لا تُقاس جودة التشريع الإجرائي بقدر ما يضيفه إلى مسار التقاضي من شكليات، وإنما بقدر ما يحققه من توازن بين انتظام الخصومة القضائية وفعالية الحماية القانونية. فالمسطرة ليست غاية قائمة بذاتها، ولا امتحانًا لمدى قدرة المتقاضي على استيفاء تفاصيلها، بل هي الوسيلة التي ينتقل عبرها الحق من دائرة الاعتراف النظري إلى مجال الحماية القضائية الفعلية. ومن ثم، فإن الشكل الإجرائي يستمد مشروعيته من الوظيفة التي يؤديها في خدمة العدالة، لا من مجرد وجوده في النص؛ إذ قد يكون ضمانة لا غنى عنها حين يحمي حقوق الدفاع ويؤمن سلامة الإجراءات، وقد يتحول، إذا انفصل عن غايته أو تعذر استيفاؤه في ظروف معينة، إلى عائق يهدد الحق الذي وُضع أصلًا لخدمته.
ومن هذه الزاوية تحديدًا، يكتسب النقاش حول بعض مقتضيات القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية أهمية تتجاوز حدود التطبيق التقني للنصوص، ليطرح سؤالًا أعمق حول العلاقة بين الصرامة الإجرائية وفعالية الولوج إلى القضاء. فقد أثار أمر صادر بتاريخ 7 أكتوبر 2026 عن نائب رئيس المحكمة الابتدائية التجارية بالدار البيضاء، قضى برفض طلب استصدار أمر بالأداء بمبلغ 376.552,00 درهم، يتعلق بست كمبيالات، إشكالًا يستحق النظر في ضوء البناء التشريعي الذي يؤطر هذه المسطرة. فقد جاء في تعليل الأمر أن المقال خالٍ من البريد الإلكتروني للمدعى عليها، وأنه «إذا كان أحد الأطراف شخصا اعتباريا يجب أن يتضمن المقال بريده الإلكتروني تطبيقا لمقتضيات المادة 234 من قانون المسطرة المدنية، مما يتعين معه التصريح برفض الطلب»، لينتهي إلى رفضه مع إبقاء الصائر على رافعه. وهكذا، لم يكن الرفض مؤسسًا على منازعة في الدين أو في السندات المدلى بها، بحسب التعليل المعروض، وإنما على غياب بيان إلكتروني اعتُبر واجبًا في مقال الطلب. وهذه الواقعة، دون استباق التعليق على الأمر في ضوء جميع عناصر الملف، تضعنا أمام سؤال يتجاوز الحالة المعروضة: هل يكفي النص على التزام شكلي لترتيب جزاء عدم القبول، ـ أو رفض الطلب حسب الأحوال ـ أم ينبغي كذلك مساءلة مدى انسجام هذا الالتزام مع بقية المقتضيات القانونية وإمكان الوفاء به عمليًا؟
ذلك أن المادة 234 من قانون المسطرة المدنية الجديد تفرض تضمين عنوان البريد الإلكتروني للشخص الاعتباري ضمن البيانات الواجب ذكرها في مقال الأمر بالأداء، كما تدرج المادة 77 هذا العنوان ضمن البيانات المتعلقة بالشخص الاعتباري في المقال الافتتاحي للدعوى، تحت طائلة عدم القبول. وفي المقابل، تنص المادة 627 من نفس القانون على إمكان إدلاء الشخص الذاتي أو الاعتباري من أشخاص القانون الخاص بعنوان بريده الإلكتروني ورقم هاتفه عبر المنصة الإلكترونية، مرفوقا بتصريح بقبول تبليغه جميع مساطر وإجراءات الدعوى وكافة الوثائق والمستندات. وهكذا، لا ينشأ الإشكال من مقتضى منفرد، بل من اجتماع مقتضيين داخل المنظومة التشريعية نفسها: أحدهما يرتب على طالب القضاء واجب الإدلاء بالمعلومة، والآخر لا يجعل التصريح بها من طرف صاحبها واجبًا عامًا. وبين الإلزام والاختيار تتولد فجوة تشريعية تستدعي التفسير، وتثير سؤالًا مشروعًا عن مدى تناسق القواعد المنظمة للإجراء الواحد.
وتزداد حدة هذا الإشكال حين ننتقل من صياغة النص إلى شروط تطبيقه؛ فطالب الأمر بالأداء، وإن كان دائنًا يتوفر على سند يثبت دينه، ليس بالضرورة طرفًا يملك جميع البيانات الإلكترونية الخاصة بمدينه، ولا سيما إذا تعلق الأمر بشخص اعتباري لا تربطه به علاقة تجارية مستمرة أو لم يسبق أن تبادل معه مراسلات إلكترونية. فكيف يمكن مطالبته بالإدلاء بعنوان لا يملك وسيلة مضمونة للحصول عليه؟ وهل يستقيم تحميله تبعة عدم تقديم معلومة يتوقف الحصول عليها، في بعض الحالات، على إرادة الطرف الآخر؟ إن المسألة لا تتعلق بإعفاء الدائن من واجباته الإجرائية، بل بضرورة التمييز بين ما يدخل في نطاق قدرته على التنفيذ وما يظل رهينًا بمعطيات لا يتحكم فيها، لأن عدالة القاعدة لا تنفصل عن قابلية الامتثال لها.
غير أن معالجة هذه المفارقة تقتضي بدورها قدرًا من الدقة، حتى لا يتحول نقد التشدد الشكلي إلى خلط بين عناوين الاتصال والعناوين المعتمدة قانونًا للتبليغ. فوجود بريد إلكتروني في فاتورة أو مراسلة تجارية لا يعني، بمجرده، أن هذا العنوان مصرح به عبر المنصة وفق المقتضيات المنظمة للتبليغ الإلكتروني، كما أن معرفة وسيلة اتصال لا تكفي دائمًا لإثبات صلاحيتها لترتيب الآثار القانونية للتبليغ القضائي. ومن هنا، فإن التوفيق بين النصوص لا ينبغي أن يقوم على إهدار متطلبات التبليغ الصحيح أو الانتقاص من حقوق الدفاع، وإنما على تحديد المقصود بالبيان المطلوب، ومدى وجوب توفره في جميع الحالات، والآثار المترتبة على تعذر الإدلاء به، مع استكشاف إمكان استكمال النقص متى سمحت النصوص بذلك ولم يلحق ضررًا بحقوق الأطراف.
وعلى هذا الأساس، يتجاوز النقاش حدود التناسب بين واجب إجرائي وجزاء عدم احترامه، ليلامس أحد المرتكزات الأساسية لدولة القانون، وهو الأمن القانوني. فالأمن القانوني لا يتحقق بمجرد وجود نصوص منشورة، بل يقتضي أن تكون القواعد واضحة ومتناسقة وقابلة للتوقع، وأن يستطيع المخاطبون بها استيعاب الالتزامات المفروضة عليهم وتقدير نتائج أفعالهم قبل الإقدام عليها. وحين يجد المتقاضي نفسه أمام التزام لا تقابله آلية واضحة ومضمونة للوفاء به، أو أمام مقتضيات يبدو أن بينها تفاوتًا في تحديد طبيعة ذلك الالتزام، فإن قابلية القاعدة للتوقع تتراجع، ويصبح الامتثال لها محفوفًا بمخاطر لا ترتبط بالضرورة بسلوك المتقاضي أو تقصيره. وبذلك لا يعود الإشكال مجرد تفصيل تقني في مقال قضائي، بل يصبح اختبارًا لمدى قدرة التشريع على إنتاج اليقين بدل إعادة توزيع الغموض على أطراف الخصومة.
وإذا كان الأمن القانوني يتصل بوضوح القاعدة واستقرارها وقابليتها للتوقع، فإن الأمن القضائي يتجسد في قدرة المتقاضي على الولوج إلى قضاء يطبق القانون على نحو منسجم، ويضمن الحماية الفعلية للحقوق، ويحول دون أن تتحول الاختلافات في فهم المقتضيات الإجرائية إلى مصدر لعدم اليقين. ولا يعني ذلك فرض نتيجة قضائية مسبقة أو تقييد استقلال القاضي في تفسير النص، بل يقتضي أن يكون التفسير مستندًا إلى قواعد القانون ومقاصده، وأن يراعي وحدة المنظومة التشريعية وصلتها بالضمانات الدستورية. فالأمن القضائي لا يقوم على التساهل المطلق مع الشكليات، مثلما لا يقوم على التشدد المجرد فيها؛ وإنما يتأسس على تطبيق متوازن للقانون، يجعل الجزاء الإجرائي متصلًا بوظيفته، ويحافظ في الوقت نفسه على سلامة الخصومة وحقوق الدفاع والثقة المشروعة في العدالة.
ومن هذا المنظور، تفرض المقتضيات الدستورية ذات الصلة نفسها في صلب النقاش، لا باعتبارها بديلًا عن النص الإجرائي، وإنما إطارًا ناظمًا لفهمه وتطبيقه. فالفصل 117 من الدستور يجعل حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون من صميم وظيفة القاضي، فيما يضمن الفصل 118 حق التقاضي للدفاع عن الحقوق والمصالح التي يحميها القانون، ويقر الفصل 120 الحق في محاكمة عادلة وفي حكم يصدر داخل أجل معقول، ويضمن حقوق الدفاع أمام جميع المحاكم. وتتكامل هذه المقتضيات في تأكيد أن العدالة لا تختزل في استيفاء الشكل، كما لا تتحقق بإهداره؛ وإنما تقتضي أن تؤدي القاعدة الإجرائية وظيفتها في تنظيم التقاضي وصيانة الحقوق، دون أن تنفصل عن مبدأ الفعالية الذي يمنح الحق في اللجوء إلى القضاء معناه العملي. ومع ذلك، لا تسمح هذه الضمانات بتجاوز نص صريح كلما بدا تطبيقه قاسيًا، بل تفرض، في حدود ما يسمح به القانون، تفسيرًا منسجمًا مع الدستور، وتكشف عند الاقتضاء عن الحاجة إلى تدخل تشريعي يرفع التعارض أو الغموض.
لذلك، فإن المخرج الأكثر اتساقًا مع الأمن القانوني والقضائي لا يكمن في مطالبة القاضي بتعطيل المقتضيات التشريعية، ولا في التسليم بأن كل نقص في البيانات يستوجب بالضرورة إغلاق باب القضاء، وإنما في ضبط العلاقة بين المواد المنظمة للمسألة نفسها. ويقتضي ذلك توضيح مدى ارتباط الإدلاء بالبريد الإلكتروني بوجود عنوان مصرح به قانونًا، وتحديد كيفية التعامل مع الحالات التي يتعذر فيها على طالب القضاء الحصول عليه، وبيان ما إذا كان استكمال البيانات الناقصة ممكنًا قبل ترتيب جزاء عدم القبول، وفقًا لما يسمح به النص. كما يقتضي من المشرع أن ينسق بين الالتزام المفروض على المتقاضي والآليات المتاحة لتنفيذه، حتى لا يصبح اختيار أحد أطراف العلاقة القانونية عدم التصريح ببياناته سببًا في تحميل الطرف الآخر تبعات إجرائية لا يملك التحكم فيها. فالتشريع المتماسك لا يكتفي بتحديد الواجب، بل يضمن وضوح شروطه وإمكان تنفيذه وعدالة الآثار المترتبة على الإخلال به.
في نهاية المطاف، لا يجوز أن تتحول القاعدة الإجرائية من وسيلة لضمان حسن سير العدالة إلى أداة لإلزام المتقاضي بما يستحيل عليه القيام به؛ فالقانون، وإن كان يفرض احترام الشكليات، لا يُكلِّف بمستحيل، ولا ينبغي أن يُفسَّر بما يجعل ممارسة الحق رهينة بإجراء يتعذر استيفاؤه ، ولا يتعلق الرهان هنا بمفاضلة بين الشكل والجوهر، ولا بوضع حق التقاضي في مواجهة مقتضيات المسطرة المدنية؛ فهما عنصران متكاملان متى استقامت وظيفة كل منهما. إنما يتعلق الأمر بتحديد الحد الذي تظل عنده الشكليات ضمانة للعدالة، واللحظة التي يصبح فيها تطبيقها، من دون مراعاة لتناسق النصوص وإمكان الامتثال لها، مصدرًا لعدم اليقين القانوني والقضائي. فالقانون الذي يطلب من المتقاضي معلومة لا يملك دائمًا وسيلة مضمونة للحصول عليها مطالب بتوضيح شروط هذا الالتزام وحدوده، والقضاء الذي يطبق القاعدة الإجرائية يظل مدعوًا إلى قراءتها في إطار المنظومة القانونية والدستورية، دون أن يحل تقديره محل النص أو يعطل مقتضاه. أما المشرع، فمسؤوليته لا تنتهي بإقرار واجب جديد، بل تمتد إلى ضمان انسجامه مع بقية القواعد وإمكان تنفيذه على نحو عادل ومتوقع. فالعدالة لا تحتاج إلى مسطرة بلا شكليات، بل إلى شكليات واضحة ومتناسبة؛ ولا تحتاج إلى قانون يتخلى عن صرامته، بل إلى قانون يجعل من صرامته ضمانة للحقوق، لا مصدرًا لتعطيلها، ومن الأمن القانوني والقضائي أساسًا للثقة في القضاء، لا مجرد شعار يرافق تحديثه.