أعاد الخطاب الملكي الموجه إلى البرلمان بمناسبة افتتاح السنة التشريعية الجديدة وضع التنمية الترابية والعدالة المجالية في صدارة الأولويات الاستراتيجية للمملكة، مؤكدا أهمية تسريع وتيرة تنزيل البرامج التنموية وتعزيز نجاعة التدبير العمومي على المستوى الترابي.
وفي هذا السياق، يقدم الدكتور أنوار قورية، الخبير في الذكاء الترابي والحكامة الرقمية، في حوار مع جريدة “العمق المغربي”، قراءة في رهانات الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، معتبرا أن الخطاب الملكي يربط بشكل عضوي بين ثلاثة عناصر متكاملة: العمل الميداني باعتباره منهجية، والجهوية المتقدمة باعتبارها إطارا مؤسساتيا، واللاتمركز الإداري باعتباره آلية للتنفيذ.
ويرى قورية أن الرهان الحقيقي يتمثل في تحويل الالتزام السياسي إلى تدبير فعلي قريب من المواطن، مشيرا إلى أن التنبيه إلى التأخر والاختلالات يعكس وجود فجوة بين وضوح الرؤية المعلنة ووتيرة تنزيلها، بما يؤثر في قدرة الإدارة على الاستجابة لانتظارات المواطنين.
ويضيف الخبير أن التأكيد على ضرورة تسريع تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري ينسجم مع متطلبات الحكامة الرقمية، من خلال ربط المسؤولية بالمحاسبة، واعتماد مؤشرات دقيقة لتتبع انتقال الصلاحيات والموارد إلى الجهات والأقاليم. ويؤكد أن اللاتمركز لا ينبغي أن يقتصر على نقل إداري شكلي، بل يمثل شرطا أساسيا لتعزيز نجاعة السياسات العمومية الترابية والحد من الفوارق المجالية.
ويخلص قورية إلى أن التنمية الترابية أصبحت أمام اختبار التنفيذ، حيث تشكل الجهوية المتقدمة مقياسا لجدية الإصلاح، فيما يمثل اللاتمركز الإداري مدخلا أساسيا لتحويل التوجهات المعلنة إلى أثر ملموس في حياة المواطنين.
وفي ما يلي نص الحوار:
تشكل العدالة المجالية وتقريب الخدمات من المواطنين رهانا استراتيجيا في التوجيهات الملكية. كيف يمكن للرقمنة واللاتمركز الإداري الإسهام في تحويل المراكز القروية الناشئة إلى أقطاب اقتصادية حقيقية؟
أعتقد أن التوجيه الملكي نحو توسيع نطاق المراكز القروية الناشئة يحمل رؤية عميقة لإعادة تنظيم المجال الترابي. فالأمر لا يتعلق فقط بتقريب الإدارة من المواطن، بل أيضا بإحداث نقاط توازن جديدة بين المجالين الحضري والقروي، بما يحد من الضغط على الحواضر الكبرى ويمنح الوسط القروي فرصا حقيقية لتحقيق تنمية مندمجة.
غير أن تحويل هذه المراكز إلى أقطاب اقتصادية حقيقية يظل رهينا بتكامل ثلاثة عناصر أساسية: توفير صلاحيات اتخاذ القرار على المستوى المحلي، من خلال التفعيل الفعلي لميثاق اللاتمركز الإداري؛ وتحسين سرعة الخدمات وجودتها بالاعتماد على الرقمنة؛ ثم توظيف المعرفة الدقيقة بخصائص المجال وإمكاناته عبر آليات الذكاء الترابي.
من العزلة الإدارية إلى القطب المنتج.. كيف نعيد هندسة المجال القروي؟
من أبرز الإشكالات التي عانت منها مناطق قروية عديدة أن الإدارة حاضرة فيها شكليا، لكنها لا تتوفر دائما على الصلاحيات اللازمة لاتخاذ القرار. فالمواطن أو المستثمر قد يودع ملفه محليا، بينما يظل اتخاذ القرار بيد المصالح الموجودة على مستوى الإقليم أو الجهة، أو حتى الإدارة المركزية في الرباط. وهذا ما يمكن وصفه بـ«الإدارة النائية»، حيث توجد الخدمة بالقرب من المواطن، لكن القرار يظل بعيدا عنه.
من هنا تبرز أهمية التنزيل الفعلي لميثاق اللاتمركز الإداري، من خلال تفويض حقيقي للصلاحيات، بما فيها صلاحيات التوقيع وتدبير الاعتمادات المالية، لفائدة المصالح اللاممركزة، وتحويل المستوى الترابي إلى فضاء لاتخاذ القرار والتنسيق، بدلا من الاكتفاء بدور الوسيط في تبادل المراسلات.
ويمكن، في هذا الإطار، التفكير في إحداث شباك ترابي مندمج داخل كل مركز قروي ناشئ، يجمع الخدمات الأساسية المرتبطة بالتعمير والفلاحة والحالة المدنية والجبايات ودعم المقاولات، مع تحديد آجال لمعالجة الطلبات والإعلان عنها للعموم.
ميثاق اللاتمركز.. هل نقل القرار أهم من نقل الشباك؟
اللاتمركز الحقيقي هو نقل القرار، وليس مجرد نقل الشباك الإداري. أما الرقمنة، فيتمثل دورها في تجاوز عائق المسافة الذي ظل يثقل كاهل سكان العالم القروي.
ويقتضي ذلك، أولا، توفير بنية تحتية رقمية قوية، والتعامل مع شبكات الألياف البصرية والاتصالات الحديثة باعتبارها بنية أساسية لا تقل أهمية عن المرافق الحيوية الأخرى. وبعد ذلك، ينبغي تطوير خدمات رقمية متكاملة تشمل مختلف مراحل المعاملة الإدارية، بدءا من إيداع الطلبات عبر الواجهة الأمامية للخدمة (Front Office)، مرورا بمعالجتها داخل الإدارات (Back Office)، وصولا إلى تسليم الخدمة.
ويشمل هذا المسار إتاحة تتبع الطلبات والتوقيع والأداء الإلكترونيين، وربط الإدارات بعضها ببعض، حتى لا يضطر المواطن إلى تقديم الوثيقة نفسها مرات متعددة. ويتماشى ذلك مع أهداف تبسيط المساطر والإجراءات الإدارية، كما تمثل منصة «رخص» في مجال التعمير مثالا على التجارب التي يمكن تطويرها وتوسيع نطاقها.
لكن من الضروري التعامل بواقعية مع الفجوة الرقمية التي لا تزال قائمة في الوسط القروي، سواء بسبب محدودية البنية التحتية أو ضعف المهارات الرقمية لدى بعض المواطنين. لذلك، أرى ضرورة مواكبة التحول الرقمي بإحداث فضاء للمواكبة داخل كل مركز، يتولى فيه وسيط رقمي مساعدة المرتفقين على استعمال الخدمات الإلكترونية وإنجاز معاملاتهم، حتى لا تتحول الرقمنة إلى مصدر جديد للإقصاء بدل أن تكون أداة للإدماج.
هل تشكل الوساطة الرقمية جسر لتجاوز الفجوة الرقمية؟
يتمثل التحول الأعمق في الانتقال بهذه المراكز من مجرد فضاءات لتقديم الخدمات الإدارية إلى أقطاب للإنتاج وخلق الثروة.
فالرقمنة تتيح لهذه المراكز الولوج إلى أسواق لم تكن متاحة أمامها من قبل، من خلال ربط التعاونيات والمنتجين الصغار بمنصات التجارة الإلكترونية، واعتماد آليات التتبع الرقمي للجودة ومصدر المنتجات. ومن شأن ذلك تثمين المنتجات المجالية والمساهمة في تعزيز الأمن الغذائي.
ويمكن أيضا إحداث فضاءات للعمل المشترك وحاضنات صغرى للمقاولات، تستقطب الشباب وتشجع العمل عن بعد وتطوير الخدمات الرقمية، بما قد يحد من الهجرة نحو المدن. كما يمكن تجهيز مناطق محدودة للأنشطة الاقتصادية، موجهة إلى الصناعات التحويلية المرتبطة بالمنتجات الفلاحية والخدمات اللوجستية.
وإذا أضفنا إلى ذلك حلول الطاقة الشمسية اللامركزية وتقنيات الفلاحة الذكية، التي تعتمد على أجهزة الاستشعار لترشيد مياه الري، فإننا نربط هذه المراكز مباشرة بالأولويات الوطنية المرتبطة بالطاقة والأمن المائي، التي حظيت باهتمام في التوجيهات الملكية.
ويبقى الذكاء الترابي الحلقة التي تمنح هذه المشاريع رؤية واضحة واتجاها محددا. فإحداث مرصد ترابي لكل مركز، يعتمد على نظم المعلومات الجغرافية ويجمع معطيات السكان والتجهيزات والوعاء العقاري والموارد المائية والنشاط الاقتصادي، من شأنه أن يساعد على التخطيط الاستباقي، عوض الاكتفاء بالتدبير القائم على ردود الفعل.
كما يمكن الاستفادة من صور الطائرات المسيرة وتقنيات الذكاء الاصطناعي لرصد التوسع العمراني غير المنظم في مراحله الأولى، وتوجيه وثائق التعمير استنادا إلى اتجاهات النمو الفعلية، بدلا من الاعتماد حصرا على التوقعات النظرية.
وبهذا المعنى، يتيح الذكاء الترابي تأطير التوسع العمراني قبل أن يتحول إلى واقع يصعب تدبيره. وخلاصة القول إن المركز القروي الناشئ ينجح عندما نتعامل معه باعتباره منصة ترابية تلتقي فيها الإدارة والسوق والمعطيات، لا مجرد بناية إدارية معزولة في الهامش.
تقتضي الحكامة الترابية الحديثة ترسيخ ثقافة النتائج وتحديث أدوات العمل العمومي. كيف يمكن للرقمنة والاعتماد على المعطيات الميدانية الدقيقة الإسهام في تحسين تدبير الاستثمار العمومي والحد من هدر الوقت والإمكانات؟
إن دعوة جلالة الملك، نصره الله، في خطابه بمناسبة افتتاح الولاية التشريعية الحادية عشرة إلى تغيير العقليات وترسيخ ثقافة النتائج تمثل، في رأيي، جوهر الإصلاح المطلوب. فثقافة النتائج تعني ببساطة الانتقال من سؤال «كم أنفقنا؟» إلى سؤال «ما الذي تغير في حياة المواطن؟».
أما الرقمنة، فهي الأداة التي تجعل هذا السؤال قابلا للقياس والتقييم والمساءلة. ويتماشى ذلك مع المبدأ الدستوري القاضي بربط المسؤولية بالمحاسبة، ومع منطق ميزانية النتائج ومؤشرات نجاعة الأداء الذي كرسه القانون التنظيمي لقانون المالية.
الإنذار المبكر.. كيف يكشف الذكاء الاصطناعي تعثر مشاريع الاستثمار؟
لفهم دور الرقمنة في تحسين تدبير الاستثمار العمومي، ينبغي أولا تحديد أبرز مصادر الهدر. فالتجربة الميدانية تكشف أن الوقت والإمكانات قد يضيعان بسبب اختيار مشاريع لا تستجيب للأولويات الحقيقية للسكان، أو إعداد دراسات تقنية غير كافية تفضي إلى تعديلات متكررة في أثناء التنفيذ.
وتشمل أسباب التعثر أيضا تأخر تعبئة العقار وتعقد وضعيته القانونية، وتعدد المتدخلين دون وجود جهة تتوفر على رؤية شاملة للمشروع، فضلا عن إنجاز مشاريع لا تدخل حيز الاستغلال بسبب غياب التجهيزات أو الموارد البشرية أو الصيانة اللازمة.
ويمكن للرقمنة أن تسهم في معالجة هذه الإشكالات خلال مختلف مراحل دورة حياة المشروع. ففي مرحلة البرمجة، تتيح المعطيات الدقيقة توجيه الاستثمارات نحو المناطق الأكثر خصاصا، بالاستناد إلى مؤشرات موضوعية، مثل خرائط الفقر والهشاشة، ونسب الولوج إلى الماء والخدمات الصحية والتعليمية، بدلا من الاعتماد على التوزيع التقليدي أو الاستجابة لضغوط ظرفية. وهذا أحد المداخل الأساسية لإنجاح الجيل الجديد من برامج التنمية الترابية المندمجة.
أما في مرحلة الإعداد، فيمكن أن يسهم رقمنة المعطيات العقارية وربطها بالبيانات المتاحة لدى المحافظة العقارية، إلى جانب النشر الإلكتروني للصفقات العمومية واعتماد النمذجة الرقمية للمشاريع، في اكتشاف بعض الاختلالات قبل بدء التنفيذ، والحد من التعديلات المكلفة وتقليص الآجال.
وخلال مرحلة الإنجاز، تبرز أهمية إحداث منصة موحدة لتتبع المشاريع، تتضمن موقع كل مشروع وكلفته ونسبة تقدمه المادي والمالي، مدعومة بصور ميدانية مؤرخة. كما تتيح لوحات القيادة للمسؤولين الترابيين ورؤساء الجهات والقطاعات المعنية الاطلاع على وضعية المشاريع ورصد المتعثر منها في الوقت المناسب.
وهنا يبرز دور الذكاء الاصطناعي في تطوير آليات الإنذار المبكر، من خلال تحليل أنماط التأخر، ورصد الارتفاعات غير المبررة في الكلفة، وتكرار الملاحق التعاقدية، أو تركز الصفقات لدى المتنافسين أنفسهم. ويمكن لهذه الأدوات أن تساعد على تحديد مؤشرات تستدعي التدقيق، شريطة إخضاع نتائجها للتحقق البشري وعدم التعامل معها باعتبارها دليلا تلقائيا على وجود مخالفات.
كما أن ربط منصات التتبع بأنظمة تدبير النفقات العمومية يساعد على التحقق من مدى تطابق المعطيات المالية مع مستوى الإنجاز الفعلي على أرض الواقع.
وتأتي بعد ذلك مرحلة التقييم، التي ينبغي ألا تقتصر على التأكد من إنجاز المشروع، بل أن تشمل قياس أثره الفعلي. فالسؤال لا ينبغي أن يكون فقط: هل بنيت المدرسة أو شيد المركز الصحي؟ بل أيضا: إلى أي حد أسهمت المدرسة في تحسين مؤشرات التمدرس؟ وهل ساعد المركز الصحي على تقليص مدة الوصول إلى العلاج وتحسين جودة الخدمات؟
ويكتمل هذا المسار بإتاحة المعطيات العمومية المتعلقة بالمشاريع، وتمكين المواطنين من التبليغ عن المشاريع المتوقفة أو تقديم تقييماتهم للخدمات المقدمة. فالمواطن، بحكم وجوده في الميدان، يستطيع الإسهام في رصد الاختلالات التي قد لا تظهر في التقارير الإدارية.
ومع ذلك، أود التأكيد على أن الرقمنة وحدها لا تكفي لتغيير العقليات. فالتكنولوجيا شرط ضروري، لكنه غير كاف؛ إذ يتطلب ترسيخ ثقافة النتائج ربط أداء المسؤولين بمؤشرات واضحة ومعلنة، ومساءلتهم على أساسها، مع تحفيز من يحققون النتائج المرجوة.
ويقتضي ذلك أيضا اعتماد تدبير مرن يسمح بإعادة توجيه الموارد عند ظهور مؤشرات التعثر، دون انتظار نهاية السنة المالية، إلى جانب تأهيل الكفاءات في مجال تحليل المعطيات واتخاذ القرار بناء عليها. كما يتطلب إرساء حكامة فعالة للبيانات، تضمن جودتها وتوحيد مرجعياتها، وتحمي المعطيات الشخصية، وتعزز السيادة الرقمية على البنيات الحساسة.
وفي هذا السياق، أقترح إحداث منصة وطنية مفتوحة لتتبع الاستثمار العمومي الترابي، مرفقة بمؤشر سنوي للنجاعة الترابية ينشر حسب الجهات والأقاليم، ويقيس سرعة الإنجاز، ومدى احترام الكلفة والآجال، ونسبة دخول المشاريع حيز الاستغلال بعد تسليمها، ومستوى رضا المرتفقين عن الخدمات المقدمة.
فالرقمنة، بهذا المعنى، تنقل الاستثمار العمومي من منطق الإعلان عن المشاريع إلى منطق إثبات أثرها. وما لا يقاس يصعب تدبيره بفعالية، وما لا تتاح معطياته للعموم تتراجع إمكانات مساءلته. وتبدأ ثقافة النتائج حين يصبح بالإمكان تتبع مسار المال العام ومآل المشاريع وآثارها الميدانية، انطلاقا من معطيات دقيقة وقابلة للتحقق.