خالد حاتيمي، وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية
أخبار الساعة

“أنا ابن فلاح وحفيد فلاح”.. خالد حاتيمي من إدارة الشركات إلى امتحان السيادة الغذائية

“أنا ابن فلاح وحفيد فلاح”.. بهذه الكلمات يختصر خالد حاتيمي، وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية الجديد، جانبا من علاقته بالأرض والقطاع الذي أصبح مسؤولا عن تدبيره، بعد مسار مهني طويل قضاه في عالم المقاولات الكبرى والصناعات الغذائية، وتجربة سياسية قادته من مقاعد البرلمان إلى عضوية الحكومة الجديدة برئاسة فاطمة الزهراء المنصوري.

فالرجل الذي عينه الملك محمد السادس، أمس الجمعة 16 أكتوبر 2026، خلفا لأحمد البواري، لا يقدم نفسه باعتباره مجرد مدير سابق لشركات صناعية كبرى، بل باعتباره أيضا امتدادا لأسرة ارتبط تاريخها بالفلاحة، وهي الخلفية التي يقول إنها تمنحه فهما خاصا لانشغالات الفلاحين وانتظاراتهم.

وفي تصريح خاص لجريدة “العمق” عقب تعيينه وزيرا، يستحضر حاتيمي هذه الجذور قائلا: “أعتز بانتمائي إلى أسرة فلاحية، فأنا ابن فلاح وحفيد فلاح، وهو ما يجعل ارتباطي بالفلاحة ارتباطا مهنيا وعائليا وإنسانيا، ويمنحني فهما ميدانيا لتحديات القطاع وانتظارات الفلاحين”.

بين هذا الانتماء العائلي وتجربة إدارة الشركات، تتشكل ملامح الوزير الجديد، الذي يجد نفسه اليوم أمام مسؤولية تختلف عن كل المواقع التي شغلها سابقا؛ مسؤولية قطاع لا تقاس نتائجه بالمردودية الاقتصادية وحدها، بل بقدرته على توفير الغذاء وحماية دخل الفلاحين وضمان استقرار الأسواق.

❞

بين ابن الفلاح الذي يستحضر جذوره العائلية، ومدير الاستراتيجية الذي راكم خبرته داخل مجموعة اقتصادية كبرى، يقف الوزير الجديد أمام سؤال أساسي؛ كيف يمكن الجمع بين منطق الاستثمار والنجاعة الاقتصادية، وبين الحاجة إلى حماية الفلاح الصغير وضمان العدالة في توزيع ثمار التنمية الفلاحية؟

── ◆ ──

من تارودانت إلى عالم الأعمال

ينحدر خالد حاتيمي من تارودانت، حيث تابع دراسته الابتدائية والثانوية، قبل أن يواصل تكوينه العالي في مجال التدبير وإدارة الأعمال، ويحصل على ماستر تنفيذي في إدارة الأعمال، تخصص استراتيجية المقاولات، من جامعة إيموري بمدينة أتلانتا الأمريكية.

كما حصل على تكوينات في حكامة المقاولات والتسويق والتواصل والمبيعات، شكلت الأساس الأكاديمي لمسار مهني امتد لأكثر من ثلاثة عقود في القطاع الخاص، خصوصا في مجالات الصناعة والصناعات الغذائية والفلاحة.

ولم يكن انتقال حاتيمي إلى مواقع القيادة داخل الشركات الكبرى مجرد محطة طارئة، إذ تولى مسؤوليات إدارية واستراتيجية في مؤسسات اقتصادية مهمة، وقضى أكثر من عشر سنوات في مواقع الرئاسة والإدارة العامة لمقاولات ومجموعات كبرى.

وتبرز ضمن هذا المسار تجربته داخل مجموعة “براهيم زنيبر – ديانا هولدينغ”، إحدى المجموعات المغربية المعروفة باستثماراتها في القطاع الفلاحي والصناعات الغذائية، والتي كانت بالنسبة إليه فضاء للاشتغال على ملفات الاستثمار والحكامة والتدبير الاستراتيجي.

وفي حديثه إلى جريدة “العمق”، يكشف الوزير الجديد تفاصيل إضافية عن هذه التجربة، قائلا: “راكمت تجربة مهنية مهمة في مجموعة براهيم زنيبر – ديانا هولدينغ، حيث توليت مسؤولية مدير الاستراتيجية على مستوى المجموعة، التي تنشط في المجال الفلاحي وقطاع الدواجن”.

ويضيف حاتيمي: “كما شغلت عضوية مجلس إدارة المجموعة لأكثر من عشر سنوات، مما أتاح لي اكتساب خبرة واسعة في التدبير الاستراتيجي والحكامة وتطوير الاستثمارات الفلاحية”.

وتكتسي هذه التجربة أهمية خاصة في قراءة مساره، بالنظر إلى أن مجموعة “ديانا هولدينغ” لا تقتصر أنشطتها على الصناعات الغذائية، بل تمتد إلى الإنتاج الفلاحي وتطوير سلاسل القيمة والاستثمارات المرتبطة بها.

وهو ما يجعل انتقال حاتيمي إلى وزارة الفلاحة امتدادا لمسار مهني له صلة بالقطاع، وإن كانت المسؤولية الحكومية تفرض إكراهات مختلفة عن تلك التي تحكم تدبير المجموعات الاقتصادية الخاصة.

تجربة صناعية واستثمارات بمئات الملايين

من المحطات البارزة في المسار المهني لحاتيمي توليه منصب الرئيس المدير العام لشركة “أطلس بوتلينغ كومباني”، التابعة لمجموعة “ديانا هولدينغ”، والمتخصصة في إنتاج وتعبئة وتوزيع المشروبات، خصوصا منتجات “كوكاكولا”، في مناطق الشمال والشرق.

ففي أبريل 2013، كان اسم حاتيمي حاضرا ضمن عملية إعادة تنظيم هياكل المجموعة، عندما جرى توسيع مجلس إدارتها التنفيذي بانضمامه إليه، في وقت كان يتولى فيه الإدارة العامة لشركة “أطلس بوتلينغ”.

وتبرز أهمية هذه التجربة بالنظر إلى حجم النشاط الصناعي للشركة والاستثمارات التي أنجزتها المجموعة، ومن بينها مصنع طنجة الذي افتتح في أكتوبر 2020، باستثمار تجاوز 500 مليون درهم.

وشُيّد المصنع على مساحة تناهز 12 هكتارا بالمنطقة الحرة لطنجة، بطاقة إنتاجية بلغت عند افتتاحه نحو 55 ألف قنينة في الساعة، في مشروع يعكس حجم الاستثمارات الصناعية التي ارتبطت بنشاط المجموعة.

وبالنسبة إلى حاتيمي، فإن العمل داخل هذه المنظومة الاقتصادية أتاح له الاحتكاك بملفات التخطيط الاستراتيجي والإنتاج والتوزيع والاستثمار، وهي مجالات تتقاطع مع عدد من التحديات المطروحة على القطاع الفلاحي، خصوصا ما يتعلق بتطوير سلاسل القيمة وربط الإنتاج بالتصنيع والتسويق.

غير أن الانتقال من إدارة الشركات إلى تدبير وزارة الفلاحة ينطوي على اختلاف جوهري؛ فإذا كان نجاح المقاولة يقاس أساسا بمؤشرات الأداء الاقتصادي والمالي، فإن نجاح السياسات الفلاحية يرتبط أيضا بحماية الفلاحين الصغار وتحسين أوضاع العالم القروي وضمان وصول الغذاء إلى المستهلك بأسعار مناسبة.

من المقاولة إلى البرلمان

لم يبق حاتيمي بعيدا عن المجال السياسي، إذ التحق بحزب الأصالة والمعاصرة، قبل أن يخوض الانتخابات التشريعية في شتنبر 2021 عن دائرة تارودانت الجنوبية، وينجح في الحصول على مقعد بمجلس النواب.

داخل البرلمان، انضم إلى لجنة المالية والتنمية الاقتصادية، مستفيدا من خلفيته الاقتصادية والمهنية في مناقشة القضايا المرتبطة بالاستثمار والميزانية والسياسات العمومية.

وتعزز حضوره داخل حزب “الجرار” في ماي 2024، عندما انتخب عضوا في المكتب السياسي، ضمن القيادة الحزبية التي تشكلت في عهد القيادة الجماعية بقيادة فاطمة الزهراء المنصوري.

لكن اللافت في تجربته البرلمانية أن جزءا من تدخّلاته انصب على قضايا الفلاحة والمياه، خصوصا في إقليم تارودانت، الذي يعاني من تداعيات الجفاف والضغط المتزايد على الموارد المائية.

ففي يناير 2023، وجه سؤالا كتابيا إلى وزير التجهيز بشأن ممارسات يشتبه في مخالفتها للقانون في استغلال المياه بمنطقة تازمورت، مطالبا بفتح تحقيق في الموضوع، في ظل تراجع الفرشات المائية واحتجاج عدد من السكان.

وفي ماي 2024، عاد إلى مساءلة وزارة الفلاحة بشأن ظاهرة “تخريف” المحاصيل الزراعية التي ألحقت، وفق ما أورده في سؤاله البرلماني، خسائر بفلاحي تارودانت، خاصة في زراعات القرعيات والبطيخ الأحمر، محذرا من انعكاساتها على التشغيل والإنتاج الفلاحي.

غير أن إحدى أبرز مداخلاته جاءت في 20 يناير 2025، عندما طالب الحكومة بإعادة النظر في حكامة الدعم العمومي الموجه للفلاحين والكسابة الصغار المتضررين من الجفاف.

وتساءل حاتيمي آنذاك عن الحصة الفعلية التي تصل إلى الفلاح الصغير من برامج الدعم، وما إذا كانت هذه المساعدات تحقق الأهداف المنتظرة منها، ليخلص إلى أن النتائج المسجلة لا ترقى إلى المستوى المطلوب.

وهنا تبرز واحدة من المفارقات في مساره السياسي؛ فالبرلماني الذي طالب قبل أقل من عامين بمراجعة آليات الدعم الفلاحي، أصبح اليوم الوزير المكلف بوضع هذه الآليات موضع التنفيذ ومحاسبته سياسيا على نتائجها.

استقالة برلمانية قبل العودة وزيرا

في 15 يوليوز 2026، قدم حاتيمي استقالته من عضوية مجلس النواب، إلى جانب النائب الاستقلالي عبد المجيد الفاسي الفهري، في خطوة ارتبطت بالانتقال إلى مهام داخل الهيئة الوطنية لضبط الكهرباء.

وفي اليوم التالي، أصدرت المحكمة الدستورية قرارها رقم 272/26، القاضي بالتصريح بشغور المقعدين البرلمانيين، لتطوى بذلك مرحلة من مساره داخل المؤسسة التشريعية.

لكن ابتعاده عن البرلمان لم يدم طويلا قبل انتقاله إلى موقع جديد في السلطة التنفيذية، بعدما اختارته رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري ضمن الفريق الحكومي الجديد، وأسندت إليه حقيبة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية.

ويأتي هذا التعيين في سياق سياسي واقتصادي بالغ الحساسية، بالنظر إلى حجم التحديات التي يواجهها القطاع الفلاحي، وفي مقدمتها ندرة المياه، وتداعيات التقلبات المناخية، وتراجع القدرة الشرائية، وارتفاع تكاليف الإنتاج، والحاجة إلى تحقيق توازن أكبر بين الإنتاج الموجه للتصدير وحاجيات السوق الوطنية.

ابن الفلاح أمام امتحان الفلاحين

يبدو تصريح حاتيمي لجريدة “العمق” بشأن انتمائه إلى أسرة فلاحية أكثر من مجرد تفصيل شخصي في سيرته، إذ يمنح صورة مختلفة عن المسؤول القادم من عالم إدارة الشركات الكبرى.

فبين ابن الفلاح الذي يستحضر جذوره العائلية، ومدير الاستراتيجية الذي راكم خبرته داخل مجموعة اقتصادية كبرى، يقف الوزير الجديد أمام سؤال أساسي؛ كيف يمكن الجمع بين منطق الاستثمار والنجاعة الاقتصادية، وبين الحاجة إلى حماية الفلاح الصغير وضمان العدالة في توزيع ثمار التنمية الفلاحية؟

وهو سؤال يكتسب أهمية إضافية في ظل التفاوتات القائمة بين الفلاحة العصرية ذات الإمكانات الاستثمارية الكبيرة، والفلاحة المعيشية التي تعتمد عليها آلاف الأسر القروية، والتي تجد نفسها أكثر عرضة لتداعيات الجفاف وتقلبات الأسواق.

كما أن إضافة مفهوم “السيادة الغذائية” إلى التسمية الرسمية للوزارة تضع حاتيمي أمام رهان يتجاوز تطوير الإنتاج الفلاحي إلى تعزيز قدرة البلاد على تأمين حاجياتها الغذائية الأساسية، وتقليص هشاشة سلاسل التموين في مواجهة الأزمات المناخية والاقتصادية.

ولن يكون تدبير ملف المياه أقل تعقيدا، خاصة أن الوزير الجديد سبق أن أثار، من موقعه البرلماني، الاختلالات المرتبطة باستغلال الموارد المائية وتداعيات ندرتها على الفلاحين.

أما قطاع الصيد البحري، الذي أصبح ضمن نطاق مسؤوليته الحكومية، فيضيف إلى مهامه تحديات أخرى تتعلق باستدامة الثروات البحرية وتثمين الإنتاج وتحسين أوضاع العاملين في القطاع، بالتنسيق مع الوزير المنتدب المكلف بالصيد البحري.

وبين هذه الملفات المتشابكة، سيكون حاتيمي مطالبا بإثبات أن الخبرة المتراكمة في إدارة الشركات والاستثمارات يمكن أن تتحول إلى قرارات عمومية ذات أثر اجتماعي واقتصادي ملموس.

لقد قطع الرجل مسافة طويلة من محيط أسرة فلاحية في تارودانت إلى إدارة شركات صناعية كبرى، ومنها إلى البرلمان والقيادة الحزبية، وصولا إلى أحد أكثر المناصب الحكومية ارتباطا بالحياة اليومية للمغاربة.

لكن المرحلة المقبلة ستكون مختلفة عن سابقاتها؛ ففي الشركات كان حاتيمي يشتغل على استراتيجيات الإنتاج والاستثمار، وفي البرلمان كان يطرح الأسئلة وينتقد بعض أوجه التدبير، أما اليوم فقد أصبح مطالبا بتقديم الأجوبة.

ولعل المفارقة الأبرز في مساره أن الوزير الذي يعتز بكونه “ابن فلاح وحفيد فلاح” سيجد نفسه أمام اختبار لا يتعلق فقط بما يعرفه عن الفلاحة، وإنما بما يستطيع تغييره في واقعها.

فبين جذور الأرض وحسابات المقاولة ومسؤولية الدولة، تبدأ مرحلة جديدة في مسار خالد حاتيمي، سيكون الحكم عليها بما سيتغير في حياة الفلاحين وفي قدرة المغرب على تأمين غذائه، أكثر مما سيكون بما راكمه صاحبها من شهادات ومناصب وتجارب.