حين تُهندس الانتخابات.. من يحمي الديمقراطية؟
وجهة نظر

حين تُهندس الانتخابات.. من يحمي الديمقراطية؟

ليست كل الانتخابات متشابهة. فهناك انتخابات تعكس، بدرجات متفاوتة، ما يريده المواطنون، وانتخابات تكشف في جانب منها ما تريده النخب والقوى المؤثرة، وهناك انتخابات يكون الجزء الأكثر حساسية منها قد جرى قبل أن يصل الناخب إلى صندوق الاقتراع. ومن هنا يبرز سؤال يتجاوز النتائج والأرقام: هل الصندوق وحده هو الذي يصنع السياسة، أم أن السياسة تبدأ قبل ذلك، حين تُصنع النخب، وتُرتب التحالفات، وتُستقطب الوجوه، وتُعاد صياغة موازين النفوذ، وتتحدد طبيعة الخيارات التي سيجد المواطن نفسه أمامها؟

إن طرح هذا السؤال لا يعني، بالضرورة، الحديث عن تزوير الانتخابات أو التلاعب المباشر بأصوات الناخبين. فهناك فارق جوهري بين تزوير العملية الانتخابية وبين هندسة المجال السياسي الذي يسبقها. التزوير اعتداء مباشر على إرادة الناخب، بينما يمكن للهندسة السياسية أن تتم عبر قواعد المنافسة، وطريقة اختيار المرشحين، واستقطاب الأعيان، وإعادة توزيع الموارد، وبناء شبكات النفوذ، وترتيب التحالفات. ولذلك فإن اختزال «هندسة الانتخابات» في صورة صندوق جرى العبث به يحجب سؤالا أكثر تعقيدا يتعلق بشروط إنتاج الاختيار السياسي نفسه.

وفي المغرب، أعادت الانتخابات التشريعية لـ23 شتنبر 2026 طرح هذه الإشكالية. فقد تصدر حزب الأصالة والمعاصرة النتائج بـ97 مقعدا، يليه التجمع الوطني للأحرار بـ66 مقعدا، ثم حزب الاستقلال بـ65 مقعداً، فيما عاد حزب العدالة والتنمية إلى البرلمان بـ54 مقعدا، في مقابل نسبة مشاركة وطنية بلغت 38.02 في المائة. وهذه الأرقام توضح توزيع المقاعد، لكنها لا تفسر وحدها كيف تشكلت القوة الانتخابية التي أنتجتها. فالنتيجة تجيب عن سؤال «من فاز؟»، لكنها لا تجيب بالضرورة عن سؤال «كيف أصبح هذا الفوز ممكناً؟».

وهنا ينبغي التمييز بين شرعية النتيجة وشروط إنتاجها. فقد تكون العملية الانتخابية سليمة من الناحية الإجرائية، دون أن يعني ذلك أن جميع الفاعلين دخلوا المنافسة بالقدرات السياسية والاجتماعية نفسها. فالمنافسة لا تتحدد يوم الاقتراع فقط، بل تتشكل مسبقاً داخل بيئة سياسية تحدد إلى حد كبير من يمتلك القدرة على الوصول إلى الناخبين، ومن يملك الموارد التنظيمية والبشرية والمالية، ومن يستطيع استقطاب الشخصيات ذات الحضور المحلي.

وتظهر المشكلة عندما يتحول الحزب من مؤسسة لإنتاج الأفكار وبناء التنظيم إلى منصة لاستقبال الوجوه الجاهزة انتخابيا، وحين يصبح المرشح القادر على تعبئة الأصوات أهم من المناضل الذي أمضى سنوات في بناء التنظيم، ويصبح الانتماء الحزبي وسيلة للترقي الانتخابي أكثر مما هو تعبير عن اقتناع سياسي. عندها لا تعود الانتخابات مجرد منافسة بين برامج، بل تصبح أيضاً منافسة بين قدرات على التعبئة والاستقطاب وإدارة الشبكات.

وهذا يقود إلى سؤال إنتاج النخب السياسية. فالمنتخب ليس بالضرورة نخبة سياسية؛ فالنخبة، بمعناها المؤسسي والفكري، هي التي تنتج الأفكار، وتصوغ البدائل، وتتحمل مسؤولية الاختيارات الكبرى، وتقدم للمجتمع رؤى تتجاوز الحساب الانتخابي الآني. أما حين تصبح الموارد وشبكات العلاقات والحضور المحلي والقدرة على التعبئة معايير أساسية للصعود السياسي، فإننا نكون أمام طبقة سياسية انتخابية أكثر منها نخبة سياسية بالمعنى الفكري.

ولا يمثل وجود الأعيان في حد ذاته مشكلة، فكل مجتمع ينتج شخصيات ذات حضور وتأثير. لكن الإشكال يبدأ عندما تتحول الوساطة الشخصية إلى بديل عن المؤسسة، ويصبح الشخص أقوى من البرنامج، والعلاقة أقوى من التنظيم، والقدرة على جمع الأصوات معياراً للصعود السياسي. وينطبق الأمر نفسه على المال؛ فالمشكلة ليست في وجود موارد للحملات، وإنما في تحول الموارد إلى عنصر يعيد تشكيل ميزان المنافسة ويمنح بعض الفاعلين قدرة أكبر على الوصول والتعبئة والتأثير.

ومن هنا يمكن الحديث عن «الهندسة الناعمة» للمجال السياسي، التي قد تتجلى في استقطاب شخصيات مؤثرة، أو انتقال فاعلين محليين بين الأحزاب، أو إعادة ترتيب التحالفات وشبكات النفوذ، أو منح بعض التنظيمات قدرة أكبر على الوصول إلى الموارد والوسائل التنظيمية. وقد تحدث هذه التحولات من دون أي تدخل مباشر في صناديق الاقتراع، لكنها تؤثر في طبيعة الخيارات التي تصل إلى الناخب. فالناخب لا يصوت في فراغ؛ إنه يختار من بين مرشحين وأحزاب تكون قد خاضت قبل ذلك معركة طويلة حول الحضور والتنظيم والتحالفات والموارد والصورة السياسية.

لكن هندسة المجال السياسي لا تنتهي بالضرورة لحظة إعلان النتائج. فقد تنتقل إلى مرحلة ما بعد الاقتراع، حيث تُعاد صياغة موازين القوة داخل المؤسسات المنتخبة من خلال تشكيل الأغلبية والمعارضة، وتوزيع المسؤوليات البرلمانية، ورئاسة اللجان، وترتيب مواقع التأثير داخل المؤسسة التشريعية. وهنا لا يعود عدد المقاعد وحده محدداً للقوة السياسية؛ إذ إن القواعد المؤسسية والترتيبات السياسية هي التي تحدد كيف تتحول القوة العددية إلى مواقع فعلية في التشريع والمراقبة وصناعة القرار. وبذلك يمكن أن تمتد الهندسة من مرحلة تشكيل الخيارات قبل الصندوق إلى مرحلة تنظيم آثار النتائج بعده، دون أن يعني ذلك بالضرورة المساس بصحة عملية التصويت نفسها.

ومن هذه الزاوية، يصبح من الضروري التمييز بين ثلاثة مستويات مترابطة: كيف تشكلت الخيارات قبل الانتخابات، وكيف جرى التعبير عنها داخل الصندوق، وكيف تحولت نتائج الاقتراع بعد ذلك إلى مواقع نفوذ داخل المؤسسات. فالانتخابات ليست لحظة واحدة، وإنما مسار سياسي متكامل يبدأ قبل الاقتراع ولا ينتهي بإعلان النتائج.

لذلك يصبح السؤال الأكثر إزعاجا: من يصنع الخيارات التي يُطلب من المواطن الاختيار بينها، ومن يحدد بعد ذلك كيفية ترجمة اختياره إلى قوة داخل المؤسسة؟

لا يستدعي هذا السؤال نظرية مؤامرة، ولا يفترض وجود جهة واحدة تتحكم في تفاصيل العملية السياسية. إنه يدعو إلى قراءة الانتخابات باعتبارها نتيجة لمسار سياسي يبدأ قبل يوم الاقتراع ويستمر بعده، وإلى توسيع مفهوم النزاهة الديمقراطية من سلامة الصندوق إلى سلامة البيئة السياسية والمؤسساتية المحيطة به. فحرية التصويت تظل محدودة المعنى إذا كانت شروط المنافسة نفسها تعاني اختلالاً في التوازن والانفتاح، كما أن سلامة النتيجة لا تستنفد وحدها سؤال كيفية توزيع القوة داخل المؤسسات المنتخبة.

ومن هذه الزاوية، تكتسب نسبة المشاركة البالغة 38.02 في المائة دلالة تتجاوز الرقم. فإذا كان أكثر من ستة مواطنين من كل عشرة ممن لهم حق التصويت لم يشاركوا، فإن تفسير الظاهرة باعتبارها مجرد «عزوف» أو «لامبالاة» يظل ناقصا. فقد يكون العزوف، في بعض الحالات، تعبيرا عن أزمة ثقة في الأحزاب والمؤسسات وفي قدرة الانتخابات على إنتاج تغيير ملموس. والمواطن الذي لا يرى في السياسة وسيلة حقيقية للتأثير، أو لا يجد في الأحزاب فضاء فعليا للمشاركة، قد يصل إلى قناعة بأن الانتخابات تغير الوجوه أكثر مما تغير قواعد اللعبة. وعندما تتسع هذه الفجوة، تصبح المشكلة أعمق من انخفاض نسبة المشاركة؛ إنها تمس الصلة نفسها بين المواطن والمؤسسة المنتخبة.

ومع ذلك، فإن عودة حزب العدالة والتنمية من 13 مقعدا في انتخابات 2021 إلى 54 مقعدا في 2026 تشير إلى أن المجتمع لا يزال قادراً على إنتاج طلب سياسي واضح عندما يجد قناة تنظيمية قادرة على استيعابه والتعبير عنه. وهذا يجعل أزمة الأحزاب أكثر تعقيدا من مجرد أزمة انتخابية؛ فهي ترتبط بقدرتها على إنتاج النخب والبرامج وبناء علاقة مستدامة مع المجتمع وتحويل الطلب الاجتماعي إلى عرض سياسي مقنع.

ولا يمكن فصل هذه الإشكالات عن طبيعة النظام السياسي المغربي وسياقه الدستوري والتاريخي. فالملكية مؤسسة مركزية في بنية النظام السياسي، ولذلك فإن النقاش حول الديمقراطية لا ينبغي أن يُختزل في مواجهة الدولة أو الملكية، وإنما في كيفية بناء مؤسسات حزبية وبرلمانية ومجتمعية أكثر قوة وفعالية داخل الإطار الدستوري. فالدولة القوية لا تحتاج بالضرورة إلى أحزاب ضعيفة، كما أن الاستقرار لا يتعارض مع وجود مؤسسات منتخبة ذات مصداقية؛ بل إن قوة المؤسسات السياسية يمكن أن تعزز الاستقرار، لأنها توفر قنوات مؤسساتية للتعبير والمشاركة والمساءلة وتحويل المطالب الاجتماعية إلى سياسات قابلة للنقاش والتقييم.

لهذا فإن حماية الديمقراطية لا تبدأ وتنتهي عند الصندوق. نزاهة الاقتراع شرط أساسي، لكنها ليست الشرط الوحيد. فالمطلوب أيضا تكافؤ معقول في شروط المنافسة، وشفافية التمويل، وديمقراطية داخلية حقيقية للأحزاب، وآليات أكثر مؤسسية لاختيار المرشحين، وربط التنافس السياسي بالكفاءة والبرنامج، وضمان أن تتحول نتائج الاقتراع إلى تمثيل مؤسساتي يعكس منطق التنافس الديمقراطي لا مجرد موازين النفوذ.

في النهاية، ليست المشكلة في أن يفوز حزب أو يخسر حزب آخر، ولا في أن تتغير الخريطة الانتخابية من دورة إلى أخرى؛ فهذا جوهر التنافس الديمقراطي. المشكلة تبدأ عندما يفقد المواطن الإحساس بأن صوته قادر على إحداث فرق، أو عندما يشعر بأن الخيارات التي أمامه تشكلت بعيدا عنه، أو أن أثر صوته بعد الاقتراع لم يعد واضحا داخل المؤسسات.

ولهذا فإن السؤال الذي يستحق أن يبقى مفتوحا بعد كل انتخابات ليس فقط: من ربح؟ وإنما: كيف صُنعت القوة التي سمحت له بالفوز؟ وكيف تشكلت الخيارات التي وُضعت أمام الناخب؟ وكيف تحولت تلك النتائج، بعد إعلانها، إلى مواقع فعلية داخل المؤسسات؟

فالديمقراطية لا تبدأ لحظة وضع الورقة في الصندوق، بل قبل ذلك، عندما تكون أمام المواطن خيارات حقيقية، ومنافسة مفتوحة، وأحزاب تنتج الأفكار والنخب، ومؤسسات تسمح لصوته بأن يتحول من مجرد اختيار انتخابي إلى مشاركة فعلية في صناعة القرار.

وحين تُهندس الخيارات قبل أن تُفتح صناديق الاقتراع، ثم تُعاد هندسة موازين القوة بعد إغلاقها، يصبح الدفاع عن الديمقراطية دفاعا عن حق المواطن في صناعة الخيارات نفسها، وعن حقه في أن يجد أثر اختياره داخل المؤسسات، لا مجرد الاختيار بينها.

وهنا تحديدا تبدأ الديمقراطية الحقيقية… قبل الصندوق، ولا تنتهي عنده.