على الرغم من أن وسيط المملكة حسن طارق، الذي عينه الملك محمد السادس، اليوم الجمعة 16 أكتوبر 2026، وزيرا في حكومة فاطمة الزهراء المنصوري، بدأ مسيرته من داخل حزب الاتحاد الاشتراكي، وكان حينها مثالا للبروفايل السياسي الحاضر في النقاش العمومي، فإنه دخل إلى حكومة المنصوري باعتباره “تكنوقراطيا”، بعد توليه عدة مسؤوليات وابتعاده لسنوات عن حزب “الوردة”.
مسار حزبي ومواقف
طارق، الذي كان عضوا بالمكتب السياسي لحزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية في الفترة ما بين 2008 و2012، في ظل قيادة الراحل عبد الواحد الراضي للحزب، تولى أيضا منصب الكاتب العام لشبيبة الحزب ذاته في الفترة بين سنتي 2004 و2006.
وبصم الرجل على حضور بارز في النقاش العمومي من خلال عدة مواقف انتقد فيها ما يراه اختلالات، بصفته قياديا في الاتحاد الاشتراكي، قبل أن ينسل تدريجيا منه بعد تولي إدريس لشكر قيادة الحزب، وأيضا بصفته أستاذا لعلم السياسة بجامعة الحسن الأول بسطات، قبل أن يتوارى إلى الوراء، خصوصا بعد تعيينه سفيرا للمملكة المغربية في تونس.
وأبدى طارق، حينها، شراسة كبيرة في التعبير عن مجموعة من المواقف التي تصب كلها في اتجاه توطيد الديمقراطية والتصدي للعديد من “مظاهر الردة”، خصوصا بعد دستور سنة 2011 الذي جاء في سياق ما وصف بالربيع العربي، وذلك من خلال مقالات وتدوينات على “فيسبوك”، وتصريحات وحوارات صحفية.
ومن أبرز هذه المواقف، ما عبر عنه طارق في تدوينة سنة 2015، عندما انتقد الأحزاب الإدارية، وهاجم ما وصفها بأساليب “التحكم”، بالإضافة إلى دعوته إلى اصطفاف الديمقراطيين من أجل عزل “أدوات التحكم”، التي يرى أنها تستفيد من أجواء اللبس والغموض.
وكتب طارق، الذي كان نائبا برلمانيا باسم الاتحاد الاشتراكي حينها أنه، “ليس هناك أغلبية ومعارضة في هذه البلاد”، مضيفا: “هناك أحزاب حقيقية من رحم المجتمع، وهناك أحزاب الإدارة”، ومعتبرا أن “الهم الكبير للدولة هو أن لا يصبح هذا التقاطب مهيكلا للحياة السياسية”، بحسب ما ورد في تدوينته التي جاءت إبان أول حكومة بعد الدستور الحالي.
“لذلك تجتهد البنية العميقة في صناعة اصطفافات مفتعلة تغطي على التقاطب الرئيسي، الذي لوحده من شأنه أن يعود بالحياة السياسية لحقيقتها الأولى، ولسؤالها الأصلي والمحدد: من مع الديمقراطية من مع التحكم؟”، يقول طارق، مشيرا إلى أنه “في مرات متعددة يتم إخراج ورقة الحداثة كمحدد إيديولوجي للفرز، وعندما يفشل ذلك يتم اختراق القرار الحزبي المستقل وتنصيب أتباع للتحكم في أحزاب وطنية”.
موقف من حراك الريف وبعده تحفظ
وخلال الاحتجاجات التي عرفتها مدينة الحسيمة بعد أكتوبر سنة 2016، والتي عرفت إعلاميا بحراك الريف، عبر طارق مرة أخرى عن موقفه بوضوح، مبرزا في مقال رأي أن هذه الديناميكية الاحتجاجية هي “أقرب في الواقع إلى روح 20 فبراير”، وأنها أعادت مرة أخرى التأكيد على حقيقة سوسيولوجية وسياسية تنتمي إلى الاتجاهات الثقيلة التي تخترق المجتمع المغربي، والتي تتعلق بترسيخ عقيدة المساءلة لدى قطاعات واسعة منه، وتحرره من هواجس الخوف.
وقال طارق، حينها، إن ما يقع سببه “تحول عميق في تمثل المجتمع المغربي لذاته وللدولة، وأن أزمة كبرى في الوساطة المجتمعية، بقنواتها الحزبية والنقابية والمدنية، وبنخبها ومثقفيها، تجعل استراتيجية الشارع خيارا مركزيا لدى المجتمع، وتجعلنا أمام خطاب خام” لم يتعرض لآثار العقلنة داخل مؤسسات التأطير وتدوير المطالب.
وقسم طارق ما وصفه بديناميكية “الحراك الاجتماعي” بالحسيمة إلى جيلين من أجيال الحركات الاحتجاجية؛ جيل متعلق بالمطالب المادية ذات الطبيعة الاقتصادية والاجتماعية، وآخر جديد لما بعد المادية، حيث تحضر المطالب الرمزية والهوياتية.
وبعد هذه المواقف وغيرها، وجد طارق نفسه، بعد سنة 2019، مطوقا بواجب التحفظ، عقب تعيينه سفيرا للمغرب بتونس، وهو ما جعله يتوارى عن النقاش العمومي، خصوصا في الشق المتعلق بانتقاد عدد من مؤسسات الدولة، أو مهاجمة تدني مستوى الديمقراطية في البلاد.
وفي مارس من سنة 2024، حظي حسن طارق بتعيين ملكي في منصب وسيط المملكة، وهو المنصب الذي استمر فيه إلى حدود اليوم، قبل تعيينه من طرف الملك محمد السادس وزيرا في الحكومة الجديدة. ويعد هذا المنصب الأخير من المناصب التي جرت العادة في المغرب على أن تتولاها شخصيات تكنوقراطية.
مسار فكري حافل
من جهة أخرى، ألف طارق العديد من الكتب والمؤلفات، من بينها كتاب “ما الذي تركته المشاعر للسياسة؛ مقال في القبائل الحزينة”، الصادر عن منشورات باب الحكمة بتطوان سنة 2025، وكتاب “الوطنية المغربية: تحولات الأمة والهوية”، الصادر عن منشورات المركز الثقافي للكتاب للنشر والتوزيع بالدار البيضاء وبيروت سنة 2023.
ومن بين مؤلفاته أيضا “العودة إلى الثقافة، الثقافي في سياسات الداخل والخارج: فرصة أم خطر؟”، الصادر عن منشورات سلسلة الحوار العمومي، في عدد خاص بالرباط سنة 2019، و”حقوق الإنسان أفقا للتفكير: من تأصيل الحرية إلى مأزق الحرية”، الصادر عن دار توبقال للنشر بالدار البيضاء سنة 2018.
وفي سنة 2018، أصدر، بالاشتراك مع طه لحميداني، كتاب “التواصل بين المجتمع المدني والبرلمان: المرجعيات، الاجتهاد المغربي والممارسات الجيدة”، ضمن سلسلة مواضيع الساعة، العدد 102. كما نشر ورقة سياسات بعنوان “الدستور المغربي: المستجدات وحصيلة التفعيل 2011-2017”.
ومن إصداراته كذلك كتاب “دستورانية ما بعد انفجارات 2011: قراءة في تجارب المغرب وتونس ومصر”، الصادر عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات ببيروت سنة 2016، وكتاب “المثقف والثورة: الجدل الملتبس، محاولة في التوصيف الثقافي لحدث الثورة”، الصادر عن منشورات دفاتر سياسية، ضمن سلسلة نقد السياسة، العدد 9، بالرباط سنة 2016.
كما صدر له كتاب “هيئات الحكامة في الدستور: السياق، البنيات والوظائف”، عن منشورات المجلة المغربية للإدارة المحلية والتنمية سنة 2016، وكتاب “من وحي البرلمان: نواب برلمانيون في قلب النقاش الدستوري لما بعد 2011″، بالاشتراك مع الأساتذة عبد اللطيف وهبي ومحمد الأعرج وعبد اللطيف بروحو، ضمن سلسلة الحوار العمومي بالرباط سنة 2015.
ومن مؤلفات طارق أيضا “الربيع العربي والدستورانية: قراءة في تجارب المغرب، تونس ومصر”، و”من الثورة إلى الدستور؛ الهوية والديمقراطية في دستورانية الربيع العربي”، و”الدستور والديمقراطية: قراءة في التوترات المهيكلة لوثيقة 2011″، و”السياسات العمومية في الدستور المغربي الجديد”.
وتشمل مؤلفاته أيضا “في السياسة المغربية: مواقف ومحكيات”، و”المجتمع المغربي وسؤال المواطنة والديمقراطية والسياسة”، و”الديمقراطية وقضايا الانتقال السياسي بالمغرب”. كما تعود بعض مؤلفاته إلى سنوات سابقة، من بينها “الشباب السياسة والانتقال الديمقراطي”، الصادر سنة 2007، و”اليسار وأسئلة التحول”، الصادر سنة 2006.
وبانتقاله من منصب وسيط المملكة إلى الحكومة، يدخل حسن طارق مرحلة جديدة من مساره، بعد تجربة حزبية وبرلمانية وأكاديمية، طبعتها مواقف معلنة في قضايا الديمقراطية والتحكم والاحتجاجات الاجتماعية، قبل أن يلتحف عباءة التحفظ، بتعيينه سفيرا ثم وسيطا للمملكة.