخصص، بدل استقطاب جمهور أوسع.
وأوضح الناقد أن مساءلة نجاعة المهرجانات لا تعني التقليل من أهميتها الثقافية والفنية، وإنما تستهدف الوقوف على مدى تأثيرها في المجتمع، في ظل ما يطبع بعض التظاهرات من تكرار ونمطية واستضافة الوجوه نفسها، وأحيانا تنظيم أنشطة في غياب قاعة سينمائية.
واعتبر أن الرهان يتجاوز تنظيم المهرجانات وعرض الأفلام إلى ترسيخ ثقافة سينمائية واعية ومسؤولة، تجعل الفرد يدرك أهمية السينما في حياته، وتعيد الاعتبار إلى تقليد ارتياد القاعات السينمائية بانتظام، كما كان عليه الأمر في السابق، على غرار الذهاب إلى المسرح أو زيارة المعارض التشكيلية والفوتوغرافية.
وربط الطالب بناء هذه العلاقة بين الجمهور والسينما بدور الأسرة والمدرسة في تنمية الذوق الفني، مشيرا إلى أن ترسيخ الاهتمام بالفنون لا يمكن أن يتحقق من خلال التظاهرات الموسمية وحدها، بل يتطلب تنشئة ثقافية تجعل السينما جزءا من الممارسات اليومية للأفراد.
وفي تشخيصه للتحولات التي تؤثر في علاقة المجتمع بالسينما، أشار المتحدث إلى أن الثورة الرقمية غيرت أنماط العيش والتفاعل مع الإبداع، خصوصا في ظل التدفق اليومي للمحتويات عبر وسائل التواصل الاجتماعي والإعلام الرقمي، وهو ما يحد -بحسبه- من قدرة الأفراد على أخذ مسافة للتفكير والتمييز والنقد، في وقت تغيرت فيه الأولويات والقضايا التي تستقطب اهتمامهم.
كما لفت مصطى الطالب إلى تراجع مكانة الشأن الثقافي ضمن الاهتمامات اليومية، في مقابل انشغالات أخرى، من بينها الشأن السياسي، مشددا على أن تقدم الشعوب يرتبط بتقدم فنونها وثقافتها والتزامها بالقيم المشتركة التي تضمن تماسكها واستمرارية وجودها.