هناك آيات في القرآن الكريم لا تنتهي أسرارها عند حدود اللفظ، ولا تقف إشاراتها عند المعنى الذي يتلقاه العقل في القراءة الأولى، وإنما تفتح للقلب أبواباً من التأمل كلما عاد إليها الإنسان مرة بعد أخرى. ومن بين هذه الآيات تلك التي افتتحت بها سورة القلم: ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ﴾. حرف واحد، ثم قلم، ثم سطور. وكأننا أمام مشهد أول للمعرفة، يبدأ بحرف غامض، وينتهي بالكتابة، وما بين الحرف والقلم والسطور سر من أسرار العلم.
ما هذه النون؟ وأي سر أودع فيها؟ وأي علاقة يمكن أن تكون بينها وبين القلم الذي أقسم الله به؟ لا نزعم أن لنا في ذلك تفسيراً قطعياً، ولا ندعي أن النون لا تحتمل إلا معنى واحداً، فالحروف المقطعة من أسرار القرآن التي اختلفت فيها أقوال أهل التفسير والتأويل. وإنما نقف معها وقفة إشارية، ونترك للروح أن تتأملها في سياق القلم والكتابة، فنراها رمزاً للدواة، ومصدراً للمداد الذي يغمس فيه القلم قبل أن يخط أول حرف على الصفحة.
فالقلم لا يكتب من ذاته. مهما كان جميلاً، ومهما بلغت دقة صنعه، فإنه يظل عاجزاً عن ترك أثر ما لم يجد مداداً يستمد منه الكتابة. القلم أداة، والمداد سر قدرته على الأثر. وإذا كان القلم في هذه القراءة رمزاً للعقل والعلم والمعرفة، فإن النون تصبح رمزاً للمصدر الذي يستمد منه هذا القلم مداده. ومن هنا تبدأ الحكاية: نون ومداد وقلم وكتابة؛ ومن الكتابة يولد العلم، ومن العلم تتفرع المعارف، ومن المعارف يبحث الإنسان عن الحكمة.
ولعل في هذا المشهد ما يذكرنا بأن الإنسان، مهما بلغ من العلم، ليس خالقاً للحقيقة وإنما هو كاشف عنها. فالعالم لا يخلق قوانين الطبيعة، وإنما يكتشفها. والرياضي لا يخلق النظام الكامن في الأعداد، وإنما يكشف العلاقات التي تنتظم بها. والطبيب لا يخلق أسرار الجسد، وإنما يقرأها. والفيلسوف لا يخلق سؤال الوجود، وإنما يصغي إليه ويحاول أن يفهمه. والاقتصادي لا يخلق قوانين السلوك والتبادل، وإنما يبحث في انتظاماتها. وعالم الفلك لا يضع نظام النجوم، وإنما يرفع عينيه إلى السماء ليقرأ شيئاً من الكتاب المفتوح أمامه.
إن العالم، بهذا المعنى، قارئ قبل أن يكون كاتباً. إنه يغمس قلمه في مداد المعرفة، ثم يخط على صفحات العلم ما استطاع أن يقرأه من كتاب الوجود. وكل علم، مهما بدا مستقلاً عن غيره، ليس إلا محاولة لقراءة صفحة من هذا الكتاب العظيم. الفلسفة تقرأ الوجود والمعرفة والحقيقة، والرياضيات تقرأ النظام والعلاقات والكم، والفيزياء تقرأ قوانين المادة والطاقة، والكيمياء تقرأ تركيب الأشياء وتحولاتها، والبيولوجيا تقرأ الحياة، والطب يقرأ الجسد والمرض والشفاء، والاقتصاد يقرأ الإنسان في علاقته بالموارد والاختيار والتبادل، وعلم الاجتماع يقرأ الإنسان في علاقته بالإنسان، وعلوم الحاسوب تقرأ المعلومات والحساب والذكاء.
تختلف اللغات، وتتعدد المناهج، وتتباين الأدوات، ولكن خلف هذا التنوع كله شغف إنساني واحد: أن نعرف. ولعل العلوم كلها، في نهاية المطاف، ليست إلا أغصاناً كثيرة لشجرة واحدة، شجرة المعرفة، وجذورها غائرة في سؤال الإنسان الأول: ما هذا الوجود؟ وكيف يعمل؟ وما سر انتظامه؟ ومن أين جاء؟ وإلى أين يمضي؟ فإذا كانت العلوم فروعاً كثيرة، فإن أصلها واحد: الدهشة أمام الوجود، والرغبة في فهمه.
ومن هنا يمكن أن تصبح النون، في القراءة الإشارية، صورة لذلك الأصل الذي تتفرع منه شجرة المعرفة. ليست النون علماً بعينه، ولا مذهباً معرفياً محدداً، وإنما هي رمز للمصدر الذي يستمد منه القلم مداده. وكما أن الحروف، على اختلافها، تتآلف لتصنع الكلمات والكتب، فإن العلوم، على اختلافها، تتآلف لتصنع صورة الإنسان عن العالم.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه بعد ذلك هو: ماذا يحدث عندما يزداد العلم ولا تزداد الحكمة؟ ماذا يحدث عندما يصبح القلم أكثر قدرة على الكتابة، بينما يفقد الإنسان القدرة على معرفة ما ينبغي أن يكتب؟ هنا تبدأ المسافة بين العلم والحكمة، وبين المعرفة والبصيرة.
فالعلم يمنح الإنسان القدرة، لكنه لا يحدد له دائماً الغاية. يستطيع الإنسان أن يعرف كيف يفعل، ولكن يبقى عليه أن يسأل: لماذا يفعل؟ وهل ينبغي له أن يفعل؟ قد يعرف كيف يصنع السلاح، ولكنه لا يعرف كيف يمنع الظلم. وقد يعرف كيف يضاعف الإنتاج، ولكنه لا يعرف كيف يحقق العدالة. وقد يستطيع أن يخلق تقنيات شديدة القوة، ولكنه لا يمتلك بالضرورة الحكمة التي تمنعه من إساءة استخدامها. وقد يجعل الآلة أكثر ذكاءً، دون أن يجعل الإنسان أكثر حكمة.
وهنا تكمن إحدى أعظم قضايا عصرنا: ماذا يحدث للعلم حين ينفصل عن النور؟
إن المشكلة ليست في العلم، وإنما في انفصال العلم عن الغاية الأخلاقية والإنسانية التي تمنحه معناه. فالعلم قوة، وكل قوة تحتاج إلى بصيرة. والمعرفة قدرة، وكل قدرة تحتاج إلى مسؤولية. والقلم يمكن أن يبني ويمكن أن يهدم، ويمكن أن يهدي ويمكن أن يضل، ويمكن أن يرفع الإنسان ويمكن أن يستخدم في تبرير الظلم. ولذلك لم يكن السؤال الحقيقي في تاريخ الإنسانية هو مقدار ما يعرفه الإنسان فحسب، وإنما ماذا صنعت به معرفته.
هل جعلته المعرفة أكثر تواضعاً أم أكثر غروراً؟ هل جعلته أكثر رحمة أم أكثر قسوة؟ هل جعلته أكثر قرباً من الحقيقة أم أكثر وهماً بامتلاكها؟ هل وسعت المعرفة قلبه بقدر ما وسعت عقله؟
إن العلم الذي يجعل الإنسان يظن أنه أحاط بكل شيء قد يتحول إلى حجاب، أما العلم الذي يجعله أكثر وعياً بحدود عقله، وأكثر دهشة أمام اتساع الكون، وأكثر تواضعاً أمام أسرار الحياة، فهو علم يفتح أبواب الحكمة. فكلما اتسعت دائرة ما نعرفه، اتسعت أمامنا دائرة ما لا نعرفه. وكلما اكتشف الإنسان سراً من أسرار الكون، وجد وراءه أسراراً أخرى، وكأن المعرفة الحقيقية لا تغلق أبواب السؤال، وإنما تفتحها.
ومن هنا يصبح العلم، بالنسبة إلى المؤمن، أكثر من مجرد تراكم للمعارف. إنه قراءة للسنن التي أودعها الله في خلقه. فالله سبحانه وتعالى هو خالق الكون، والإنسان لا يخلق قوانينه وإنما يكتشف بعضها. وحين يكتشف العالم قانوناً من قوانين الطبيعة، فإنه لا يضيف قانوناً إلى الكون، وإنما يرفع شيئاً من الحجاب عن قانون كان قائماً قبل أن يعرفه الإنسان.
وهنا يمكن أن يلتقي العلم بالتفكر. فالقرآن يدعو الإنسان إلى النظر في الآفاق والأنفس، ويقول تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾. فالكون، في هذه الرؤية، ليس مجرد مادة صامتة، وإنما هو مجال للآيات والعلامات والدلالات. والإنسان لا يقرأ كتاباً واحداً فقط؛ إنه يقرأ الكتاب المسطور، ويقرأ كذلك الكتاب المنشور في الآفاق والأنفس.
هناك آيات تتلى، وآيات تُرى، وآيات تُكتشف. وهناك كتاب يقرأه الإنسان بعينه، وكتاب يقرأه بعقله، وكتاب يقرأه بقلبه. والعلم يقرأ شيئاً من الكتاب الكوني، والوحي يهدي الإنسان في الكتاب المسطور، والحكمة تحاول أن تصل بين القراءتين حتى لا يتحول العقل إلى آلة منفصلة عن المعنى.
ومن هنا لا يكون الوحي منافساً للعلم، ولا يكون العلم بديلاً عن الوحي. لكل منهما مجاله، ولكن الإنسان الكامل في معرفته هو الذي يستطيع أن يجمع بين العقل الذي يبحث، والقلب الذي يتفكر، والوحي الذي يهدي. فالعلم يمكن أن يخبرنا كيف تعمل الأشياء، بينما يظل سؤال الغاية والقيمة والمسؤولية سؤالاً يتجاوز التجربة العلمية وحدها.
ولذلك فإن الحديث عن قداسة العلم لا يعني تأليه العلم، ولا يعني أن كل ما ينتجه الإنسان من معرفة هو حق مطلق، وإنما يعني أن طلب العلم يمكن أن يكون فعلاً سامياً حين يتحول إلى بحث صادق عن الحقيقة، وحين يقترن بالتواضع والأمانة والمسؤولية. قداسة العلم ليست في كثرة المعلومات، وإنما في صدق الرحلة نحو الحقيقة.
وهنا تعود النون مرة أخرى.
إنها الدواة الرمزية التي يغمس فيها القلم. والقلم هو العقل الباحث، والمداد هو المعرفة، والكتابة هي أثر الإنسان في العالم. ولكن ماذا لو كان المداد نفسه نوراً؟ ماذا لو لم يكن القلم يكتب من مداد الغرور، ولا من مداد القوة، ولا من مداد الرغبة في السيطرة، وإنما من مداد المعرفة التي تقود إلى الحكمة؟
عندها يصبح العلم طريقاً آخر إلى النور.
يقول تعالى: ﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. وفي هذا الأفق الإيماني لا يصبح العلم بديلاً عن النور، وإنما يصبح الإنسان، من خلال العلم والتفكر، قادراً على اكتشاف بعض آثار الحكمة والنظام في الخلق. فكل قانون يكتشفه، وكل نظام يفهمه، وكل سر من أسرار الحياة يكشفه، يمكن أن يفتح أمامه باباً جديداً للتأمل في عظمة الخالق، بشرط ألا يحول الاكتشاف إلى غرور، وألا تتحول المعرفة إلى وهم بالاستغناء.
وهكذا لا تكون الغاية من العلم أن يقول الإنسان: لقد عرفت كل شيء، وإنما أن يصل إلى مقام أعمق يقول فيه: كلما عرفت، أدركت كم أجهل.
ذلك هو التواضع الذي يولد من العلم.
وذلك هو الفرق بين العلم الذي يضيء العقل والعلم الذي يضيء الإنسان.
إن الدعوة النونية، في جوهرها، ليست دعوة إلى علم جديد، وإنما دعوة إلى استعادة الروح في العلم. إنها دعوة إلى أن يعود القلم إلى مداده، وأن يعود العلم إلى حكمته، وأن يعود العقل إلى تواضعه، وأن تعود المعرفة إلى سؤالها الأول: الحقيقة.
إنها دعوة إلى أن نقرأ الطبيعة دون أن ننسى خالقها، وأن نقرأ الإنسان دون أن نفقد إنسانيتنا، وأن نقرأ الأرقام دون أن ننسى المعاني، وأن نقرأ التكنولوجيا دون أن ننسى المسؤولية، وأن نقرأ التاريخ دون أن ننسى الحكمة.
إنها دعوة إلى أن لا يكون العلم مجرد وسيلة للسيطرة على العالم، بل وسيلة لفهمه؛ وألا يكون العقل مجرد آلة لإنتاج المعرفة، بل أداة للتمييز بين ما نستطيع فعله وما ينبغي لنا فعله.
وفي النهاية، ربما لا تكون النون في هذه الرحلة مجرد حرف، ولا القلم مجرد أداة، ولا الكتابة مجرد أثر مادي. ربما يصبح المشهد كله رمزاً لعلاقة الإنسان بالمعرفة: مصدر، ومداد، وقلم، وسطر، ثم معنى.
بدأنا من نون، ثم رأينا القلم، ثم رأينا الكتابة، ثم رأينا العلوم تتشعب كالأغصان من شجرة واحدة. رأينا الفلسفة تسأل، والرياضيات تنظم، والفيزياء تكشف، والطب يداوي، والاقتصاد يفسر، والعلوم الإنسانية تبحث في الإنسان، والتكنولوجيا توسع حدود قدرته. ثم اكتشفنا أن وراء كل هذا التنوع سؤالاً واحداً: كيف نفهم هذا الوجود؟
ثم قادنا العلم إلى الحكمة، وقادتنا الحكمة إلى النور، فعاد بنا الطريق إلى حيث بدأ.
إلى النون.
لكننا لا نعود إليها كما بدأنا. في البداية كانت حرفاً غامضاً أمام أعيننا، وفي النهاية أصبحت رمزاً لدعوة كاملة: أن يكون القلم موصولاً بمداده، وأن يكون العلم موصولاً بالحكمة، وأن تكون المعرفة موصولة بالأخلاق، وأن يكون العقل مستنيراً بالتواضع.
فالقلم بلا مداد لا يكتب، والعلم بلا حكمة قد يضل، والمعرفة بلا أخلاق قد تتحول إلى قوة عمياء.
أما حين يغمس الإنسان قلمه في مداد النور، فإن الحروف لا تبقى حروفاً؛ تتحول إلى معنى، والمعنى إلى معرفة، والمعرفة إلى حكمة، والحكمة إلى بصيرة.
وهنا ربما تكمن الدعوة النونية:
أن نتعلم لا لكي نمتلك الحقيقة، بل لكي نقترب منها؛ وأن نكتب لا لكي نملأ الصفحات، بل لكي نترك في العالم أثراً من المعنى؛ وأن نطلب العلم لا لكي نزداد علواً على الناس، بل لكي نزداد تواضعاً أمام الحقيقة.
فكل علم يفتح لنا باباً من أبواب الوجود، وكل باب يفتح لنا سؤالاً جديداً، وكل سؤال صادق يمكن أن يكون بداية رحلة جديدة نحو النور.
ولعل أعظم ما يمكن أن يفعله القلم ليس أن يكتب عن النور، وإنما أن يكتب من مدادٍ يقود إلى النور.
ومن هنا تبدأ الدعوة النونية…
نون، والقلم، وما يسطرون.