اعتبر مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن الاختبار الأساسي أمام الحكومة التي تقودها فاطمة الزهراء المنصوري يتمثل في قدرتها على إرساء سياسة عمومية قائمة على الإنصاف وأنسنة الفعل الحكومي، وربط الاستثمارات والبرامج المعلنة بتحسين ملموس في حياة المواطنين، محذراً من الاكتفاء بالأرقام والمؤشرات المالية دون تحقيق أثر اجتماعي يتناسب مع انتظارات المجتمع.
وأوضح يحياوي، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “صدى الأحداث” على إذاعة ميدي 1، أن النقاش بشأن أهلية المنصوري لتولي رئاسة الحكومة لم يعد، في تقديره، هو السؤال المركزي، مشيراً إلى أنها تتوفر على مقومات تولي المسؤولية، فضلاً عن الدعم الملكي الذي حظيت به قبل تشكيل الحكومة.
وأضاف أن عقد لقاءين مع رئيسة الحكومة قبل تشكيل فريقها الحكومي يمثل سابقة، وفق توصيفه، معتبراً أن السؤال الأهم يتعلق بطبيعة المقاربة التي ستعتمدها في تدبير المرحلة المقبلة، ومدى قدرة منظومة القيم المؤطرة للعمل الحكومي على تحقيق الإنصاف والاستجابة للانتظارات الاجتماعية.
وشدد المتحدث على أن الحكومة مطالبة بأن تعكس هذه الأولوية في تصريحها وبرنامجها الحكومي، من خلال اعتماد مقاربة تراعي النوع الاجتماعي، وتستحضر الفوارق الاجتماعية والمجالية عند صياغة السياسات العمومية وتحديد أولويات التدخل.
واعتبر أن الرهان لا ينبغي أن ينحصر في عرض المؤشرات الاقتصادية وحجم الاعتمادات المالية المرصودة، بل يتعين أن يتجه نحو أنسنة الفعل الحكومي، بما يجعل المواطن في صلب القرارات والتدابير المتخذة، ويضمن أن تكون النتائج الاجتماعية معياراً أساسياً لتقييم الأداء الحكومي.
من الأرقام إلى الأثر الاجتماعي
وفي هذا السياق، دعا يحياوي إلى تجاوز المقاربة التي تركز على الأرقام وحدها، معتبراً أن حجم الاستثمارات العمومية لا يكفي للحكم على نجاح السياسات الاجتماعية ما لم ينعكس على حياة المواطنين ويستجب لانتظاراتهم الفعلية.
وأشار إلى أن ضعف العائد الاجتماعي مقارنة بحجم الاستثمارات التي رُصدت خلال السنوات الماضية يطرح سؤالاً حول فعالية البرامج المعتمدة، ومدى قدرتها على معالجة الاختلالات التي تستهدفها، خصوصاً في منظومتي الحماية الاجتماعية والدعم الاجتماعي.
وأكد أن تعزيز الثقة في هذه الإصلاحات يقتضي الانتقال من منطق الإعلان عن البرامج والموارد إلى قياس نتائجها، وتحديد مدى استفادة المواطنين منها، ومدى قدرتها على تقليص الفوارق والاستجابة للحاجيات الاجتماعية.
وأضاف أن نجاح الحكومة في هذا المجال يظل رهيناً بقدرتها على ربط السياسات الاجتماعية بأهداف واضحة، وتنسيق التدخلات الحكومية حتى لا تتوزع الجهود والموارد بين برامج منفصلة لا تحقق الأثر المنتظر منها.
الالتقائية.. مدخل لاستعادة الثقة في العمل السياسي
وربط يحياوي بين التحديات الاجتماعية المطروحة أمام الحكومة وبين ضعف المشاركة الانتخابية وتراجع قدرة الوساطة الحزبية على التعبئة، معتبراً أن هذه المؤشرات تطرح سؤالاً حول مدى ثقة المواطنين في جدوى العمل السياسي والمؤسساتي.
وأوضح أن معالجة هذا الوضع لا يمكن أن تتحقق بمجرد تطوير البرامج القطاعية أو زيادة الموارد المخصصة لها، بل تستدعي قدرة فعلية على تحقيق الالتقائية بين مختلف السياسات العمومية، بما يضمن استجابة منسجمة للحاجيات الاجتماعية والاقتصادية.
وفي هذا الإطار، تساءل عما إذا كانت الحكومة الجديدة قادرة على تجاوز صعوبات التنسيق التي طبعت عمل الحكومات المتعاقبة خلال السنوات الخمس والعشرين الماضية، معتبراً أن الالتقائية تمثل أحد الاختبارات الأساسية أمام رئيسة الحكومة.
وشدد على أن معالجة قضايا الشباب، على سبيل المثال، لا ينبغي أن تقتصر على برامج منفصلة للإدماج الاجتماعي أو الاقتصادي، بل يتعين أن تندرج ضمن مقاربة مندمجة تربط بين فرص الشغل والتكوين والتنمية الترابية والاستجابة للحاجيات المحلية.
كما دعا إلى استحضار البعد المجالي في إعداد البرامج الحكومية، بما يسمح باستباق حاجيات المناطق المختلفة وتحقيق قدر أكبر من العدالة المجالية، بدل اعتماد تدخلات متفرقة لا تراعي دائماً طبيعة الحاجيات والاختلالات في كل مجال ترابي.
التوجيهات الملكية وتحدي التنسيق بين القطاعات
وفي قراءته للأولويات الاستراتيجية التي تضمنها الخطاب الملكي الأخير، شدد يحياوي على ضرورة تحقيق التقائية بين اللاتمركز الإداري واللاتركيز، من خلال تنسيق قوي بين القطاعات الحكومية، بما يتيح تنفيذ البرامج بصورة منسجمة على المستوى الترابي.
واعتبر أن هذا التوجه يقتضي تطوير آليات الاشتغال الحكومي وإرساء عقود برامج مع الجهات، بما يربط الأولويات الوطنية بحاجيات المجالات الترابية، ويساعد على توحيد الجهود وتجاوز تداخل الاختصاصات.
كما توقف عند مسألة الأمن الغذائي، معتبراً أن تفعيل هذا التوجه يستدعي، من بين أمور أخرى، مراجعة منظومة الدعم في القطاع الفلاحي، بما ينسجم مع الأهداف الاستراتيجية المعلنة.
وربط المتحدث بين هذا الورش وبين ضرورة تعزيز التنسيق بين القطاعات الحكومية، مؤكداً أن التحديات المطروحة لا يمكن معالجتها من خلال تدخلات منفردة، بل تحتاج إلى مقاربة شاملة تضمن تكامل السياسات والبرامج والموارد.
وختم يحياوي بالتأكيد على أن نجاح حكومة المنصوري لن يقاس بطبيعة الخطاب السياسي أو أسماء الوزراء، وإنما بقدرتها على تحقيق الإنصاف وأنسنة الفعل الحكومي، وتحويل الالتقائية من مبدأ معلن إلى ممارسة تدبيرية تفضي إلى نتائج ملموسة، وتعيد بناء الثقة في جدوى العمل السياسي والمؤسساتي.