يقتضي تقييم المسار الاقتصادي المغربي تجاوز القراءة التي تكتفي باستعراض معدلات النمو، وحجم الاستثمارات المعلنة، والاعتمادات المرصودة في قوانين المالية. فهذه المؤشرات، على أهميتها، لا تقدم بمفردها صورة مكتملة عن الأداء الاقتصادي، ما لم تربط بمردودية الإنفاق العمومي، وقدرة الاستثمار على خلق القيمة المضافة، وأثر السياسات الحكومية على التشغيل والقدرة الشرائية والتفاوتات الاجتماعية.
ومن هنا تبرز مسألة جوهرية: إلى أي حد استطاع التدبير العمومي تحويل الموارد المالية والاستثمارات المعبأة إلى نتائج تتناسب مع حجم الإمكانات والانتظارات؟
غير أن الأمر لا يتعلق بالتقليل من أهمية الأوراش الاقتصادية والاجتماعية التي انخرط فيها المغرب، وإنما بضرورة إخضاعها لتقييم أكثر صرامة، يميز بين ما أعلن عنه وما نفذ فعليا، وبين حجم الموارد المعبأة والأثر الذي تحقق بفضلها. فالفجوة متى ثبت وجودها بين الطموح والنتائج ليست مجرد إشكال تقني في التنفيذ؛ بل هي مسألة ترتبط بجودة الاختيارات العمومية، وفعالية التنسيق المؤسساتي، ووضوح المسؤوليات، وقدرة الإدارة على تصحيح الاختلالات في الوقت المناسب.
أولا: قانون المالية بين الانضباط المحاسبي والمردودية الاقتصادية
إن قانون المالية هو الأداة المركزية لترجمة الأولويات الحكومية إلى التزامات مالية وبرامج عملية. غير أن الإشكال يبدأ عندما يصبح التوازن الميزانياتي، أو احترام الاعتمادات المرصودة، معيارا غالبا لتقييم الأداء، بينما لا يحظى الأثر الاقتصادي والاجتماعي للإنفاق بالاهتمام نفسه فقد تحترم التوقعات المالية نسبيا، دون أن يتحقق بالمستوى المطلوب أثر الاستثمار على الإنتاجية والتشغيل. وقد ترتفع الاعتمادات المخصصة لقطاع معين، بينما تستمر اختلالات التنفيذ أو تتأخر المشاريع أو تظل جودة الخدمات دون التطلعات وفي هذه الحالات، لا يكون السؤال الأهم هو مقدار ما أنفق، وإنما ما الذي تحقق مقابل هذا الإنفاق، وما تكلفة الفرص التي ضاعت بسبب التأخر أو ضعف الاستهداف.
إن التحدي أمام قانون المالية لا يقتصر على تعبئة الإيرادات وضبط النفقات فقط، بل ينبغي أن يتمثل في إعادة ترتيب الأولويات وفق مردوديتها، وإخضاع البرامج العمومية لتقييم مستقل ومنتظم، وربط المسؤولية عن التنفيذ بالنتائج المحققة وربطها بنجاعة الأداء. كما ينبغي ألا تتحول المحافظة على التوازنات المالية إلى مقاربة محاسبية ضيقة، تعالج الاختلالات الآنية على حساب الاستثمار المنتج، أو تؤجل الإصلاحات التي قد تكون كلفتها أقل اليوم وأكثر ارتفاعا غدا. وفي المقابل لا يمكن تبرير توسيع الإنفاق العمومي دون تحديد مصادر تمويله وقياس أثره ومخاطره المستقبلية والمطلوب إذن ليس الاختيار بين الانضباط المالي والتنمية، وإنما بناء توازن فعلي بينهما، تكون فيه جودة الإنفاق معيارا حاسما في تحديد الأولويات.
ثانيا: الاستثمار المعلن لا يساوي بالضرورة تحولا اقتصاديا
من بين الإشكالات التي تستحق نقاشا نقديا التفاوت المحتمل بين حجم الاستثمار المعلن والأثر الذي يظهر في الاقتصاد الحقيقي. فالاستثمار لا يصبح إنجازا اقتصاديا بمجرد الإعلان عنه أو توقيع اتفاقية بشأنه، وإنما عندما يدخل حيز التنفيذ، ويخلق طاقة إنتاجية إضافية، ويوفر فرص شغل مستدامة، ويولد قيمة مضافة تتجاوز تكلفته.
ويطرح ذلك سؤالا حول المعايير التي يقاس بها نجاح السياسات الاستثمارية: هل يكفي ارتفاع حجم الالتزامات الاستثمارية، أم ينبغي اعتماد مؤشرات أكثر دلالة، مثل نسبة المشاريع المنجزة، ومتوسط مدة انتقالها من الإعلان إلى التنفيذ، وحجم الوظائف التي أحدثتها فعليا، ومقدار القيمة المضافة التي خلقتها؟
إن الاكتفاء بالأرقام الإجمالية قد يحجب تفاوتا مهما بين القطاعات والمناطق، كما قد يخفي ضعفا في قدرة بعض المشاريع على الانتقال من مرحلة البرمجة إلى مرحلة الإنتاج لذلك، فإن التقييم الجدي يقتضي تتبع دورة حياة الاستثمار كاملة، من تعبئة التمويل إلى النتائج الاقتصادية والاجتماعية.
وتزداد أهمية هذه المسألة عندما يتعلق الأمر بالاستثمار العمومي، الذي يفترض أن يهيئ الشروط الضرورية لنمو الاستثمار الخاص، من خلال البنيات التحتية والخدمات والتكوين وتحسين بيئة الأعمال. فإذا لم يظهر أثر هذه الاستثمارات في الإنتاجية أو التشغيل أو تقليص الفوارق المجالية، فإن ذلك يستدعي مراجعة الاختيارات وآليات التنفيذ، بدل الاكتفاء بزيادة الاعتمادات أو إطلاق برامج جديدة.
ثالثا: التدبير الاستباقي ليس إعلانا للنوايا، بل اختبار لقدرة المؤسسات
تختبر جودة الحكامة الاقتصادية عندما تتغير الظروف، لا عندما تسير المؤشرات وفق التوقعات. فارتفاع أسعار الطاقة، أو تراجع الطلب الخارجي، أو تشدد شروط التمويل، أو اضطراب الأسواق المالية، كلها عوامل يمكن أن تضغط على الاقتصاد والميزانية في وقت واحد ولكن الأثر النهائي لهذه الصدمات يتوقف، إلى حد بعيد، على مدى الاستعداد لها. وهنا تبرز إحدى أهم نقاط النقد التدبيري: هل تبنى القرارات الاقتصادية على سيناريوهات متعددة ومؤشرات إنذار مبكر، أم يظل التدخل مرتبطا بظهور الاختلالات واتساع آثارها؟
لا يعني الاستباق ادعاء القدرة على التنبؤ بكل الأزمات، وإنما إعداد خيارات بديلة قبل وقوعها، وتحديد المجالات التي يمكن تعديل نفقاتها، والبرامج الاجتماعية التي ينبغي تحصينها، والإجراءات التي تسمح بحماية المقاولات من الاختناقات المالية.
أما التدخل بعد تفاقم المشكلة، فقد يفرض قرارات أكثر كلفة وأقل فعالية، ويقلص هامش المناورة أمام الدولة. ولذلك ينبغي تقييم الأداء الحكومي ليس فقط بناء على التدابير التي اتخذها أثناء الأزمات، وإنما أيضا على مدى قدرته على اكتشاف المخاطر مبكرا، وتقليل التعرض لها، والاستجابة لها بأقل تكلفة ممكنة.
إن غياب الاستباق، متى ثبت، لا يمثل مجرد تأخر إداري؛ قد يتحول إلى مصدر إضافي لكلفة اقتصادية واجتماعية كان بالإمكان الحد منها.
رابعا: تقلبات بورصة الدار البيضاء تكشف أهمية الثقة، لكنها لا تختصر الوضع الاقتصادي
تستحق تقلبات سوق الأسهم المغربية القراءة في ضوء العلاقة بين التوقعات الاقتصادية وثقة المستثمرين وجودة المعلومات المتاحة. غير أن تحويل تراجع مؤشر البورصة مباشرة إلى حكم على الاقتصاد الوطني يظل تبسيطا لا يخدم التحليل. فالأسعار تتأثر بأرباح الشركات وتقييماتها والسيولة المتاحة وتوقعات المستثمرين والعوامل الخارجية. كما أن انخفاض القيمة السوقية لا يعني بالضرورة خروجا فعليا للرساميل من البلاد، ما لم تؤكد ذلك بيانات مستقلة عن التدفقات المالية.
ومع ذلك فإن السوق المالية تطرح سؤالا مشروعا حول مدى قدرة الاقتصاد على تعبئة الادخار وتمويل المقاولات، وحول مدى اتساع قاعدة المستثمرين، وشفافية المعلومات، وعمق السوق، وتنوع الشركات المدرجة والرهان هنا لا يتمثل في دفع الأسعار إلى الارتفاع بأي ثمن، وإنما في بناء سوق يستند إلى أسس اقتصادية متينة، وتوفر تمويلا أكثر فعالية للمقاولات، وتحمي المستثمرين من اختلالات المعلومات والممارسات غير السليمة ومن ثم ينبغي أن تكون تقلبات البورصة مناسبة لتعميق التحليل، لا لإطلاق أحكام متسرعة؛ وأن يقاس نجاح السياسة الاقتصادية بقدرتها على تعزيز الأسس الإنتاجية والثقة المؤسسية، وليس بحركة مؤشر واحد.
خامسا: من يتحمل مسؤولية الفجوة بين التخطيط والتنفيذ؟
لا يمكن تفسير الاختلالات الاقتصادية متى ثبتت، بعامل واحد أو بإلقاء المسؤولية على الإدارة وحدها. فقد تنتج عن تعقيد المساطر، أو ضعف التنسيق بين المؤسسات، أو عدم ملاءمة بعض البرامج لحاجيات المستفيدين، أو قصور التوقعات، أو غياب التقييم المنتظم، أو تغير الظروف الاقتصادية.
غير أن تعدد الأسباب لا ينبغي أن يتحول إلى وسيلة لتذويب المسؤولية. فكل سياسة عمومية تحتاج إلى أهداف قابلة للقياس، وجدول زمني واضح، وجهة مسؤولة عن التنفيذ، وآلية تسمح بتحديد أسباب التعثر واتخاذ الإجراءات التصحيحية. كما أن نشر النتائج، بما فيها أوجه القصور، ينبغي أن ينظر إليه باعتباره شرطا لتحسين القرار العمومي، لا مجرد إجراء شكلي لتعزيز الشفافية.
ويقتضي الإصلاح الحقيقي الانتقال من ثقافة تركز على الإعلان عن البرامج إلى ثقافة تسائل مردوديتها، ومن تتبع الاعتمادات إلى تقييم الأثر، ومن معالجة التعثرات حالة بحالة إلى البحث عن أسبابها البنيوية فالمساءلة الفعالة لا تبحث عن مسؤول يحمل كل الإخفاقات، وإنما عن خلل محدد، وسبب قابل للتحقق، وإجراء تصحيحي واضح، ونتيجة يمكن قياسها.
سادسا: ما الذي ينبغي تغييره في المرحلة المقبلة؟
إن تجاوز هذه الإشكالات يقتضي وضع الاستباق والمردودية في صلب القرار الاقتصادي، من خلال إجراءات عملية:
- إعداد قانون المالية وفق سيناريوهات متعددة، مع تحديد التدابير الممكن تفعيلها عند تراجع الإيرادات أو ارتفاع كلفة التمويل أو تفاقم الضغوط الخارجية.
- إخضاع الاستثمارات العمومية لتقييم قبلي وبعدي، يحدد تكلفتها الإجمالية وأثرها المتوقع والنتائج المحققة فعليا.
- تطوير لوحة قيادة اقتصادية تربط المؤشرات المالية بالاستثمار والتشغيل والقدرة الشرائية، وتحدد المسؤوليات وآجال التدخل.
- تقليص التأخر في تنفيذ المشاريع وأداء المستحقات، لما لذلك من أثر مباشر على السيولة واستمرارية نشاط المقاولات.
- تحسين توجيه الإنفاق الاجتماعي، مع قياس أثره الفعلي على الأسر والفئات الأكثر هشاشة.
- تعزيز الشفافية في نشر المعطيات الاقتصادية والميزانياتية، بما يسمح بتقييم السياسات على أساس الوقائع لا الانطباعات.
- اعتماد مراجعة دورية للبرامج التي لا تحقق النتائج المنتظرة، بدلا من الاستمرار فيها بالآليات نفسها دون تصحيح.
ولا تتحقق هذه الإصلاحات بمجرد إدراجها في وثائق التخطيط، بل تحتاج إلى إرادة تنفيذية، وتنسيق مؤسساتي، وبيانات موثوقة، واستعداد فعلي لتعديل القرارات عندما تثبت محدودية نتائجها.
خاتمة: التحدي الحقيقي هو فعالية الدولة في تحويل الإمكانات إلى نتائج
إن الرهان الاقتصادي المغربي في المرحلة المقبلة لا يتمثل فقط في المحافظة على معدلات النمو أو ضبط المؤشرات المالية، بل في ضمان التناسق بين الاستقرار المالي والنجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية. فالتوازنات الكبرى تظل ضرورية، لكنها لا تكفي وحدها للحكم على نجاح النموذج الاقتصادي ما لم تنعكس على الاستثمار المنتج والتشغيل والقدرة الشرائية وجودة الخدمات.
وتقتضي القراءة النقدية الرصينة التمييز بين ما تحقق فعليا وما لا يزال في مستوى الأهداف، وبين الصدمات الخارجية التي يصعب التحكم فيها والاختلالات الداخلية التي يمكن إصلاحها، وبين محدودية الموارد وضعف استخدامها عندما يثبت ذلك.
إن جوهر الإصلاح لا يكمن في إطلاق برامج إضافية بقدر ما يكمن في تحسين تنفيذ البرامج القائمة، وإعادة ترتيب الأولويات، وربط المسؤولية بالنتائج، وإدماج المخاطر في القرار المالي قبل أن تتحول إلى أعباء يصعب احتواؤها.
فالمعيار الحقيقي لنجاح السياسة الاقتصادية ليس حجم ما تعلنه الدولة من مشاريع وموارد، وإنما قدرتها على تحويل هذه الموارد إلى نتائج قابلة للقياس، وعلى تصحيح اختياراتها عندما تكشف الوقائع أن المردودية لم تكن في مستوى التوقعات.