يمكن التطرق لإشكالية احتساب الأوراق البيضاء بمناسبة انتخاب رئيس مجلس النواب المغربي، من خلال استحضار النظام الداخلي والسوابق التاريخية، حيث ينكشف توتر بنيوي بين النص القانوني والممارسة السياسية.
فبقراءة مقتضيات النظام الداخلي لمجلس النواب، سيما في مواده 167 إلى 174، يمكن استقراء:
أولا: لابد أن نميز بين التصويت على النصوص الذي يكون بموجب المادة 168 علنيا برفع اليد أو بواسطة الجهاز الإلكتروني المعد لذلك، ومسألة انتخاب الشخصيات التي يكون بشأنها التصويت سريا، تبعا لنص نفس المادة التي جاء ضمنها: “غير أن التصويت يكون سريا إذا تعلق الأمر بتعيينات شخصية.”
ثم ثانيا: أن هناك تمييزا إجرائيا مهما، إلا أن ذلك لا يعني الحسم في الإشكال السياسي، فالمادة 173 وهي تحصر صراحة أن الامتناع يعبر عليه بلفظ “ممتنع'”، تؤسس لوجود “الامتناع” كخيار ثالث مستقل عن “نعم” و”لا”، مما يمنح الورقة البيضاء في الاقتراع السري وضعا إجرائيا معترفا به نظريا، كما أن المادة 174 وهي تشير إلى أن المصادقة تتم بـ”أغلبية الأصوات المعبر عنها”، تحيل إلى إمكانية احتساب الأوراق البيضاء، مثلها مثل الملغاة، وهو ما يطابق ما حدث في 2021 حيث فاز المرشح بـ258 صوتا من أصل 279 “صوتا معبرا عنه”، وهذا إذا افترضنا أن المصادقة هي الانتخاب.
ثم ثالثا: إن المادة 171 وهي تقر بأنه: “يتم التصويت بالاقتراع السري كتابة عندما يتعلق الأمر بتعيينات شخصية وذلك بوضع كل نائبة أو نائب بطاقة الاقتراع في الصندوق المخصص لذلك تحت مراقبة الأمناء.” والمادة 173 وهي تعدد صيغ التعبير جاءت كما يلي: (يعبر عن المصادقة بلفظ “نعم”؛ وبعدم المصادقة بلفظ “لا”؛ وفي حالة الامتناع بلفظ “ممتنع”) يطرح معه سؤال التمييز بين “المصادقة” و”الانتخاب” بما أن المصادقة معهود أنها على النص، بينما الانتخاب معهود أنه على الصفة؟ بالإضافة إلى سؤال ما إذا كانت الورقة الفريدة تتوفر على صيغ: لا؛ نعم؛ ممتنع، أو إمكانية كتابتها في الورقة؟
وما دمنا لا نعرف طبيعة الورقة الفريدة، فإننا سنجازف بالقول: لئن لم توجد مادة صريحة تلزم مكتب التصويت بفرز وإحصاء الأوراق البيضاء بشكل منفصل عن الملغاة، فإن هذا الفراغ هو ما استند إليه الرأي القانوني المعارض الذي اعتبر أن التمييز يظل موضع نقاش، في غياب مقتضى صريح يحسم اعتبار الورقة البيضاء امتناعا مستقلا
ويمكن استحضار سابقة 2017، باعتبارها توجها نحو الوضوح النسبي، فانتخاب الحبيب المالكي رئيسا لمجلس النواب حينها شهد تمييزا كميا واضحا، حيث كان الفرز كالتالي: (198 صوتا للمالكي؛ 137 ورقة بيضاء؛ و7 أوراق ملغاة.)
لكن، رغم ذلك لم يشر الإعلان الرسمي إلى أن الـ137 ورقة تمثل امتناعا بالمعنى السياسي، بل بقيت في خانة “الأوراق البيضاء”.
وكذلك حالة 2021، حيث جاء انتخاب رشيد الطالبي العلمي وفق ما يلي: ب(258 صوتا؛ مقابل 4 أصوات للمنافس؛ و34 ورقة ملغاة و17 ورقة بيضاء) فهنا يظهر اللبس مجددا، الشيء الذي يطرح معه سؤال: ما الفرق بين الملغاة (34) والبيضاء (17)؟ ومن يقرر أن الـ17 هي “امتناع” وليس العكس؟
وأما حالة 2026، فما هي إلا استمرار للأزمة المكشوفة، فالحدث الأخير كشف الإشكال بشكل صارخ، فعندما أعلنت النتائج كالآتي: (220 صوتا للتويزي؛ 59 للأزمي الإدريسي)، تم إدراج 90 ورقة ضمن “الأوراق الملغاة” دون تمييز البيضاء منها، ولعل هذا الإدراج الجماعي، الذي اعتبره تحالف اليسار “خرقا مسطريا”، وهو ما استغله نوابه للانسحاب احتجاجا، مطالبين بفصل “الامتناع” عن “الإلغاء” في المحضر الرسمي، وهم يفسرون أن موقفهم السياسي المعبر عنه بالورقة البيضاء، إنما هو امتناع.
وبناء عليه، فإن الإشكالية ليست تقنية فحسب، بل سياسية ومؤسسية، فالنظام الداخلي بتمييزه بين “ممتنع” و”ملغى”، يخلق التزاما أخلاقيا على رئاسة الجلسة بفرز وتصنيف كل ورقة، لأن الخلط بينهما يطمس موقفا سياسيا مشروعا، كما أن التغيب عن الجلسة بشكل منظم وبكيفية مؤسساتية، قد يشكل خيارا آخا للامتناع، لكنه يختلف عن الورقة البيضاء التي تعني الحضور والمشاركة مع رفض الخيارات المطروحة
ولعل وقائع (2017؛ 2021؛ 2026.) تظهر أن الممارسة تتراوح بين الوضوح النسبي والالتباس التام، ما يعكس عدم استقرار ثقافة التدبير البرلماني في المغرب، بينما تبقى الممارسة الدولية المقارنة متعددة، تؤكد أن لكل نظام خياراته، وأن المهم هو اتساق القواعد مع الممارسة، وهو ما يفتقده الحال المغربي حتى الآن.
في النهاية، ما حدث في 2026 ليس مجرد خطأ في عد الأوراق، بل هو اختبار حقيقي لمدى قدرة المؤسسة التشريعية على الانتقال إلى ثقافة المؤسسات والتعددية الحقة، إذ لا يكتسي تسجيل الموقف السياسي في محضر انتخاب رئيس مجلس النواب أهمية إجرائية فحسب، بل هو شرط أساسي لتحويل الامتناع من صمت إلى خيار، ومن عدد إلى موقف، فحين تدرج الأوراق البيضاء ضمن الأوراق الملغاة، لا تفقد النتيجة دقتها فقط، بل يطمس موقف سياسي مشروع، والتصويت السري، وإن كان يحمي حرية النائب فرديا، فإنه لا يمنع المؤسسة من تسجيل العدد الإجمالي للأوراق البيضاء والملغاة بشكل منفصل، وبذلك يحفظ السر الفردي، وتحفظ الشفافية المؤسسية، ويمنح الرئيس المنتخب شرعية أوضح، ويمنح الممتنعون اعترافا بدورهم وموقفهم الواضح.