توطئة لا بد منها: تجنبت الحديث في هذا الموضوع لأسباب كثيرة؛ أخص بالذكر منها أن الخوض في تفاصيل بعض المشاريع الفنية غالباً ما يرافقه سوء فهم أو تأويلات مجانبة للصواب. لذا، أود التأكيد على أن ما أكتبه هنا يأتي في سياق قراءةٍ لمشروعٍ محترم يمتلك العديد من مقومات الجودة. والحديث عنه ليس بقصد التقليل منه أو استهداف القائمين عليه، فليس بيننا إلا كل خير واحترام. بناءً عليه، فإن السطور القادمة لا تمثل نقداً لأشخاص، بل هي تفكيرٌ بصوتٍ عالٍ حول السياسة الثقافية في المغرب، مع تقديم مقترحات من شأنها الانتقال بالفنان المغربي من وضعية “العامل الموضعي/الموسمي” إلى “الفنان بدوام كامل”، بما يضمن العيش الكريم لفئة عريضة من المبدعين.
إن مشروع “نوستالجيا” يندرج ضمن ما يُعرف بـ “مسرح الموقع المحدد” (Site-Specific Theatre)؛ وهو نمط مسرحي تُنجَز عروضه خصيصاً لفضاء بعينه. وإذا أردنا توخي الدقة أكثر، فهو ينتمي إلى عروض “المآثر التاريخية”، وهو جنس فني معتمد عالمياً.
تأتي “نوستالجيا” في سياق صراع السرديات؛ إذ تُبرز كيف يمكن للمسرح أن يبني السردية الوطنية للمغرب من الداخل وبأيدٍ مغربية، بعيداً عن الرؤى الاستشراقية أو الخارجية، وذلك من خلال استحضار الأحداث التاريخية التي شهدتها المعالم الوطنية (والأمثلة في هذا الصدد كثيرة).
ومما يُحسب لهذا المشروع؛ الإقبال الجماهيري الغفير الذي شهده، لا سيما من عامة الشعب. ويعود ذلك أساساً إلى إشراك فنانين تركوا بصمة طيبة على الشاشة الصغيرة؛ وهي خطوة لا تُعاب، بل تُعد استراتيجية تسويقية ذكية ومستحبة متى ما سمحت الميزانية بذلك.
لكن، وما إن تنتهي تلك الأيام المعدودة، حتى تعود حليمة إلى عادتها القديمة؛ فتعود المعلمة إلى حالة الخمود الثقافي دون استثمار أو تثمين لما تحقق، ودون جعل العرض نقطة انطلاق لمشروع تنموي مستدام في كل جهة.
وهنا نسترشد بالخطاب الملكي السامي في افتتاح الدورة التشريعية الحالية، والذي ركز على اللامركزية وتمكين الشباب؛ مما يدفعنا إلى طرح الأسئلة التالية:
• كيف يمكن للسياسة الثقافية بالمغرب أن تكون قاطرة حقيقية لتنزيل اللامركزية؟
• ما هي المقترحات العملية التي توفر للشباب فرص شغل قارة، تُغنيهم عن الهجرة نحو المركز بحثاً عن آفاق جديدة، وتساهم بالتالي في تقليص الفوارق المجالية بين جهات المملكة؟
يزخر المغرب بطاقات واعدة في مختلف المجالات، ولا سيما الفنية والثقافية منها، وهي طاقات أثبتت جدارتها كلما أُتيحت لها الفرصة. وفي هذا الإطار، تشكل المآثر التاريخية حاملاً ذا قيمة مضاعفة: فهي ذاكرة للمجتمع، ورمز ثقافي وحضاري يؤرخ لحقبة زمنية، ويُخلد أمجاد الأجداد وعبقريتهم.
ولتحويل هذا المعطى إلى واقع ملموس، أستعرض المقترح التالي:
1. جرد المآثر التاريخية بالجهات: إعداد قاعدة بيانات دقيقة لعدد المعالم المتاحة بكل جهة (وهو مجهود مبذول بالفعل).
2. خلق مناصب شغل قارة: لنفترض – لتسهيل الحساب – وجود معلمة واحدة في جهة سوس ماسة؛ يُمكن تخصيص 10 مناصب شغل قارة لفنانين في تخصصات متعددة (مخرج، دراماتورج، ممثلون، سينوغراف…) مع إمكانية الانفتاح على تخصصات أخرى. يتولى هذا الفريق إنتاج وإنجاز عروض مسرحية تاريخية أو موجهة للأطفال حسب السياق والإمكانيات، مع الاستعانة بكفاءات إضافية عند الحاجة.
3. توسيع مهام الفريق: لا يقتصر دور الفنانين على تقديم العروض فحسب، بل يمتد ليشمل التعريف بالمعلمة وتقديم الإرشاد السياحي والثقافي للزوار.
4. الشراكة الثلاثية: عقد شراكة مؤسساتية بين وزارة الشباب والثقافة والتواصل، وزارة السياحة، ووزارة التربية الوطنية والتعليم الأولية والرياضة.
5. إدماج الناشئة: تقوم المديريات الجهوية للتربية والتكوين بوضع برنامج زيارات ميدانية منتظمة ومؤطرة لكل مؤسسة تعليمية نحو هذه المعالم، بما يتناسب مع مستويات التلاميذ.
من خلال هذا النموذج، سنحقق عدة مكتسبات:
• أولاً: توفير مناصب شغل قارة للكفاءات المحلية دون الحاجة لاستيرادها من مدن أخرى.
• ثانياً: إثبات أن اللامركزية مشروع تنموي عملي وممكن، وتأكيد قدرة القطاع الثقافي على أن يكون سبّاقاً وقاطرة لهذا التحول.
ختاماً، أعتقد أن هذا التحول ممكن جداً والسياق الوطني الحالي بات مواتياً لاستيعابه؛ وكل ما نحتاجه اليوم هو الإرادة السياسية والرؤية التشاركياً الملائمة.