علمت جريدة “العمق” من مصادر موثوقة، أن اللجنة المكلفة بإعداد ميثاق الأغلبية الحكومية الجديدة، التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري، أنهت أشغالها أمس الأربعاء، بعد اجتماع امتد إلى حدود الساعة السادسة مساء بمقر حزب الأصالة والمعاصرة، بحضور ممثلين عن الأحزاب الأربعة المشكلة لتحالف الأغلبية، في انتظار عرض الصيغة النهائية للوثيقة على الأمناء العامين للمصادقة عليها أو إدخال تعديلات محتملة على مضامينها.
وكشف مصدر مطلع لجريدة “العمق” أن الميثاق الجديد يحمل نفسا حقوقيا وديمقراطيا واضحا، ويؤكد على ضرورة أجرأة المبادئ والالتزامات التي يتضمنها، وعدم الاكتفاء بتحويله إلى مجرد وثيقة سياسية شكلية، مشيرا إلى أن النقاشات التي رافقت إعداده انصبت على وضع قواعد عملية لتنظيم العلاقة بين مكونات الأغلبية وضمان انسجام عملها الحكومي والبرلماني.
وأوضح المصدر ذاته أن إحدى أبرز المستجدات التي يتضمنها الميثاق تتمثل في التمييز بين حرية النقاش والتعبير عن المواقف داخل الأغلبية، وبين الالتزام السياسي عند التصويت، إذ تتجه الوثيقة إلى تكريس حق البرلمانيين المنتمين إلى أحزاب التحالف في النقاش الحر وطرح الأسئلة وإبداء الآراء بشأن مختلف القضايا والاختيارات الحكومية، دون تضييق أو تقييد لهذه المساحة الديمقراطية.
وفي المقابل، يشدد الميثاق، وفق معطيات المصدر، على أن الالتزام بمواقف الأغلبية يجب أن يتجسد أساسا في محطات التصويت، بما يضمن الانسجام السياسي والبرلماني بين مكونات التحالف، دون أن يتحول مبدأ التضامن الحكومي إلى آلية للتماهي مع اختيارات الحكومة والحد من حرية النقاش أو مساءلة أعضاء الحكومة بشأن السياسات العمومية والقرارات المتخذة، دون أن يؤدي ذلك بالضرورة إلى اعتبار مواقفهم خروجا عن الانضباط السياسي للتحالف.
ويعكس هذا التوجه، بحسب المعطيات المتوفرة، حرص الأحزاب الأربعة على التوفيق بين متطلبات الانضباط السياسي داخل الأغلبية واحترام حق البرلمانيين في ممارسة أدوارهم الرقابية والتشريعية، بما يسمح باستمرار النقاش الداخلي حول مختلف القضايا، مع ضمان الالتزام بالمواقف المشتركة عند الحسم بالتصويت.
كما يشمل الميثاق تقوية التنسيق مع الجماعات الترابية من أجل مواكبة المشاريع التنموية، بما يسمح بربط التزامات الحكومة المركزية بالأولويات المحلية والجهوية.
وفي ما يتعلق بحجم الوثيقة، أفاد مصدر جريدة “العمق” بأن ميثاق الأغلبية الجديدة جاء في صيغة متوسطة، لا تصل إلى مستوى التفصيل والإسهاب الذي طبع ميثاق الأغلبية الحكومية السابقة بقيادة التجمع الوطني للأحرار، ولا تقتصر في المقابل على الصيغة المختصرة التي اعتمدت خلال مرحلة قيادة حزب العدالة والتنمية للحكومة.
وأضاف المصدر أن الوثيقة تركز على مجموعة من المبادئ والتوجهات الكبرى، وفي مقدمتها التضامن والانسجام بين أحزاب التحالف، وتحديد آليات الاشتغال المشترك، وضبط قواعد التنسيق السياسي والمؤسساتي، إلى جانب ضمان حق البرلمانيين في النقاش الحر وإبداء الملاحظات بشأن القضايا المطروحة.
ومن بين المقتضيات التي تضمنها الميثاق أيضا، وفق المصدر ذاته، التنسيق المسبق بين مكونات الأغلبية في إعداد مشاريع القوانين والنصوص التنظيمية، بما يسمح بتبادل وجهات النظر بشأنها ومناقشة مضامينها قبل المرور إلى المراحل المرتبطة باعتمادها، تفاديا لظهور تباينات في المواقف بين الأحزاب المشاركة في الحكومة.
وكشف المصدر أن الوثيقة تتضمن كذلك مقتضيات تمنح الأمناء العامين لأحزاب الأغلبية إمكانية الاستعانة بخبراء ومتخصصين لتقييم بعض الملفات المطروحة أو تقديم أفكار ومقترحات بشأنها، في خطوة تروم إسناد النقاش السياسي بخبرات تقنية ومعرفية تساعد على دراسة القضايا التي تستدعي التقييم أو تعميق البحث.
وبخصوص المسار المتبقي لاعتماد الميثاق، أكد مصدر “العمق” أن انتهاء اللجنة من إعداد الوثيقة لا يعني المصادقة النهائية عليها، موضحا أن الكلمة الأخيرة ستبقى للأمناء العامين للأحزاب الأربعة، الذين يعود إليهم الحسم في اعتماد الصيغة المنجزة أو إدخال ما يرونه مناسبا من تعديلات قبل إقرارها بشكل نهائي.
وتكتسي هذه الترتيبات أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التركيبة السياسية للأغلبية الحكومية الجديدة، التي تجمع بين أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، وما يستدعيه هذا التحالف من آليات واضحة للتنسيق وتدبير الاختلافات المحتملة بين مكوناته.
ويأتي إعداد ميثاق الأغلبية في أعقاب الإعلان الرسمي، مساء الاثنين الماضي، عن تشكيل التحالف الحكومي الجديد، الذي أكد في بلاغه التأسيسي التزام مكوناته بالعمل المشترك لمواجهة التحديات الاقتصادية والاجتماعية، وتعزيز الحقوق والحريات، وتحقيق العدالة الاجتماعية والإنصاف المجالي.
ويرتقب أن يشكل الميثاق، بعد المصادقة النهائية عليه، المرجعية السياسية والتنظيمية للعلاقة بين أحزاب الأغلبية الجديدة، في وقت تتواصل فيه الترتيبات المرتبطة بتشكيل الحكومة وإعداد برنامجها، وسط ترقب لطبيعة الآليات التي سيعتمدها التحالف لترجمة مبادئ التضامن والانسجام وحرية النقاش إلى ممارسات فعلية خلال الولاية الحكومية المقبلة.