انتشرت مؤخرا اتهامات متبادلة بين هذا وذاك، يتهم فيها بعضهم بعضا باستعمال الذكاء الاصطناعي في كتاباتهم .
الأمر بسيط، إذا كانت هذه التهم، نابعة من صدور تخشى ما تخشاه أن يفقد الأدب جدواه، فهذا أمر جيد، بل يجب الضغط ومحاربة كل من يحاول توليد نصوص بهذا الغباء .
أما إذا كان بعض الكتاب الذين لا يثقون بمهاراتهم الإبداعية، يوزّعون الا دعاءات خوفا من أن تظهر نصوص أقوى من نصوصهم، فأنا أقول:
ـ لماذا تسمي نفسك كاتبا، إذا كنت تخشى أن تسقط مكانتك، ويعتلي أحد مستعملي هذا الذكاء المنصات والمجلات والجرائد بنصوصه؟
الذكاء الاصطناعي بدأ في خمسينيات القرن الماضي، وتطور بشكل رهيب، لكن مهما بلغ، فلن يصل إلى القدرات البشرية، ولو استعار خفة النمرود .
ما زلت أستحضر طرح ”برهان غليون‟ الذي دعا الأمة العربية للانخراط في العولمة كي لا تضيع ثقافتنا ولغتنا وسط هذا الزخم الإعلامي والمعلوماتي، مركزا على التكيّف معها والاستفادة منها، مع الحفاظ على الاستقلال الثقافي والسياسي .
هاته الضجة القائمة اليوم، شبيهة بالثورة الصناعية في القرن الثامن عشر، حين كثر القيل والقال، حول محق اليد العاملة، واستبدال العمال بالآلات، لكن ما ظهر حقيقة هو الإنسان لا يمكننا الاستغناء عنه، فهاته الآلة نفسها تحتاج لمن يستعملها .
ليس العيب أن نستعمل الذكاء الاصطناعي في مراجعة الأدبيات السابقة والتحقق من البيانات، فنحن نعيش في تحولات كبرى، أصبح فيها الذكاء الاصطناعي مرتبطا بالاقتصاد والتعليم والإعلام والبحث العلمي. لن تركب على حمار لتأخذ كتابا من مكتبة في مدينة طنجة، ولن تنقش دراستك على ألواح من حجر. لماذا لا تفعل ذلك، لأن موازين العالم تغيرت بسرعة البرق، والتقدم سنّة التاريخ، وإلا أنر بيتك بالشمع، وحين ينطفئ ويلتصق بالطاولة، التصق معه، فلن تدرك العالم بعد .
هذا يقودنا إلى نقطة مهمة جدا في كتاب ”ثقافة العولمة وعولمة الثقافة‟ حيث جاء في نقاش ”بورهان غليون ‟ و”سمير أمين‟: «الخلاف ليس ببساطة بين ”العولمة‟ و ”ضدها‟ وإنما في كيفية الدخول في العالم المعولم، ومن يحدد قواعده، ومن يستفيد منه، وهل يمكن لدول الأطراف أن تدخل إليه من موقع الفاعل لا التابع؟».
الخطير والمؤسف هو أن تكون تابعا، هو أن يملي عليك ”شات جي بي تي‟ ما أراد، وتدونه بثقة عمياء، هو أن تطلب منه تعبيرا، لا معلومة، هو أن تكون غبيا إلى درجة تتنفس فيها هذا الذكاء .
استعمل هذا الشر الذي لا بد منه، لكن بحذر. كن باحثا، كن مُنتجا، كن كاتبا، واعلم أن الانغلاق عن التحولات العالمية، قد ينتهي بنا في المتاحف، كما انتهت الديناصورات.