حكومة فاطمة الزهراء بين انتظارات التجديد وحدود التغيير
وجهة نظر

حكومة فاطمة الزهراء بين انتظارات التجديد وحدود التغيير

ارتبط تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري بانتظارات سياسية ومجتمعية تتجاوز تغيير رئيس الحكومة وتوزيع الحقائب الوزارية، لتشمل تجديد النخب الحكومية، وتوسيع حضور النساء والشباب، وإدخال وجوه جديدة إلى مراكز القرار. وقد تعززت هذه الانتظارات بفعل رمزية تعيين أول امرأة على رأس الحكومة، وبفعل الخطاب السياسي الذي يربط تجديد النخب بتحديث الممارسة السياسية واستعادة ثقة المواطنين.غير أن المقارنة بين هذه الانتظارات والتشكيلة التي أُعلنت في 16 أكتوبر 2026 تكشف عن مفارقة أساسية: فقد تحقق التجديد على مستوى قيادة الحكومة وبعض التعيينات، لكن التمثيلية النسائية لم تعرف زيادة عددية مقارنة بالحكومة السابقة؛ إذ تضم الحكومتان سبع نساء، ضمن حكومة جديدة تتكون من 32 عضواً مقابل 31 في الحكومة السابقة. وهنا يبرز سؤال حول مدى استجابة الحكومة الجديدة لمطلب تجديد النخب، أم اكتفت بتجديد القيادة وإعادة توزيع المسؤوليات داخل البنية الحكومية القائمة؟

أولا: تعيين أول رئيسة للحكومة بين التحول الرمزي والتحول السياسي

يشكل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري كأول امرأة تتولى رئاسة الحكومة في المغرب تحولاً تاريخياً في مستوى التمثيل السياسي. غير أن الأهمية الرمزية لهذا الحدث ينبغي ألا تحجب السؤال المتعلق بطبيعة السلطة الحكومية الفعلية. حيث يمكن التمييز هنا بين ثلاثة مستويات:

– التحول الرمزي: من خلال كسر احتكار الرجال لمنصب رئاسة الحكومة، وتوسيع تمثيل النساء في قمة السلطة التنفيذية.

– التحول السياسي: انتقال قيادة الحكومة إلى حزب الأصالة والمعاصرة، الذي تصدر انتخابات 23 شتنبر 2026، بما يترتب عن ذلك من إعادة ترتيب للعلاقات بين الأحزاب.

– التحول التدبيري: حول قدرة رئيسة الحكومة على فرض الانسجام بين الوزراء، وضبط الأولويات، وتحمل المسؤولية السياسية عن نتائج العمل الحكومي.

وبالتالي ، فإن وجود امرأة على رأس الحكومة لا يكفي وحده لإثبات حدوث تحول في الثقافة السياسية أو في طبيعة ممارسة السلطة. فذلك يتوقف أيضاً على مدى حضور النساء في مواقع القرار، وعلى استقلالية القرار الحكومي، وعلى قدرة رئيسة الحكومة على ممارسة القيادة الفعلية داخل ائتلاف متعدد الأحزاب.

ثانيا حكومة فاطمة الزهراء كحكومة سياسية

من أبرز معالم الحكومة الجديدة أنها تشكلت من أربعة أحزاب: الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. وتتوفر هذه الأغلبية، وفق الإعلان عن تشكيلها، على 207 مقاعد، مقابل 198 مقعداً المطلوبة لتحقيق الأغلبية المطلقة في مجلس النواب. ولعل مما أضفى الطابع السياسي لهذه الحكومة إسناد حقائب وزارية لكل من الأمين العام لحزب الاستقلال نزار بركة الذي تقلد من جديد وزارة التجهيز والماء بينما عين الأمين العام لحزب التقدم والاشتراكية نبيل بن عبد الله رغم غضبة ملكية سابقة على رأس وزارة التعليم بينما تم تسجيل غياب الكاتب الاول للاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية إدريس لشكر عن تحمل أي حقيبة وزارية رغم أن المعطيات المنشورة تؤكد أنه شارك في المفاوضات المتعلقة بتشكيل الحكومة، وأن حزبه وافق على المشاركة فيها، بينما لم يُعيَّن لشكر وزيراً ضمن التشكيلة المعلن عنها في 16 أكتوبر 2026. ويمكن تفسير هذا الغياب من خلال أربعة احتمالات:

1. الفصل بين القيادة الحزبية والمسؤولية الحكومية: حيث قد يختار الحزب أن يمثله وزراء آخرون، بما يسمح لأمينه العام بالاحتفاظ بقيادة التنظيم ومراقبة أداء ممثليه في الحكومة.

2. منطق توزيع الحقائب والكفاءات: حيث قد يكون التفاوض قد انتهى إلى إسناد الحقائب لشخصيات أخرى داخل الحزب، وفق اعتبارات التخصص والتوازنات السياسية. ولا تتوفر، في المعطيات المنشورة التي اطلعت عليها، أدلة كافية للجزم بأن لشكر طالب بمنصب وزاري ورُفض طلبه.

3. حسابات رئيسة الحكومة: حيث قد تعكس تشكيلة الحكومة رغبة في اختيار شخصيات يُنتظر منها الاشتغال ضمن فريق حكومي، دون أن تتحول الحكومة إلى مجرد امتداد مباشر لقيادات الأحزاب.

4. خصوصية وضع الاتحاد الاشتراكي: حيث قد يكوم دخول الحزب إلى الحكومة لا يستلزم بالضرورة استوزار كاتبه الأول؛ فقد يفضّل الحزب الفصل بين تدبير المشاركة الحكومية وتدبير شؤونه التنظيمية والسياسية.

غير أن كل هذه الاحتمالات لا يمكن أن تتجاوز السؤال الذي يبقى مطروحا هل استُبعد لشكر سياسياً؟ حيث يمكن تسجيل مفارقة سياسية: لشكر شارك بصفته الكاتب الأول للاتحاد الاشتراكي في المفاوضات التي أفضت إلى تشكيل الأغلبية، ثم انتهى المسار إلى حكومة لا تضم اسمه. فهل كانت وزارة العدل محور الخلاف بين لشكر والمنصوري؟

حيث أن هذا الاحتمال يستند إلى معطى صحفي مهم. فقد أفادت صحيفة «الأيام 24» في 5 أكتوبر 2026 بأن لشكر طرح، خلال مشاوراته مع المنصوري، مطالب تتعلق بالقطاعات التي يرغب الاتحاد الاشتراكي في تدبيرها، وفي مقدمتها وزارة العدل. وبالتالي، يمكن بناء فرضية مفادها أن وزارة العدل كانت موضع تنافس في مفاوضات توزيع الحقائب. وإن كان لا يمكن الجزم بأن رفض إسنادها إلى لشكر كان السبب في عدم استوزاره ، إلا أن وزارة العدل كانت دائما تكتسي أهمية خاصة.فإذا صحت فرضية أن لشكر كان يرغب في تولي وزارة العدل، فإن الأمر يتجاوز البحث عن حقيبة وزارية وازنة، بالنظر إلى رمزية الوزارة وموقعها في الدولة :

– من حيث الوزن السياسي: وزارة العدل تتيح حضوراً قوياً في الملفات المرتبطة بالتشريع وإصلاح منظومة العدالة.

– من حيث الرمزية الحزبية: قد يرى الاتحاد الاشتراكي في هذه الوزارة امتداداً لتاريخه المرتبط بخطاب الإصلاح الديمقراطي ودولة القانون.

– من حيث التوازن الحكومي: إسناد وزارة العدل إلى حزب الأصالة والمعاصرة، مع بقاء عبد اللطيف وهبي في منصبه، يعني احتفاظ الحزب بقيادة قطاع استراتيجي، رغم مشاركة الاتحاد الاشتراكي في الأغلبية. وهنا يبرز احتمال وجود تفاوض لم يُحسم وفق التصور الذي كان يفضله لشكر أو حزبه. وبالتالي يمكن ربط ذلك بالاستقبال الملكي الثاني لرئيسة الحكومة المعينة في 14 أكتوبر ، حيث يمكن تقديم قراءة سياسية حذرة تقوم على أن الاستقبال الملكي الثاني جاء في مرحلة متقدمة من المشاورات، بعد اللقاء الثاني بين المنصوري ولشكر في 5 أكتوبر، وقبل الإعلان عن الحكومة في 16 أكتوبر. حيث يسمح هذا التسلسل الزمني بطرح احتمال أن تكون رئيسة الحكومة قد عرضت على الملك حصيلة المشاورات والتصور النهائي للتشكيلة، بما في ذلك الصعوبات المحتملة المرتبطة بتوزيع الحقائب. وإن كان لا يوجد في نص البلاغ الملكي ما يثبت أن الاستقبال خُصص لحسم خلاف حول وزارة العدل أو لاتخاذ قرار باستبعاد لشكر.

والسؤال الأكثر إثارة للبحث هنا هو: هل اختارت المنصوري الاحتفاظ بوزارة العدل داخل دائرة قيادة الأصالة والمعاصرة، ولو على حساب عدم استوزار الكاتب الأول لحزب حليف، أم أن غياب لشكر كان نتيجة تسوية أوسع لتوزيع الحقائب داخل الأغلبية؟

ثالثا الاستمرارية في التشكيلة الحكومية ومراكز القرار

يكشف الإعلان الرسمي عن الحكومة الجديدة، يوم 16 أكتوبر 2026، عن وجود عناصر واضحة للاستمرارية إلى جانب تجديد بعض الوجوه والقطاعات. فقد احتفظ عبد الوافي لفتيت بوزارة الداخلية، وناصر بوريطة بوزارة الخارجية، وعبد اللطيف وهبي بوزارة العدل، كما استمر عدد من الوزراء في قطاعات التجهيز والماء والصناعة والنقل. في المقابل، تولى فوزي لقجع وزارة الاقتصاد والمالية، وعاد نبيل بنعبد الله إلى الحكومة من بوابة التربية الوطنية، وعُينت شرفات أفيلال على رأس قطاع الطاقة. وبالتالي يمكن قراءة هذه الاختيارات من خلال المؤشرات التالية:

1. استمرارية مراكز القرار حيث أن الاحتفاظ بوزراء قطاعات سيادية واستراتيجية يعكس حرصاً على الاستقرار المؤسساتي وعلى استمرار التوجهات الكبرى للدولة. وهذا يعني أن تغيير رئيس الحكومة لا يستلزم بالضرورة تغييراً شاملاً في مراكز القرار.

2. إعادة ترتيب القيادة الاقتصادية حيث أن تعيين فوزي لقجع وزيراً للاقتصاد والمالية يمثل أحد أبرز وجوه التجديد. ويمكن أن يعكس الرهان على الخبرة المالية والتدبيرية وربط الموارد العمومية بالأولويات الاقتصادية والاستثمارية، مع ضرورة انتظار النتائج للحكم على فعالية هذا الاختيار.

3. إعادة توزيع التمثيلية الحزبية ـ فعودة نبيل بنعبد الله، وإسناد حقائب إلى شخصيات من الاتحاد الاشتراكي والاستقلال والتقدم والاشتراكية، تشير إلى أن تشكيل الحكومة لم يكن مجرد اختيار تقني للوزراء، بل كان أيضاً تسوية سياسية بين مكونات الأغلبية الجديدة.

4. التجديد الجزئي للقطاعات من خلالإسناد قطاعات جديدة أو معاد تنظيمها، مثل الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي، يطرح سؤالاً حول ما إذا كانت الهيكلة ستؤدي إلى تغيير فعلي في أساليب التدبير، أم ستظل مرتبطة بإعادة توزيع الاختصاصات والمسؤوليات.

أما الهيكلة الحقيقية فتُقاس بمدى قدرة الحكومة الجديدة على تغيير آليات العمل، وتحسين التنسيق، وإعادة توجيه الإنفاق نحو الأولويات الاجتماعية، وتعزيز المساءلة عن النتائج.وفي هذا السياق، فإن استمرار عدد من الوزراء في مواقعهم لا يثبت وحده وجود استمرارية سياسية شاملة، لكنه يشير إلى أن الحكومة الجديدة اختارت الجمع بين الخبرة المتراكمة والتجديد الانتقائي، بدل القطيعة الكاملة مع المرحلة السابقة.

رابعا حكومة فاطمة الزهراء بين التجديد والتشبيب

تتميز حكومة فاطمة الزهراء بتجديد رمزي واضح في قيادة الحكومة، وتجديد محدود في التمثيلية النسائية من حيث العدد، بينما يظل حجم التجديد الشبابي جد محدود

– التمثيلية النسائية بين الرمزية والمناصفة

يمثل تعيين فاطمة الزهراء المنصوري على رأس الحكومة تحولاً رمزياً مهماً في تاريخ التمثيل السياسي للمرأة بالمغرب. كما أن وجود ست وزيرات أخريات إلى جانبها يكرس حضور النساء في عدد من القطاعات الحكومية. لكن ينبغي التمييز بين ثلاثة مستويات:

– التجديد الرمزي: تحقق بتولي امرأة رئاسة الحكومة للمرة الأولى.

– التجديد العددي: لم يتحقق على مستوى مجموع النساء في الحكومة، لأن العدد ظل سبع وزيرات، كما في الحكومة السابقة.

– التجديد النوعي: يتعلق بمدى إسناد حقائب استراتيجية للنساء، وتمكينهن من المشاركة الفعلية في صناعة القرار، وليس فقط تولي مناصب ذات تمثيلية رمزية.

وبالتالي، فإن وجود امرأة على رأس الحكومة لا يعني تلقائياً تحقق المناصفة. بل قد يخلق هذا التعيين معياراً جديداً لتقييم الأداء الحكومي، بحيث يصبح من المشروع التساؤل عن مدى ترجمة رمزية القيادة النسائية إلى توسيع فعلي لتمثيلية النساء في مراكز القرار.

– الشباب وسؤال تجديد النخب السياسية

إذا كانت التمثيلية النسائية قابلة للقياس العددي المباشر، فإن تجديد الحضور الشبابي يحتاج إلى النظر في أعمار الوزراء، ومساراتهم المهنية والسياسية، ومدى إسناد المسؤوليات إليهم.ويمكن تحليل هذا الجانب من خلال ثلاثة مؤشرات:

1. التجديد العمري: مدى إدماج جيل جديد من المسؤولين في الفريق الحكومي.

2. التجديد السياسي: مدى تجاوز الاعتماد المتكرر على الوجوه التي راكمت سنوات طويلة من الحضور الحزبي والحكومي.

3. التجديد الوظيفي: مدى إسناد مسؤوليات فعلية إلى الكفاءات الشابة، بدلاً من الاقتصار على إشراكها في مواقع ثانوية.

ويكتسب هذا الموضوع أهمية خاصة في سياق تصاعد مطالب الشباب المرتبطة بالتشغيل والصحة والتعليم والقدرة الشرائية. فالشباب لا ينتظرون بالضرورة حكومة شابة من الناحية العمرية فقط، بل ينتظرون أيضاً حكومة تفهم أوضاعهم وتستجيب لمطالبهم وتتيح لهم المشاركة في صياغة السياسات العامة.ومع ذلك، لا تكفي المعطيات المتاحة عن التشكيلة الحكومية وحدها للجزم بأن الحضور الشبابي قد توسع أو تقلص؛ إذ ينبغي إجراء مقارنة عمرية دقيقة بين أعضاء الحكومتين، إلى جانب تقييم طبيعة المسؤوليات المسندة إلى الوجوه الجديدة.غير أنه يمكن اعتبار إسناد حقيبة الشباب إلى صلاح الدين عبقري، إلى جانب استمرار المهدي بنسعيد على رأس وزارة الشباب والثقافة والرياضة، من أبرز المؤشرات التي تستحق التوقف عندها في تحليل التجديد الشبابي داخل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري. فقد عين صلاح الدين عبقري وزيراً منتدباً لدى وزير الشباب والثقافة والرياضة، مكلفاً بالشباب. وقد راكم هذا الأخير تجربة إدارية في قطاعات حكومية مختلفة، منها الداخلية والاقتصاد والمالية والثقافة. وبالتالي تكمن أهمية تعيينه في إسناد ملف الشباب إلى مسؤول ذي مسار إداري، بما قد يتيح الجمع بين الخبرة التدبيرية ومعرفة حاجيات الفئات الشابة.بينما جددت الثقة في المهدي بن سعيد وزيراً للشباب والثقافة والرياضة بعد توليه وزارة الشباب والثقافة والتواصل منذ سنة 2021. ويجمع القطاع الجديد بين الشباب والثقافة والرياضة في إطار حكومي واحد. ويكشف هذا الاختيار عن الجمع بين الاستمرارية والتجديد: استمرار وزير راكم تجربة حكومية، مع إسناد ملف الشباب إلى وزير منتدب جديد. لذا يمكن استخلاص ثلاث دلالات أساسية:

– إدماج الشباب في تدبير الشأن العام: لا يقتصر الأمر على الحديث عن الشباب في البرامج الحكومية، بل يمتد إلى إشراك مسؤولين جدد في إدارة الملفات المرتبطة بهم.

– التجديد داخل الاستمرارية: فاحتفاظ بنسعيد بمنصبه، مع تعيين عبقري في ملف الشباب، يعكس تجديداً جزئياً بدلاً من تغيير شامل في قيادة القطاع.

– اختبار المصداقية الحكومية: ففي سياق الانتظارات المرتبطة بالتشغيل والتعليم والصحة والمشاركة السياسية، ستُقاس قيمة هذا التعيين بمدى تحوله إلى إجراءات ملموسة، لا بمجرد وصف المسؤولين بأنهم شباب.

وبالتالي ، يمكن القول إن حكومة فاطمة الزهراء تتضمن مؤشراً على التجديد الشبابي من خلال تعيين صلاح الدين عبقري وتوسيع مسؤوليات المهدي بنسعيد لتشمل الرياضة. لكن هذا التجديد يظل، في المرحلة الحالية، تجديداً في توزيع المسؤوليات داخل الجهاز الحكومي؛ أما اعتباره تحولاً في تمثيلية الشباب ونفوذهم السياسي، فيحتاج إلى تقييم أعمار أعضاء الحكومة، وصلاحيات المسؤولين الجدد، والنتائج التي سيحققونها.

ثالثاً: لماذا لم ؟

وعموما يمكن تفسير عدم تحول انتظارات التجديد إلى قطيعة مع الماضي من خلال ثلاثة اعتبارات متداخلة:

– اعتبار الاستمرارية: فالاحتفاظ بعدد من الوزراء السابقين قد يُنظر إليه باعتباره ضمانة لاستمرار البرامج والخبرة الإدارية.

– اعتبار التوازنات الحزبية: حيث تتشكل الحكومة من أربعة أحزاب، ما يجعل توزيع الحقائب خاضعاً أيضاً لمفاوضات الأغلبية وموازين القوى داخلها.

– اعتبار الفعالية الحكومية: فقد تفضل القيادة الجديدة بعض الشخصيات ذات الخبرة على حساب تجديد واسع للنخب، لكنها تظل مطالبة بإثبات أن هذا الاختيار يخدم الأداء الحكومي لا مجرد الحفاظ على التوازنات القائمة.

وهذا فقد جمعت التشكيلة الحكومية الجديدة برئاسة المنسقة العامة لحزب الاصالة والمعاصرة فاطمة الزهراء المنصوري بين وزراء احتفظوا بمناصبهم ووجوه عادت إلى الحكومة وأخرى تخوض تجربتها الوزارية الأولى. لذلك، فإن التجديد الحكومي لا ينبغي أن يُقاس فقط بعدد الوزراء الجدد، بل بمدى تغير قواعد اختيارهم، وطبيعة الأدوار التي يضطلعون بها، وقدرتهم على إحداث تحول في الأداء. فحكومة فاطمة الزهراء المنصوري تقدم نموذجاً لتداخل التجديد الرمزي والاستمرارية البنيوية. فقد شكل تعيين أول امرأة على رأس الحكومة تحولاً تاريخياً، غير أن ثبات عدد النساء عند سبع وزيرات، وعدم كفاية المعطيات المتاحة للحكم على حجم التجديد الشبابي، يفرضان التمييز بين تغيير القيادة وتجديد النخب الحكومية.وعليه، فإن المفارقة الأساسية تكمن في أن الحكومة الجديدة تحمل رمزياً وعداً بالتغيير، لكنها مطالبة بإثبات هذا الوعد من خلال بنيتها البشرية وتوزيع المسؤوليات ونتائج السياسات العمومية.

كما أن تعيين حكومة فاطمة الزهراء المنصوري يكشف عن مفارقة سياسية تتمثل في الجمع بين التجديد في قمة القيادة التنفيذية والاستمرارية في عدد من مراكز القرار والاختيارات الاستراتيجية. فالحكومة الجديدة ليست استمراراً خالصاً للحكومة السابقة، كما أنها لا تمثل، بمجرد تشكيلها، قطيعة كاملة معها. حيث تكمن خصوصيتها في التقاء ثلاثة عناصر: قيادة نسائية غير مسبوقة، وقيادة حكومية جديدة لحزب الأصالة والمعاصرة، وائتلاف يضم أحزاباً من خلفيات سياسية وتاريخية متعددة. غير أن القيمة الفعلية لهذا التحول ستظل رهينة بمدى قدرة الحكومة على الانتقال من إعادة توزيع المناصب إلى إعادة تنظيم الفعل الحكومي، ومن التوافق على تشكيل الأغلبية إلى إنتاج سياسات عمومية تستجيب للانتظارات الاجتماعية.وعليه، فإن السؤال المركزي ليس فقط: من دخل الحكومة ومن احتفظ بمنصبه؟ بل هل ستغير حكومة فاطمة الزهراء طريقة اشتغال السلطة التنفيذية، أم ستكتفي بتجديد واجهتها السياسية مع الحفاظ على بنيتها الأساسية؟