هناك فجوات، عندما تستمر طويلاً، تصبح غير قابلة للتحمل. فقد تغير العالم بشكل عميق، وتحولت موازين القوى، وأصبحت الاقتصادات مترابطة فيما بينها، كما باتت التكنولوجيا تحدث تحولات كبيرة في المجتمعات، وأصبحت الأزمات تتجاوز الحدود في ظرف وجيز. ومع ذلك، لا تزال مجموعة من القواعد والمؤسسات التي تنظم العلاقات الدولية تعود إلى القرن الماضي. نحن إذن أمام عالم جديد تحكمه مؤسسات وأدوات قديمة.
ولا يقتصر هذا التناقض على الجانب المؤسساتي، بل أصبح سياسياً واقتصادياً واستراتيجياً أيضاً. فهو يضعف قدرة المجتمع الدولي على منع النزاعات، وتسوية الخلافات، ومواجهة التحديات المشتركة بشكل جماعي. لذلك، لم يعد السؤال هو ما إذا كان ينبغي الحفاظ على التعددية الدولية بصيغتها الحالية، أو التخلي عنها لفائدة قانون القوة. بل أصبح السؤال الحقيقي هو: كيف يمكن إصلاح هذه التعددية حتى تستعيد شرعيتها وفعاليتها؟
الأمم المتحدة أمام تحديات الواقع الجديد
تأسست منظمة الأمم المتحدة سنة 1945، بعد حرب مدمرة، بهدف الحفاظ على السلم والأمن الدوليين، وتشجيع التعاون، وتطوير العلاقات السلمية بين الشعوب. ولا تزال هذه الأهداف ضرورية اليوم. غير أن هيكلها السياسي ما زال يعكس موازين القوى التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية.
ففي مجلس الأمن، تتمتع الدول الخمس دائمة العضوية، وهي الصين والولايات المتحدة وفرنسا والمملكة المتحدة وروسيا، بحق النقض «الفيتو»، الذي يمكن أن يمنع صدور قرار، حتى عندما يحظى بتأييد واسع.
وتظهر مشكلة التمثيلية بوضوح أيضاً. فإفريقيا تضم 54 دولة عضواً في الأمم المتحدة، لكنها لا تتوفر على أي مقعد دائم في مجلس الأمن. كما ترى مناطق أخرى أن وزنها السكاني أو الاقتصادي أو الدبلوماسي لا ينعكس بشكل عادل في تركيبة هذا المجلس.
وتعكس النقاشات المتكررة حول توسيع عضوية مجلس الأمن، وحول استعمال حق النقض أو الحد منه، مطلباً أساسياً: لا يمكن لمؤسسة تتحدث باسم المجتمع الدولي أن تتجاهل، إلى أجل غير مسمى، التحولات التي يعرفها هذا المجتمع.
صحيح أن الإصلاح صعب، لأنه يمس امتيازات القوى الكبرى التي يتعين عليها الموافقة عليه. لكن هذه الصعوبة لا تبرر الجمود. بل تجعل البحث عن حلول توافقية أمراً ملحاً، من أجل تعزيز تمثيلية المناطق الأقل حضوراً، وجعل القرارات أكثر شفافية، والحد من شلل المؤسسات أمام الأزمات الكبرى.
منظمة التجارة العالمية: قواعد تحتاج إلى التحيين
يوجد النظام التجاري الدولي بدوره أمام منعطف مهم. ففي تقريرها حول التجارة العالمية لسنة 2026، تشير منظمة التجارة العالمية إلى أن هذا النظام يواجه تحولات سريعة، من بينها تغير الأوزان الاقتصادية للدول، وتزايد تدخل الدولة في الاقتصاد، وإعادة تنظيم سلاسل الإنتاج والتوزيع، وانتشار التجارة الرقمية والذكاء الاصطناعي، ومتطلبات الانتقال البيئي، وتصاعد التوترات الجيوسياسية.
ولا يعني ذلك أن التجارة العالمية فقدت أهميتها. فالقواعد المشتركة والانفتاح التجاري ساهما في ربط اقتصادات العالم بعضها ببعض. لكن هذه التحولات أفرزت تحديات جديدة، كما أن مكاسب التجارة لم تتوزع بشكل متساوٍ بين الدول والمناطق والفئات الاجتماعية.
لذلك، ينبغي للسياسة التجارية أن تجمع بين الانفتاح ووضوح القواعد واستقرارها، وبين القدرة على مواكبة العمال والمناطق التي تتضرر من التحولات الاقتصادية.
وتبين السيناريوهات التي درستها منظمة التجارة العالمية أن تقسيم الاقتصاد العالمي إلى تكتلات متنافسة قد تكون له تكلفة مرتفعة. وهي سيناريوهات افتراضية وليست توقعات مؤكدة، لكنها تحمل رسالة واضحة: إن تراجع القواعد المشتركة وتزايد الحواجز التجارية قد يؤديان إلى انخفاض المبادلات والإنتاج على المستوى العالمي.
وفي المقابل، يمكن لتعاون دولي أقوى أن يوسع آفاق النمو. ومن ثم، فإن مواجهة التوترات التجارية لا تعني التمسك بقواعد لا تقبل التغيير، بل تحيينها حتى تظل مفيدة ومتوازنة وقابلة للتطبيق.
مؤسسات بريتون وودز: ضرورة تحقيق توازن جديد
تواجه المؤسسات المالية الدولية التي تأسست في إطار اتفاقيات بريتون وودز، وفي مقدمتها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، تساؤلات مماثلة.
فقد أُنشئت هذه المؤسسات في سياق تاريخي معين، وواكبت تحولات اقتصادية كبرى على مدى عقود. غير أن طريقة توزيع التمثيلية وصنع القرار داخلها أصبحت موضع انتقاد متزايد، بالنظر إلى الوزن الذي اكتسبته الاقتصادات الصاعدة وإلى حاجيات البلدان النامية.
إن إرساء حكامة اقتصادية عالمية أكثر شرعية يقتضي تحقيق تناسب أفضل بين المسؤوليات والمساهمات والقدرة على اتخاذ القرار، من جهة، والواقع الاقتصادي الراهن، من جهة أخرى.
ولا يتعلق الأمر بوضع البلدان المتقدمة في مواجهة البلدان النامية، بل بالاعتراف بأن الاستقرار المالي، وتمويل التنمية، ومعالجة الديون، ومواجهة التحولات البيئية والرقمية، كلها قضايا لا يمكن إيجاد حلول مستدامة لها من دون مشاركة فعلية للبلدان المعنية.
التجارة طريق نحو السلام
إن إصلاح المؤسسات ليس غاية في حد ذاته. فالهدف هو تحسين القدرة على الوقاية من الأزمات وتهيئة الظروف اللازمة للتعايش السلمي.
وفي هذا السياق، يمكن للمبادلات الاقتصادية أن تؤدي دوراً مهماً. فالعلاقات التجارية المنتظمة، القائمة على قواعد مشتركة ومنافع متبادلة، تخلق مصالح مشتركة، وتوسع مجالات الحوار، وترفع تكلفة القطيعة بين الدول. وهي لا تلغي التنافس ولا تقضي على مخاطر الحرب، لكنها قد تجعل التعاون أكثر فائدة من المواجهة.
غير أن التاريخ يحذرنا من المبالغة في التفاؤل. فالترابط الاقتصادي لم يكن في أي وقت ضمانة مطلقة ضد النزاعات. كما يمكن أن تتحول التجارة إلى وسيلة للضغط على الدول الأخرى، وقد تتوزع مكاسب الانفتاح بشكل غير عادل.
ولكي تساهم التجارة في إحلال السلام، ينبغي أن تقوم على قواعد واضحة ومستقرة، وأن تكون منصفة إلى حد معقول، وأن تواكبها سياسات تسمح لعدد أكبر من الدول والسكان بالاستفادة من الثروة التي تنتجها.
وهنا تتضح الفكرة الأساسية: إن تقاسم الثروة ليس مجرد قيمة أخلاقية تضاف إلى النشاط الاقتصادي، بل هو أحد شروط استمراره واستدامته.
فالنظام الذي يستفيد فيه البعض من معظم المكاسب، بينما تشعر فئات أخرى بأنها مستبعدة بشكل دائم، يغذي الإحباط ويضعف التعاون. أما عندما تتيح المبادلات فرصاً حقيقية للعمل والاستثمار والتنمية، فإنها تستطيع المساهمة في تخفيف التوترات.
من تقاسم الزبدة إلى تحقيق السلام
إن الاختيار المطروح أمام المجتمع الدولي لا يتمثل في المفاضلة بين تعددية دولية مثالية وسيادة وطنية بلا حدود. بل يتعلق بالاختيار بين نظام يقوم على قواعد مشتركة قادرة على مواكبة تحولات العالم، ونظام آخر تهيمن عليه بشكل متزايد موازين القوة والردود الانتقامية والقرارات الأحادية.
ففي عالم مترابط، لا تستطيع أي دولة، مهما بلغت قوتها، أن تعالج بمفردها القضايا الكبرى المرتبطة بالتجارة والتمويل والمناخ والتكنولوجيا.
لذلك، يتعين إصلاح المؤسسات الدولية من دون هدم ما تمكنت من بنائه. كما ينبغي تحسين تمثيلية مختلف مناطق العالم، وجعل القواعد أكثر إنصافاً، وتعزيز تطبيقها، وتمكين الدول الأقل قوة من المشاركة الفعلية في اتخاذ القرارات.
ومن الضروري أيضاً الاعتراف بأن الانفتاح الاقتصادي لا يمكن أن يستمر ما لم يتم تقاسم ثماره بشكل كافٍ، وما لم تؤخذ الانشغالات المشروعة للسكان بعين الاعتبار.
وفي نهاية المطاف، فإن تقاسم الزبدة أجدى من استعمال المدافع.
قد تبدو هذه العبارة بسيطة، لكن ما تعبر عنه بالغ الأهمية. فالمدافع تدمر الأرواح والبنيات التحتية وآفاق التنمية، بينما يمكن للتعاون الاقتصادي القائم على الإنصاف أن يخلق الثروة والمصالح المشتركة.
صحيح أن هذا التعاون لا يضمن السلام بمفرده، لكنه يعزز أسسه. فالسلام لا يُبنى داخل القاعات الدبلوماسية فقط، بل يجري الإعداد له أيضاً من خلال المبادلات والاستثمارات، ومن خلال إتاحة الفرصة لكل دولة للمساهمة في رخاء مشترك والاستفادة منه.
إن عالم سنة 2026 ليس هو عالم سنة 1945، ولا عالم سنة 1995، التي تأسست فيها منظمة التجارة العالمية. ولذلك، ينبغي للمؤسسات الدولية أن تتطور بما يتناسب مع التحولات التي يفترض أن تؤطرها.
إن إصلاح الحكامة العالمية ليس استجابة عابرة لمتطلبات الظرفية، بل أصبح ضرورة حتى ينتصر التعاون على الانقسام، ويشكل السعي إلى تحقيق الرخاء المشترك بديلاً حقيقياً عن منطق المواجهة والصراع.
عبد السلام الصديقي، اقتصادي ووزير سابق