بين تعدد الانتماءات الحزبية وتراكم المسؤوليات الانتدابية والجدل الذي أثارته بعض تصريحاته داخل المؤسسة التشريعية، تشكل المسار السياسي لأحمد التويزي، ابن إقليم الحوز والقيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تم اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 انتخابه رئيسا لمجلس النواب.
مسارٌ بدأ من الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مرورا بالاتحاد الدستوري والحركة الشعبية، قبل الاستقرار في حزب “الجرار”، ورافقته تجربة برلمانية تعود إلى سنة 1993، ومسؤوليات محلية وجهوية جعلت منه أحد الوجوه التي حافظت على حضورها في المشهد السياسي المغربي رغم تغير الأحزاب والتحالفات.
ليس أحمد التويزي من السياسيين الذين صنعتهم موجة انتخابية طارئة، ولا من الأسماء التي قفزت إلى الواجهة مع صعود حزب الأصالة والمعاصرة. فعندما تأسس الحزب سنة 2008، كان الرجل قد أمضى سنوات طويلة في تدبير الشأن المحلي وخوض الانتخابات ومراكمة التجربة داخل المؤسسات المنتخبة.
ولعل المفارقة الأبرز في مساره أن الأحزاب التي حمل ألوانها تبدلت مرارا، فيما ظل ارتباطه بالمجال الانتخابي بإقليم الحوز، وخاصة آيت أورير، أحد أبرز عناصر استمراريته السياسية. فمن الاتحاد الوطني للقوات الشعبية إلى الاتحاد الدستوري، ثم الحركة الشعبية، وصولا إلى الأصالة والمعاصرة، استطاع التويزي أن يواصل حضوره الانتخابي والمؤسساتي عبر مراحل سياسية مختلفة، شهدت تحولات عميقة في موازين القوى الحزبية.
واليوم، يجد الرجل نفسه أمام محطة مختلفة عن جميع المسؤوليات التي تقلدها سابقا، بعدما أصبح رئيسا جديدا للغرفة الأولى، في سياق سياسي أفرزته انتخابات 23 شتنبر 2026، التي تصدرها حزب الأصالة والمعاصرة بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري.
غير أن قراءة هذا المسار لا تكتمل باستعراض المناصب وحدها؛ إذ تطرح انتقالاته الحزبية المتكررة أسئلة عن علاقته بالانتماء الإيديولوجي، مثلما تثير تجربته الطويلة في تدبير المجالس المنتخبة تساؤلات بشأن حصيلته، فيما تكشف تصريحاته البرلمانية عن أسلوب سياسي يجمع بين الدفاع عن المواقف الحزبية والدخول في سجالات عمومية مثيرة للجدل.
مدرس دخل السياسة من بوابة اليسار
بعيدا عن ردهات البرلمان ومكاتب المسؤولين، بدأ أحمد التويزي مساره المهني في قطاع التعليم. ففي حوار مطول صحفي سنة 2014، قدم نفسه بعبارة مقتضبة: “أحمد تويزي، رجل تعليم أولا”. لكن مهنة التدريس لم تكن وحدها ما شغل اهتمام الشاب القادم من الحوز؛ إذ استهوته السياسة مبكرا، في مرحلة كانت فيها التنظيمات الحزبية المغربية تعيش انقسامات وصراعات تتصل بطبيعة المشاركة السياسية وحدود العلاقة بين المعارضة ومؤسسات الدولة.
ويعود أول ارتباط حزبي يرويه التويزي عن نفسه إلى سنة 1974، حين انخرط في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية بمدينة مراكش، خلال المرحلة التي عرفت إعادة تشكيل الحركة الاتحادية وانبثاق الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية بقيادة عبد الرحيم بوعبيد، مقابل استمرار تيار عبد الله إبراهيم داخل الاتحاد الوطني.
كانت تلك الفترة مختلفة تماما عن الزمن السياسي الذي سيصبح فيه التويزي واحدا من قياديي الأصالة والمعاصرة. فقد كانت الأسئلة الكبرى تدور حول الاختيار الديمقراطي، والمشاركة في الانتخابات، وموقع اليسار داخل المؤسسات، ومآلات المواجهة السياسية التي طبعت سنوات ما بعد الاستقلال.
داخل هذه البيئة تشكلت أولى قناعاته السياسية، قبل أن تبدأ رحلة انتقال طويلة بين التنظيمات الحزبية، ستصبح لاحقا واحدة من أكثر السمات إثارة للانتباه في سيرته.
من الاتحاد الوطني إلى الاتحاد الدستوري.. أولى محطات الترحال
لم يستمر ارتباط التويزي بالاتحاد الوطني للقوات الشعبية. فقد اختار الانتقال إلى الاتحاد الدستوري، الحزب الذي تأسس سنة 1983 بقيادة المعطي بوعبيد، في انتقال يمكن أن يبدو، من زاوية التصنيفات الإيديولوجية التقليدية، ابتعادا عن تجربة سياسية ذات جذور يسارية باتجاه حزب ارتبط بالمشهد السياسي والمؤسساتي لسنوات الثمانينات.
لكن التويزي رفض، في حواره المنشور سنة 2014، اختزال هذا الانتقال في التحول من اليسار إلى اليمين، حيث دافع عن الاتحاد الدستوري باعتباره حزبا ضم شخصيات سبق أن انتمت إلى الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، مستحضرا أسماء المعطي بوعبيد وعبد اللطيف السملالي ومحمد الأبيض وعبد العزيز المسيوي وعمر بلقزيز، معتبرا أن عددا من مؤسسيه كانوا متشبعين بالأفكار التقدمية والحداثية.
أما السبب المباشر لمغادرته الاتحاد الوطني، فقد ربطه برغبة مجموعة من الشباب في المشاركة في الانتخابات، مقابل تحفظ عبد الله إبراهيم على هذا الخيار. وبحسب روايته، فإن حماسه السياسي وطموحه إلى خوض الاستحقاقات الانتخابية دفعاه، رفقة آخرين، إلى البحث عن إطار حزبي يتيح لهما ذلك.
هذه الرواية تكشف جانبا مهما من الطريقة التي يقدم بها التويزي انتقالاته الحزبية؛ فهو لا يتحدث عن قطيعة مع المبادئ بقدر ما يربط خياراته بإمكانية المشاركة السياسية وممارسة المسؤولية داخل المؤسسات. غير أن هذا التفسير لا ينهي النقاش حول طبيعة علاقته بالأحزاب، بل ينقله إلى سؤال آخر: إلى أي حد ظل الانتماء السياسي لدى التويزي مرتبطا بالمشروع الفكري للتنظيم، وإلى أي حد ارتبط بإمكانية الاستمرار في العمل الانتخابي؟
لاحقا، سيغادر الاتحاد الدستوري نحو الحركة الشعبية، وهذه المرة لم يقدم تفسيرا إيديولوجيا لقراره، بل أرجعه إلى خلافات شخصية مع بعض الأشخاص داخل الحزب. بل إنه ظل يصف الاتحاد الدستوري باعتباره مدرسة سياسية مرجعية بالنسبة إليه، رغم مغادرته صفوفه. وبذلك، كان التويزي قد اختبر ثلاثة انتماءات حزبية مختلفة قبل أن يظهر في المشهد السياسي المغربي فاعل جديد سيغير خريطته التنظيمية والانتخابية.
الأصالة والمعاصرة.. محطة الاستقرار بعد سنوات التنقل
شكل ظهور حزب الأصالة والمعاصرة سنة 2008 محطة مفصلية في مسار التويزي. فالحزب الذي خرج من رحم “حركة لكل الديمقراطيين”، المرتبطة بفؤاد عالي الهمة، استقطب منذ نشأته شخصيات من مشارب سياسية مختلفة، ومنتخبين راكموا نفوذا محليا وتجربة داخل المؤسسات، إلى جانب أطر وشخصيات قادمة من تجارب يسارية وليبرالية.
وفي هذا السياق، انتقل التويزي من الحركة الشعبية إلى الأصالة والمعاصرة، ليجد نفسه داخل تنظيم سياسي صاعد جمع بين خطاب التحديث السياسي والرهان على الأعيان والمنتخبين المحليين ومراكز القوة الانتخابية. وقد دافع عن التحاقه بالحزب الجديد انطلاقا من قراءة خاصة لأزمة العمل الحزبي، معتبرا أن نسبة المشاركة في انتخابات 2007 كانت مؤشرا على اتساع الهوة بين المواطنين والمؤسسات السياسية.
ورأى أن الأصالة والمعاصرة جاء لإعادة النخب إلى العمل الحزبي، وتحفيز الشباب، واستعادة ثقة المواطنين في السياسة. واستخدم، في دفاعه عن المشروع الحزبي الجديد، تعبيرا لافتا حين اعتبر أن الحزب جاء من أجل “تحريك البركة الآسنة” التي كان يعيشها العمل الحزبي بالمغرب.
ولم يكن التحاق التويزي بالأصالة والمعاصرة مجرد انخراط تنظيمي جديد، بل شكل بداية مرحلة طويلة من الاستقرار الحزبي قياسا بتنقلاته السابقة. فداخل “الجرار”، تولى مسؤوليات حزبية وبرلمانية متعددة، وأصبح عضوا بالمكتب السياسي، ثم رئيسا للفريق النيابي، وتحول إلى أحد الوجوه التي تتحدث باسم الحزب في القضايا التشريعية والسياسية الكبرى.
ومع ذلك، فإن تاريخ الحزب نفسه عرف تحولات واسعة في القيادة، من حسن بنعدي إلى محمد الشيخ بيد الله، ثم مصطفى الباكوري وإلياس العماري وحكيم بنشماش وعبد اللطيف وهبي، وصولا إلى تجربة القيادة الجماعية التي برزت فيها فاطمة الزهراء المنصوري. وخلال هذه التحولات حافظ التويزي على موقع داخل التنظيم ومؤسساته، وهو ما يعكس استمرارية مساره داخل الحزب رغم تبدل القيادات وتغير مواقع الأصالة والمعاصرة بين المعارضة والمشاركة الحكومية.
آيت أورير.. القاعدة الانتخابية التي لم يغادرها
إذا كانت الأحزاب قد تغيرت في حياة التويزي، فإن آيت أورير ظلت أحد أبرز الثوابت الجغرافية والانتخابية في تجربته. ففي بداية التسعينات، دخل عالم المسؤولية المحلية من بوابة هذه الجماعة التابعة لإقليم الحوز، ليتولى رئاستها في أكثر من مرحلة.
وتفيد المعطيات المرتبطة بمساره الجماعي بأنه تولى رئاسة البلدية خلال الفترة الممتدة من 1992 إلى 1997، ثم عاد إلى رئاستها خلال مرحلة لاحقة من 2002 إلى 2012، قبل أن يستعيد رئاسة المجلس الجماعي بعد انتخابات 2021. وفي استحقاقات شتنبر من تلك السنة، حصل حزب الأصالة والمعاصرة على 28 مقعدا داخل مجلس آيت أورير، ما مكن التويزي من العودة إلى رئاسة المجلس بأغلبية مريحة.
ويمثل هذا الارتباط الطويل بالمدينة جانبا أساسيا من تجربته، باعتباره سياسيا يجمع بين الحضور داخل المؤسسات الوطنية والاشتغال على الملفات المحلية. فالطابع الجبلي لإقليم الحوز، وما يرافقه من إكراهات في البنيات التحتية والنقل والخدمات الصحية والتعليمية والماء، جعل التنمية المجالية موضوعا حاضرا في عدد من تدخلاته.
ومن بين القضايا التي أثارها تأخر افتتاح مستشفى القرب بآيت أورير، إلى جانب مطالب تحسين الطرق وتقليص الفوارق بين المناطق الحضرية والقروية. وخلال سنة 2026، واصل التويزي، بصفته رئيسا للمجلس الجماعي، الإشراف على اجتماعات وأوراش مرتبطة بالتأهيل الحضري، ومنها مشاريع تهيئة الأحياء والبنيات الأساسية بمدينة آيت أورير.
لكن طول التجربة المحلية يطرح بدوره سؤال الحصيلة؛ ماذا تغير في المدينة خلال مختلف الولايات التي قاد فيها مجلسها؟ وما حجم المشاريع التي أنجزت فعليا مقارنة بالاحتياجات المتراكمة للساكنة؟ إن استمرار المسؤول في موقع انتخابي لعقود يعكس قدرة على المحافظة على الحضور المحلي، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، معيارا كافيا للحكم على نتائج التدبير، التي تظل مرتبطة بمؤشرات التنمية والخدمات وجودة المرافق العمومية.
من رئاسة الجهة إلى دهاليز البرلمان
لم يتوقف طموح التويزي عند حدود العمل الجماعي. فقد انتقل إلى تحمل مسؤوليات على مستوى جهة مراكش تانسيفت الحوز، وكان عضوا بمجلسها منذ سنوات، وشغل داخله مهام متعددة قبل انتخابه رئيسا لمجلس الجهة سنة 2011. واستمر في قيادة هذه المؤسسة خلال المرحلة التي سبقت اعتماد التقسيم الترابي الجديد لسنة 2015، والذي أفرز جهة مراكش آسفي بصيغتها الحالية.
ومثلت رئاسة الجهة محطة أخرى في مساره، أتاحت له الاشتغال على قضايا التنمية الترابية والشراكات ومشاريع التجهيز، في مرحلة كان النقاش الوطني حول الجهوية الموسعة يتقدم تدريجيا نحو تنزيل مقتضيات دستور 2011. وفي حواره الصحفي سنة 2014، تحدث التويزي عن محدودية الإمكانات المالية التي كانت متاحة للمجالس الجهوية، كما دافع عن اختيارات مجلسه في دعم الجمعيات والمؤسسات الرياضية والثقافية، ردا على انتقادات بشأن توزيع الدعم العمومي.
وبالتوازي مع هذه المسؤوليات، كان قد بدأ مساره البرلماني منذ سنة 1993، ليراكم تجربة في العمل التشريعي داخل المؤسستين البرلمانيتين. فقد شغل عضوية مجلس المستشارين، وتولى مهمة أمين مجلسه، وشارك في أنشطة الدبلوماسية البرلمانية، من بينها لقاءات ومهام مرتبطة بتعزيز التعاون البرلماني الإفريقي والدولي. كما ترأس الشعبة البرلمانية المغربية المشاركة في الجمعية العامة الـ148 للاتحاد البرلماني الدولي بجنيف سنة 2024.
أما داخل مجلس النواب، فقد تولى رئاسة فريق الأصالة والمعاصرة خلال الولاية التشريعية 2021-2026، وهي مهمة وضعته في موقع إدارة العلاقة بين نواب حزبه والفرق الأخرى والحكومة ورئاسة المجلس. ولم تكن هذه المسؤولية تنظيمية فحسب؛ إذ جعلته أحد المتحدثين الأساسيين باسم الحزب في المناقشات المتعلقة بقوانين المالية والسياسات الحكومية والإصلاحات التشريعية.
“طحن الورق”.. عبارة خرجت من البرلمان وأثارت جدلا وطنيا
غير أن المسار البرلماني الطويل للتويزي لم يخلُ من المواقف المثيرة للجدل. ففي أكتوبر 2025، تصدرت تصريحاته بشأن الدقيق المدعم النقاش العمومي، بعدما تحدث، خلال مناقشة مشروع قانون المالية لسنة 2026 بلجنة المالية والتنمية الاقتصادية بمجلس النواب، عن ممارسات مرتبطة ببعض المطاحن واستفادتها من الدعم العمومي، مستخدما عبارة “طحن الورق”.
وانتشر التصريح على نطاق واسع، وجرى فهمه من طرف عدد من المتابعين على أنه اتهام بخلط الورق بالدقيق الموجه إلى الاستهلاك، ما أثار تفاعلات وانتقادات، خصوصا بالنظر إلى حساسية الملف المرتبط بالأمن الغذائي والدعم المخصص للفئات الهشة. لكن التويزي عاد سريعا لتوضيح قصده، مؤكدا أن العبارة كانت مجازية، وأنه لم يكن يتحدث عن طحن الورق ماديا وخلطه بالدقيق، وإنما عن التلاعب في الوثائق والفواتير بغرض الحصول على الدعم العمومي.
واعتبر أن توجيه النقاش نحو التفسير الحرفي لعبارته يصرف الانتباه عن القضية التي أراد إثارتها، والمتعلقة بطرق صرف الدعم ومراقبة المستفيدين منه. ولم يتوقف الجدل عند حدود التوضيح السياسي، إذ أعلنت النيابة العامة، في 30 أكتوبر 2025، فتح بحث قضائي بشأن التصريحات المتداولة، فيما رحب التويزي بالبحث وأعلن استعداده للتعاون معه.
وتحولت الواقعة إلى إحدى المحطات الأكثر حضورا في صورته الإعلامية، وأعادت طرح سؤال الدقة المطلوبة في تصريحات المسؤولين البرلمانيين، خصوصا حين تتعلق باتهامات تمس قطاعات اقتصادية ومصالح عمومية حساسة. فالتصريح الذي ينطلق من قبة البرلمان قد يكتسب أبعادا تتجاوز السياق الذي ورد فيه، ولا سيما عندما يستخدم صاحبه لغة مجازية قابلة لتأويلات متباينة.
وبالنسبة إلى التويزي، كشفت هذه الواقعة عن إحدى مفارقات تجربته: سياسي راكم عقودا من العمل المؤسساتي، لكنه وجد نفسه مضطرا إلى تفسير عبارة واحدة تحولت إلى قضية رأي عام.
ملف قضائي انتهى بحكم بالبراءة
لم تكن قضية “طحن الورق” المحطة الوحيدة التي ارتبط فيها اسم التويزي بالجدل القضائي. فقد سبق أن واجه متابعة قضائية أمام غرفة الجنايات الابتدائية المكلفة بجرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش، على خلفية ملف متعلق بتدبير بعض الصفقات العمومية بجماعة آيت أورير خلال فترة سابقة من رئاسته لها.
وجاء تحريك الملف إثر شكاية تقدمت بها الجمعية المغربية لحماية المال العام، استنادا إلى ما اعتبرته اختلالات في تدبير مشاريع وصفقات الجماعة، قبل أن يخضع عدد من جوانبه للبحث والخبرة التقنية. وخلال مراحل النظر في القضية، رفض التويزي الاتهامات الموجهة إليه، واعتبر الشكاية كيدية ومرتبطة بصراعات سياسية، مؤكدا تمسكه ببراءته.
وفي ماي 2024، قضت غرفة الجنايات الابتدائية المختصة في جرائم الأموال بمحكمة الاستئناف بمراكش ببراءة التويزي من جناية تبديد أموال عمومية، وعدم مؤاخذته من أجل الأفعال المنسوبة إليه، كما قضت ببراءة موظف جماعي ومقاول كانا متابعين في الملف ذاته.
ويشكل الحكم بالبراءة جزءا أساسيا من الوقائع المرتبطة بهذه القضية، بالنظر إلى أهمية التمييز بين الاتهامات التي كانت موضوع متابعة قضائية والنتيجة التي انتهت إليها المحكمة في المرحلة الابتدائية، حيث اعتبر التويزي، عقب صدور الحكم، أن القضية خلفت أضرارا مست سمعته وأسرته، وظل متمسكا بأن الاتهامات التي واجهها لم تكن مؤسسة.
رجل المؤسسات أم سياسي المواجهة؟
بعيدا عن الجدل، تكشف مواقف التويزي السياسية عن اهتمام خاص بتدبير التوازنات داخل المؤسسات. فعندما كان الأصالة والمعاصرة في المعارضة خلال مرحلة حكومة عبد الإله بنكيران، انتقد التويزي ما اعتبره ازدواجية في الخطاب الحكومي، ودافع عن ضرورة ممارسة الرقابة والمحاسبة في إطار الصلاحيات التي يمنحها الدستور للحكومة والبرلمان.
وفي المقابل، عندما شارك حزبه في حكومة عزيز أخنوش، أصبح التويزي من المدافعين عن التضامن الحكومي، مؤكدا في تصريحات سنة 2023 أن علاقة الأصالة والمعاصرة بمكونات الأغلبية تقوم على الانسجام والعمل المشترك لتنفيذ البرنامج الحكومي. وبصفته رئيسا للفريق النيابي، شارك كذلك في الدفاع عن تصورات حزبه بشأن إصلاح القوانين الانتخابية.
وفي شتنبر 2025، عرض مقترحات الأصالة والمعاصرة المتعلقة برفع عدد مقاعد مجلس النواب إلى 450 مقعدا، واعتماد لائحة وطنية للكفاءات من الجنسين، وتشجيع حضور النساء في الانتخابات، إلى جانب الرفع من الدعم العمومي للأحزاب. كما دافع عن استمرار إشراف وزارة الداخلية على تنظيم الانتخابات، معتبرا أن الإطار القانوني القائم والخبرة الإدارية المتراكمة يوفران أساسا لهذه المهمة.
وتبرز هذه المواقف وجها آخر للتويزي، يتجاوز صورته التي ارتبطت بالسجالات داخل اللجان البرلمانية، ليظهر كفاعل حزبي ينخرط في نقاش قواعد التمثيل السياسي وتنظيم المؤسسات. ومع ذلك، فإن الانتقال من موقع رئيس فريق برلماني إلى رئاسة مجلس النواب يقتضي تحولا في طبيعة المسؤولية.
فرئيس الفريق يعبر عن مواقف تنظيمه ويدافع عن اختياراته، بينما يفترض في رئيس المؤسسة التشريعية أن يدير التعدد السياسي داخل المجلس، ويحمي حقوق المعارضة والأغلبية معا، ويسهر على احترام النظام الداخلي وقواعد النقاش والتصويت. وهنا تحديدا تبرز أهمية التجربة التي راكمها التويزي، لا باعتبارها ضمانة تلقائية لنجاحه في المهمة الجديدة، وإنما باعتبارها رصيدا سيخضع لاختبار مختلف عن تدبير فريق حزبي أو جماعة ترابية.
اختيار التويزي.. حسابات التجربة وتوازنات الأغلبية
لم يأت انتخاب أحمد التويزي رئيسا لمجلس النواب بمعزل عن الترتيبات السياسية التي أعقبت انتخابات 23 شتنبر 2026. فبعد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بحصوله على 97 مقعدا، وتكليف فاطمة الزهراء المنصوري بتشكيل الحكومة، اتجهت التوافقات السياسية إلى إسناد رئاسة الغرفة الأولى إلى حزب “الجرار”.
وطرحت داخل الحزب أسماء متعددة لشغل هذا المنصب، أبرزها عبد اللطيف وهبي ومحمد صباري وأحمد التويزي، قبل أن يستقر الاختيار على الأخير مرشحا للأغلبية الحكومية. ويضع هذا الاختيار أحد أقدم الوجوه البرلمانية للحزب أمام مسؤولية تدبير مجلس يعرف بداية ولاية تشريعية جديدة، في ظل إعادة تشكيل التحالفات بين الأغلبية والمعارضة.
ويطرح وصول التويزي إلى هذه المرحلة أكثر من قراءة محتملة. فقد يكون حضور تجربته البرلمانية الطويلة عاملا في ترشيحه، بالنظر إلى معرفته بمساطر المؤسسة وعلاقاته المتراكمة داخل الفرق والمجموعات النيابية.
كما أن تجربته في رئاسة فريق الأصالة والمعاصرة تمنحه معرفة مباشرة بطريقة اشتغال الأغلبية والمعارضة، وما يتطلبه تدبير الخلافات حول مشاريع القوانين والمبادرات الرقابية، غير أن هذه المعطيات لا تكفي وحدها لتفسير قرار اختياره، الذي يندرج أيضا ضمن التفاهمات السياسية المتعلقة بتوزيع المسؤوليات بين الأحزاب المشكلة للأغلبية الجديدة.
فهل يتعلق الأمر بالرهان على برلماني يمتلك تجربة في تدبير المواجهات والسجالات داخل المجلس؟ أم أن التوافقات الحزبية جعلت اسمه نقطة التقاء بين اعتبارات الخبرة والتمثيل السياسي والتوازن الداخلي؟ لا تتوافر معطيات معلنة كافية للجزم بالدافع الحاسم، لكن المؤكد أن طبيعة المهمة الجديدة مختلفة عن المناصب التي تولى التويزي تدبيرها طيلة العقود الماضية
ثلاثة عقود من السياسة.. والامتحان المؤسسي الجديد
منذ أولى خطواته في الاتحاد الوطني للقوات الشعبية خلال سبعينات القرن الماضي، وصولا إلى موقعه داخل الأصالة والمعاصرة، عاش أحمد التويزي جانبا كبيرا من التحولات التي عرفتها السياسة المغربية. فقد مر من مرحلة الانقسامات الحزبية التقليدية إلى سنوات صعود الأحزاب الجديدة، ومن تجربة المجالس المحلية بصلاحياتها القديمة إلى مرحلة الجهوية المتقدمة، ومن العمل داخل مجلس المستشارين إلى قيادة فريق حزبي بمجلس النواب.
وخلال هذا المسار، حافظ على حضور انتخابي ومؤسساتي طويل، رغم ما رافقه من انتقالات حزبية وخلافات وسجالات وملفات قضائية. لكن رصيد السنوات والمناصب لا يلغي الأسئلة التي يثيرها هذا المسار؛ فالتجربة السياسية تقاس أيضا بقدرة المسؤول على تطوير أدائه، واحترام مقتضيات المؤسسات، وتدبير الاختلاف، وتقديم نتائج قابلة للمساءلة.
ولعل التحدي الأبرز أمام التويزي لم يعد إثبات قدرته على البقاء داخل البرلمان، وهي قدرة أظهرها طوال عقود، وإنما الانتقال من ممارسة السياسة بمنطق التمثيل الحزبي والدفاع عن موقعه داخل الأغلبية إلى تحمل مسؤولية مؤسساتية تفرض الإنصات إلى مختلف الأصوات واحترام التعددية.
فالرجل الذي عرفته قاعات البرلمان مدافعا عن مواقف حزبه، ودخل من خلالها سجالات وصلت أصداؤها إلى الرأي العام، يجد نفسه أمام امتحان يرتبط بإدارة الكلمة أكثر من استعمالها، وبضمان حق الآخرين في التعبير عنها قبل الدفاع عن موقف سياسي بعينه.
وبين المدرس الذي دخل عالم السياسة في سبعينات القرن الماضي، والبرلماني الذي صار رئيسا لمجلس النواب بعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل البرلماني، تمتد سيرة سياسي تغيرت أحزابه ومسؤولياته، فيما ظل حضوره في المؤسسات المنتخبة خيطا ناظما لمسيرته.
أما السؤال الذي تفتحه هذه المحطة، فلا يتعلق فقط بما إذا كان أحمد التويزي يمتلك تجربة كافية لقيادة مجلس النواب، بل بكيفية انتقال هذه التجربة من تدبير المصالح والتوازنات الحزبية إلى إدارة مؤسسة دستورية يفترض أن تكون فيها الكلمة للأغلبية والمعارضة على قدم المساواة من حيث احترام الحقوق والمساطر.