تواجه حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، التي كلفها الملك محمد السادس بتشكيل الحكومة عقب الانتخابات التشريعية لسنة 2026، أجندة تشريعية تتوزع بين مشاريع قوانين ما تزال عالقة داخل مجلس النواب، ونصوص أخرى تنتظر استكمال النقاش داخل القطاعات الحكومية والمؤسسات المعنية، إلى جانب أوراش تشريعية ذات حساسية سياسية واجتماعية، في مقدمتها القانون الجنائي ومدونة الأسرة.
ولا يقتصر التحدي الذي ينتظر التحالف الحكومي، المكون من أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، على استكمال المسار التشريعي للنصوص التي أحالتها الحكومة السابقة على البرلمان، بل يمتد إلى ترجمة الالتزامات الواردة في البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية إلى مشاريع قوانين وتدابير ملموسة، في سياق تترقب فيه فئات واسعة من المغاربة انعكاس الوعود الانتخابية على التشريع والسياسات العمومية.
وتكشف لائحة مشاريع القوانين المعروضة على مجلس النواب عن تنوع الملفات التي تنتظر الحسم، من إصلاح المنظومة الصحية وتحديث المؤسسات العمومية، إلى تنظيم بعض الأنشطة الاقتصادية، وتعزيز التعاون الدولي في المجالات الأمنية والعسكرية والتجارية. وبينما تختلف طبيعة هذه النصوص ودرجة تقدمها في المسطرة التشريعية، فإن استكمال دراستها والمصادقة عليها سيضع الحكومة الجديدة أمام اختبار تدبير الأولويات والتنسيق بين القطاعات المعنية والمؤسسة التشريعية.
أوراش مؤجلة بامتدادات سياسية واجتماعية
في مقدمة الملفات التي تنتظر الحكومة الجديدة، يبرز مشروع القانون الجنائي ومدونة الأسرة، باعتبارهما من الأوراش التشريعية التي تتجاوز آثارها حدود التعديلات القانونية التقنية، بالنظر إلى ارتباطهما بمنظومة العدالة والحريات الفردية والأسرة والتوازنات الاجتماعية.
ويطرح استمرار النقاش حول هذين الملفين تحديا أمام الحكومة، يتعلق بقدرتها على تدبير الاختلافات في وجهات النظر بين المؤسسات والقطاعات المعنية، والوصول إلى صيغ تشريعية تحظى بالتوافق اللازم، دون إغفال النقاش المجتمعي الذي يرافق الإصلاحات المرتبطة بهما.
وفي الوقت الذي ينتظر فيه استكمال النقاش حول هذه الأوراش، سيكون على الحكومة الجديدة تحديد أولوياتها التشريعية، وتوضيح الجدولة الزمنية التي تعتزم اعتمادها لإخراج النصوص التي ما تزال قيد الدراسة، خصوصا تلك التي يرتبط بها انتظار مجتمعي وحقوقي واسع.
مشاريع قوانين عالقة بالبرلمان
وتضم لائحة مشاريع القوانين المتاحة على البوابة الرسمية للمجلس، والتي أحيلت على مجلس النواب ولم تستكمل مسارها التشريعي مجموعة من النصوص المرتبطة بتدبير المرافق العمومية وتحديث الإطار القانوني لقطاعات اقتصادية واجتماعية مختلفة.
ومن أبرز هذه المشاريع، مشروع القانون رقم 052.26 المتعلق بالمنظومة المعلوماتية الصحية الوطنية المندمجة، الذي أحيل على المجلس يوم 31 يوليوز 2026، في سياق تتزايد فيه أهمية رقمنة القطاع الصحي وتطوير تبادل المعطيات بين مختلف مكوناته.
كما ينتظر مشروع القانون رقم 05.26 المتعلق بنظام الأرصاد الجوية والمناخ وبإحداث الوكالة المغربية للأرصاد الجوية والمناخ، الذي أحالته الحكومة على مجلس النواب في 7 غشت 2026، وهو نص يرتبط بتطوير الإطار المؤسساتي والقانوني المنظم للأرصاد الجوية والمناخ.
وفي السياق نفسه، يوجد مشروع القانون رقم 03.26 المتعلق بتحويل المختبر الرسمي للتحليلات والبحوث الكيميائية بالدار البيضاء إلى شركة مساهمة، الذي أحيل بدوره على مجلس النواب في 31 يوليوز 2026، بما يضع مستقبل الإطار القانوني لهذا المرفق ضمن الملفات التي تنتظر استكمال المسطرة التشريعية.
وعلى مستوى تنظيم الأنشطة الاقتصادية، تشمل اللائحة مشروع القانون رقم 36.23 بتغيير وتتميم القانون رقم 14.08 المتعلق ببيع السمك بالجملة، الذي أحيل على لجنة القطاعات الإنتاجية في 23 يونيو 2026، إلى جانب مشروع القانون رقم 22.25 المتعلق باعتماد هيئات تقييم المطابقة، الذي أحيل على اللجنة نفسها في 13 فبراير 2026.
وتبرز أهمية هذه المشاريع في ارتباطها بأطر تنظيمية ومؤسساتية مختلفة، غير أن تحديد ترتيبها ضمن الأولويات الحكومية يظل رهينا بطبيعة الملاحظات المطروحة بشأنها، ومدى تقدم مناقشتها داخل اللجان البرلمانية، فضلا عن موقف القطاعات الحكومية المعنية من التعديلات المحتملة.
اتفاقيات دولية في رفوف البرلمان
وتشكل مشاريع القوانين المتعلقة بالموافقة على الاتفاقيات الدولية جزءا مهما من اللائحة المعروضة، إذ أحيل عدد منها على لجنة الخارجية والدفاع الوطني والشؤون الإسلامية وشؤون الهجرة والمغاربة المقيمين في الخارج بمجلس النواب في 9 يونيو 2026.
وتشمل هذه النصوص مشاريع مرتبطة بالتعاون العسكري والأمني، من بينها مشروع القانون رقم 065.25 المتعلق باتفاق التعاون العسكري بين المغرب وليبيريا، ومشروع القانون رقم 046.25 المتعلق باتفاق التعاون العسكري مع رواندا، ومشروع القانون رقم 45.25 المتعلق بالتعاون العسكري مع إثيوبيا، إضافة إلى مشروع القانون رقم 17.25 المتعلق بالتعاون العسكري مع الجمهورية التشيكية.
كما تضم اللائحة مشروع القانون رقم 01.26 المتعلق بالاتفاق بين الحكومة المغربية والشبكة الإفريقية لهيئات الأمن السيبراني بشأن إنشاء مركز الدعم والتنسيق الإقليمي للاستجابة للحوادث السيبرانية بالمغرب، إلى جانب مشروع القانون رقم 011.26 المتعلق بالموافقة على اتفاقية نقل المحكوم عليهم بعقوبات سالبة للحرية بين المغرب والأردن.
وفي مجال النقل الجوي، تنتظر المصادقة مشاريع قوانين الموافقة على اتفاقيات الخدمات الجوية مع غامبيا، بموجب مشروع القانون رقم 070.25، ورواندا بموجب مشروع القانون رقم 067.25، وبنين بموجب مشروع القانون رقم 66.25.
أما على مستوى التعاون الاقتصادي والتجاري، فتشمل اللائحة مشروع القانون رقم 060.25 المتعلق بالاتفاقية المغربية السعودية للاعتراف المتبادل ببرنامج المشغل الاقتصادي المعتمد، ومشروع القانون رقم 52.25 المتعلق ببروتوكول تعديل اتفاق مراكش المنشئ لمنظمة التجارة العالمية بشأن دعم الصيد.
وتضم أيضا مشروع القانون رقم 032.25 المتعلق باتفاق البلد المضيف بين المغرب ووكالة تنمية الاتحاد الإفريقي، المعروفة باسم “أودا-نيباد”، بشأن إحداث مكتب وطني للوكالة بالمغرب، ومشروع القانون رقم 42.23 المتعلق بالموافقة على دستور واتفاقية الاتحاد الإفريقي للاتصالات.
كما تشمل مشروع القانون رقم 07.26 المتعلق بملحق اتفاق التعاون التقني والاقتصادي بشأن المؤسسات السياسية الألمانية بالمغرب، ومشروع القانون رقم 56.25 المتعلق بالاتفاقية الدولية لنقل المحكومين بين المغرب والعراق، فضلا عن مشروع القانون رقم 060.25 الخاص بالتعاون الجمركي مع السعودية المشار إليه أعلاه، ومشروع القانون رقم 011.26 المتعلق بنقل المحكوم عليهم بين المغرب والأردن.
وتتضمن اللائحة كذلك مشاريع قوانين للموافقة على اتفاقيات دولية أخرى، بما يجعل استكمال مسطرتها التشريعية جزءا من الأجندة التي تنتظر البرلمان والحكومة، مع ضرورة التمييز بين تاريخ إحالة كل مشروع والمرحلة الفعلية التي بلغها في المناقشة والمصادقة.
الأغلبية أمام اختبار الوفاء بالتعهدات
وإلى جانب المشاريع التي تنتظر استكمال مسارها داخل البرلمان، تواجه الحكومة الجديدة تحديا آخر يتمثل في تنزيل الالتزامات التشريعية التي أفرزتها البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للتحالف الحكومي، وهي الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية.
ومن بين الملفات التي تطرح نفسها في هذا السياق مشروع قانون تضارب المصالح، الذي نادى به حزب الأصالة والمعاصرة، الذي يقود الحكومة الحالية، خلال حملته الانتخابية، في إطار تعهداته المرتبطة بتعزيز النزاهة والشفافية في تدبير الشأن العام.
ويرتقب أن يشكل هذا المشروع أحد الاختبارات المرتبطة بمدى قدرة الحزب على تحويل الالتزامات التي قدمها للناخبين إلى نصوص قانونية ملموسة، من خلال تحديد الحالات التي قد تتعارض فيها المصالح الخاصة مع المسؤوليات العمومية، ووضع ضوابط واضحة لتدبيرها والحد من تضارب المصالح في ممارسة المهام والوظائف العمومية.
ويبرز أيضا ملف مراجعة مدونة الشغل، الذي يطرح أسئلة تتعلق بتطوير الإطار القانوني للعلاقات المهنية، وتحقيق التوازن بين حماية حقوق الأجراء ومراعاة متطلبات المقاولات، فضلا عن مدى قدرة الإصلاح المرتقب على الاستجابة للتحولات التي يعرفها سوق الشغل.
ومن الملفات التي تنتظر بدورها بلورة تشريعية مشروع قانون إحداث مجلس وطني خاص بالمناطق الجبلية، الذي اقترحه حزب التقدم والاشتراكية ضمن برنامجه الانتخابي، وسبق له أن تقدم به خلال الولاية التشريعية السابقة في شكل مقترح قانون، في إطار الدعوة إلى إرساء آلية مؤسساتية تعنى بقضايا هذه المناطق وتدعم تنميتها.
وتبرز أهمية هذا المشروع بالنظر إلى الخصوصيات المجالية والاجتماعية والاقتصادية للمناطق الجبلية، وما تواجهه من تحديات مرتبطة بالبنيات التحتية والولوج إلى الخدمات الأساسية وفك العزلة وتحقيق التنمية المحلية. ويضع إدراج هذا الورش ضمن الالتزامات السياسية للحزب الحكومة الجديدة أمام سؤال مدى قدرتها على إخراج إطار مؤسساتي يستجيب لخصوصيات هذه المجالات، ويعزز التنسيق بين مختلف المتدخلين في السياسات العمومية الموجهة إليها.
كما يبرز مشروع قانون إحداث شركات جهوية متخصصة في توزيع المواد الغذائية الأساسية، الذي اقترحه كل من حزب الاستقلال وحزب الأصالة والمعاصرة ضمن برامجهما الانتخابية، باعتباره أحد الملفات التي تستدعي توضيح طبيعة النموذج المقترح لتدبير التوزيع، والأهداف المنتظرة منه، وعلاقته بتنظيم الأسواق وضمان التموين وتحسين الولوج إلى المواد الأساسية.
ويضع هذا المقترح الحزبين معا أمام اختبار ترجمة التزاماتهما الانتخابية إلى تصور قانوني قابل للتنفيذ، يحدد طبيعة هذه الشركات واختصاصاتها وآليات اشتغالها، ومدى مساهمتها في تحسين سلاسل توزيع المواد الغذائية الأساسية والحد من الاختلالات التي قد تؤثر على تموين الأسواق.