يعتبر استقبال الملك محمد السادس لفاطمة الزهراء المنصوري، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بصفتها رئيسة الحكومة المكلّفة بتشكيل الحكومة الجديدة، بعد استقبالها للتعيين الملكي في 29 شتنبر 2026، محطة لافتة في مسار تشكيل الحكومات بالمغرب. ليُطرح التساؤل حول ما إذا كان هذا الاستقبال الملكي لرئيس حكومة بصدد تشكيل حكومته سابقة بروتوكولية لم تحدث من قبل، أم أنه يكتسي دلالة سياسية خاصة بسبب توقيته ومضمونه؟
قراءة في دلالة الاستقبال الملكي لرئيسة الحكومة المعينة
نصّ بلاغ الديوان الملكي الصادر في 14 أكتوبر 2026 على ما يلي: «استقبل صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، يوم الأربعاء 14 أكتوبر 2026، بالقصر الملكي بالرباط، السيدة فاطمة الزهراء المنصوري، رئيسة الحكومة المكلفة بتشكيل الحكومة الجديدة. وخلال هذا الاستقبال، أَطْلعت السيدة رئيسة الحكومة، صاحب الجلالة الملك محمد السادس، أعزه الله، على مُختلَف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة. وبهذه المناسبة، أعرب جلالة الملك، حفظه الله، للسيدة رئيسة الحكومة المكلفة عن متمنياته لها بالتوفيق والنجاح في مهمتها، مؤكدا جلالته على ما تتطلبه المرحلة المقبلة من تعبئة شاملة، وأداء حكومي جاد ومسؤول، استحضارا لحجم الرهانات والتحديات والانتظارات، وفي مختلف المستويات. ويندرج هذا الاستقبال الملكي في إطار الصلاحيات الدستورية الموكولة لجلالته، وحرصه المولوي على ضمان حسن سير المؤسسات».
وبالتالي، فهناك ثلاث قراءات أساسية تسمح بها صياغة البلاغ وسياقه السياسي.
القراءة الأولى قد تثير التساؤل إن كان البلاغ يعكس صعوبات في المفاوضات بين الأحزاب، حيث إن العبارة الأكثر أهمية هي أن رئيسة الحكومة أطلعت الملك على «مختلف المراحل التي قطعها مسار تشكيل الحكومة». فهذه الصياغة تفتح باب التساؤل عن طبيعة المشاورات، ومدى التقدم الذي أحرزته، وما إذا كانت قد واجهت خلافات حول توزيع الحقائب الوزارية أو تحديد المسؤوليات أو صياغة البرنامج الحكومي. لكنها لا تثبت، في حد ذاتها، وجود هذه الخلافات. فقد يكون الاستقبال إجراءً مؤسساتياً عادياً لإطلاع الملك على تطور المسار.
القراءة الثانية قد تثير التساؤل حول دلالة التأكيد على «التعبئة الشاملة» و«الأداء الحكومي الجاد والمسؤول»؛ حيث يمكن تحليل هاتين العبارتين على مستويين:
- المستوى التوجيهي: من خلال التأكيد على ضرورة تشكيل حكومة منسجمة وقادرة على الاستجابة للانتظارات الاجتماعية والاقتصادية.
- المستوى السياسي: احتمال أن يكون وراء التشديد على الجدية والمسؤولية تنبيه إلى أن المرحلة المقبلة لا تحتمل إطالة المشاورات أو تقديم الحسابات الحزبية الضيقة على متطلبات العمل الحكومي. غير أن المستوى الثاني يظل تأويلاً سياسياً، ولا يمكن الجزم بأنه يعكس عدم رضا ملكياً عن سير المفاوضات.
القراءة الثالثة تتعلق بربط الاستقبال بتركيبة الأغلبية الحكومية والصعوبات التي قد تعترض توزيع الحقائب بين مكونات أغلبية حكومية تضم أربعة أحزاب وهي حزب الأصالة والمعاصرة المتصدر للانتخابات، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. حيث أشار البلاغ المتعلق بها إلى التوافق حول تشكيل أغلبية منسجمة، ذات تقارب فكري وسياسي ورؤية إصلاحية مشتركة. فالإعلان عن الأغلبية لا يعني أن كل العقبات قد زالت، حيث إن الاتفاق السياسي الأولي لا ينهي بالضرورة التفاوض حول توزيع الحقائب الوزارية واختيار الأسماء والاتفاق على أولويات البرنامج الحكومي. فالانتقال من الاتفاق على الأغلبية إلى تشكيل الحكومة فعلياً قد يطرح تحديات تتعلق بتوازنات الأحزاب، وحجم تمثيل كل حزب، وطبيعة الحقائب السيادية والاقتصادية والاجتماعية، ومدى قدرة القيادة الحكومية على ضمان الانسجام.
لكن كيفما كانت الأسباب وراء هذا الاستقبال الملكي، فهو يشكل سابقة في تشكيل الحكومات.
الاستقبال الملكي كسابقة في تشكيل الحكومات
تُظهر المقارنة مع التجارب الحكومية السابقة اختلافاً في طبيعة اللقاءات المعلنة:
- ففي حكومة عبد الإله بنكيران: ارتبط الاستقبال الملكي المعلن بتعيينه رئيساً للحكومة وتكليفه بتشكيلها.
- وفي حكومة سعد الدين العثماني: ارتبط الاستقبال بالتعيين الملكي عقب تعثر مشاورات تشكيل الحكومة في عهد بنكيران.
- وفي حكومة عزيز أخنوش: استقبله الملك يوم 10 شتنبر 2021 وعيّنه رئيساً للحكومة، وكلّفه بتشكيلها.
أما بالنسبة لحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، فقد تميز المسار بإعلان استقبال ملكي ثانٍ، يوم 14 أكتوبر، خُصّص للاطلاع على تقدم المشاورات بعد تكليفها بالتشكيل. وعليه، فإن الجديد الواضح في الحالة الحالية هو الإعلان عن استقبال ملكي مخصص لتتبع تقدم عملية تشكيل الحكومة، منفصل عن استقبال التعيين والتكليف. من هنا يمكن قراءة هذا الاستقبال من خلال ثلاثة مستويات مترابطة:
أولاً: الانتقال من التعيين إلى تتبع التشكيل
فالاستقبال الأول في 29 شتنبر ارتبط بممارسة الملك اختصاصه الدستوري في تعيين رئيسة الحكومة وتكليفها بتشكيلها، بينما جاء استقبال 14 أكتوبر للاطلاع على تقدم المشاورات. ويتيح هذا التمييز قراءة الاستقبال الملكي الثاني باعتباره إشارة مؤسساتية إلى أهمية الوصول إلى حكومة قادرة على الاضطلاع بمهامها.
ثانياً: توجيه رسالة بشأن انتظارات المرحلة المقبلة
لم يقتصر بلاغ الديوان الملكي على الإشارة إلى مشاورات تشكيل الحكومة، بل تضمن التأكيد على التعبئة الشاملة والأداء الحكومي الجاد والمسؤول. ويمكن فهم ذلك باعتباره تشديداً على مسؤولية الحكومة المقبلة في مواجهة التحديات والانتظارات، دون أن يعني بالضرورة وجود خلاف بشأن تشكيلها أو تعثر في المشاورات.
ثالثاً: البعد الرمزي لتولي امرأة رئاسة الحكومة
إن استقبال فاطمة الزهراء المنصوري بهذه الصفة يندرج أيضاً ضمن سياق سياسي غير مسبوق من حيث تولي امرأة رئاسة الحكومة المغربية. لكن لا ينبغي اختزال دلالة هذا الاستقبال في البعد النسائي وحده؛ فهو مرتبط كذلك بمسار تشكيل الحكومة وبالعلاقة المؤسساتية بين الملك ورئيسة الحكومة المكلّفة. فالاستقبال يذكّر بأن تشكيل الحكومة ليس مجرد تفاوض حزبي حول الحقائب الوزارية، بل عملية مؤسساتية ينبغي أن تنتهي إلى تشكيل حكومة قادرة على تحمل المسؤولية.
إن الاستقبال الملكي لفاطمة الزهراء المنصوري قد يُقرأ بوصفه إشارة مؤسساتية إلى ضرورة تسريع تشكيل الحكومة، خصوصاً مع اقتراب الأجل القانوني لإيداع مشروع قانون المالية لسنة 2027. وتزداد وجاهة هذه القراءة لأن الاستقبال جاء بعد الإعلان عن الأغلبية الحكومية، بينما بقي الانتقال إلى تشكيل الفريق الحكومي وتعيين أعضائه بحاجة إلى استكمال.
رابعاً: ضغط الأجندة المالية على المشاورات السياسية
حددت المادة 48 من القانون التنظيمي لقانون المالية تاريخ 20 أكتوبر موعداً أقصى لإيداع مشروع قانون المالية للسنة المقبلة لدى مجلس النواب. ويعني ذلك أن الحكومة المكلفة بالتشكيل كانت تواجه، في 14 أكتوبر، مهلة قصيرة للغاية لاستكمال المسار الحكومي والمالي. وتكمن الصعوبة في أن تشكيل الحكومة لا ينتهي بمجرد الاتفاق على الأغلبية، بل يتطلب استكمال توزيع الحقائب، واقتراح أسماء الوزراء، والتعيين الملكي، ثم المرور بالمراحل الدستورية اللازمة لإعداد مشروع قانون المالية واعتماده وإيداعه. وقد أشارت تقارير صحفية مغربية في 14 أكتوبر إلى احتمال تجاوز أجل 20 أكتوبر، بسبب ضيق الجدول الزمني واستمرار بعض الخلافات بشأن توزيع المسؤوليات الوزارية.
وبالتالي، يمكن التكهن بأن الاستقبال الملكي يُبطن رسالة لتجاوز أي خلافات حزبية داخل الحكومة. وبهذا الصدد يمكن طرح هذا الاحتمال من خلال ثلاث قرائن:
- توقيت الاستقبال: جاء بعد الإعلان عن اتفاق أحزاب الأصالة والمعاصرة والاستقلال والاتحاد الاشتراكي والتقدم والاشتراكية على تشكيل الأغلبية، أي بعد تجاوز مرحلة التفاوض بشأن التحالف والانتقال إلى مرحلة توزيع المسؤوليات.
- مضمون البلاغ: الذي أكد على «التعبئة الشاملة» و«الأداء الحكومي الجاد والمسؤول» حيث يضع تشكيل الحكومة في سياق أوسع من التوافقات الحزبية، هو سياق الاستجابة للرهانات والتحديات والانتظارات.
- الاستعجال المالي: فاقتراب موعد إيداع مشروع قانون المالية يجعل استمرار المشاورات دون حسم مكلفاً من الناحية المؤسساتية والعملية، حتى لو أمكن معالجة التأخر وفق المساطر القانونية.
وعلى الرغم من أن هذه القرائن لا تثبت أن الاستقبال الملكي كان إنذاراً مباشراً للأحزاب أو أن الملك عبّر عن عدم رضاه عن رئيسة الحكومة المكلفة، إلا أن هذا الاستقبال الملكي الثاني لرئيسة الحكومة قبل تشكيل الحكومة قد يؤدي وظيفة التذكير بأهمية استكمال تشكيل الحكومة في وقت يسمح لها بالاضطلاع بمسؤولياتها الدستورية والمالية.
وعموماً، يمكن وصف استقبال الملك لرئيسة الحكومة في 14 أكتوبر 2026 بأنه تطور لافت في مسار تشكيل الحكومة، يتمثل في تخصيص لقاء ملكي معلن لمتابعة تقدم التشكيل بعد التعيين. مما يطرح تساؤلا عريضا حول: هل نحن أمام مجرد متابعة مؤسساتية لمسار تشكيل الحكومة، أم أمام تأكيد على أن تشكيل الأغلبية الحكومية أصبح بدوره موضوعاً لإشارات ملكية متتابعة، في ظل تزايد انتظارات المواطنين من الحكومة الجديدة؟