انطباعات أولية بشأن هندسة حكومة المنصوري: غياب الانسجام الوظيفي وارتباك التوزيع الحزبي
وجهة نظر

انطباعات أولية بشأن هندسة حكومة المنصوري: غياب الانسجام الوظيفي وارتباك التوزيع الحزبي

تابع الرأي العام الوطني اليوم تعيين وزراء حكومة فاطمة المنصوري بالقصر الملكي، ما أتاح الفرصة للاطلاع على طبيعة الهندسة الحكومية التي أفضت إليها مشاورات أحزاب الأغلبية. وذلك في أفق استكمال مسار تنصيبها الدستوري بعد عرض رئيستها لمشروع برنامجها الحكومي أمام مجلسي البرلمان، ومناقشته، ثم التصويت عليه في مجلس النواب بالأغلبية المطلقة للأعضاء الذين يتألف منهم المجلس، وفقا لما يقتضيه الفصل 88 من دستور المملكة.

غير أن الاطلاع على تشكيلة هذه الحكومة من شأنه أن يُولّد عدداً من الانطباعات والملاحظات الأولية المتعلقة بجملة الاختلالات التي ترتبط بالمنطق الذي أطر هندستها، ووجّه الاختيارات السياسية والمؤسساتية التي حكمت صناعة قطاعاتها وتوزيعها على أحزاب المُشكلة لها. ويمكن إجمال هذه الملاحظات في المستويات التالية:

أولًا: الطابع غير المهيكل لهندسة حكومة المنصوري

حيث تم توزيع الوزارات وفق صيغة من شأنها أن تحول دون ضمان التلاؤم بين القطاعات وتكاملها الوظيفي، ما سيحدّ من فعاليتها ونجاعتها في تدبير السياسات العمومية والنهوض بالاختصاصات الموكولة إليها. ومن أمثلة ذلك:

1- إسناد قطاع “التكوين والتأهيل المهني” إلى وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي، وهو ما يطرح أسئلة عديدة، منها أن هذه الوزارة مثقلة بالقطاعات، وتعرف صعوبات جمّة في تدبير الإكراهات والتحديات التي تواجهها. وكان من المفيد الإبقاء على “التكوين والتأهيل المهني” بإزاء قطاع الشغل، بالنظر إلى تقارب طبيعة القطاعين، اللذين يستهدفان بشكل مباشر النهوض بسوق الشغل. هذا، مع الإشارة إلى أن إحساس القائمين على هذه الهندسة بأنهم أفرغوا وزارة الشغل من مضمونها قد دفعهم إلى إضافة “الحوار الاجتماعي” إليها، وكأننا أمام حوار اجتماعي يحتاج إلى وزارة تتولى تدبيره؟!

2- سيبقى قطاع “الاتصال” تائهًا بين الوزارات، ومما سيعمّق تَيهه إسناده إلى وزارة معنية بإعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة. (أقول هذا الكلام لأنه، في الغالب، ما يتبع قطاع الاتصال للناطقَ الرسميَّ باسم الحكومة، في ظل غياب هذا القطاع عن القطاعات التي تمت الإشارة إليها).

3- الخلط بين مفهوم “الماء”، باعتباره مورد ثروة وطنية، والأولى أن يُدبَّر إلى جانب قطاعي الطاقة والمعادن؛ وبين “المياه”، أنهاراً ووديان وأحواضا، التي كان يمكن تدبيرها إلى جانب قطاع الغابات، نظرًا إلى التكامل بينها.

4- يوحي الجمع بين قطاعات “الثقافة” و”الشباب” و”الرياضة” في وزارة واحدة وكأننا بصدد وزارة مختصة فقط بتدبير الوقت الثالث وملء أوقات فراغ المغاربة. وهو الأمر الذي يفرغ هاته القطاعات المهمة من مضمونها التنموي وطابعها الأفقي.

5- ما معنى تمييز “الذكاء الاصطناعي” عن “التحول الرقمي”؟ وذلك بغض النظر عن السؤال الكبير: هل نجحنا في التحول الرقمي، أم أن الأمر مجرد إنشاء لغوي ومزيد كلام؟

6- لماذا تم استبعاد قطاعَي “الصناعة التقليدية” و”الاقتصاد التضامني” عن وزارة “الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي”، وإسنادهما إلى وزارة “السياحة”؟ يبدو وكأن مهندسي هذا “التقطيع” الحكومي لم يروا في قطاعَي “الصناعة التقليدية” و”الاقتصاد التضامني” سوى ملحقين لتأثيث القطاع السياحي بالبلاد، لا رافعتين لصناعة الثروة والإنتاج الاقتصادي وخلق مزيد من مناصب الشغل.

ثانيًا: التراجع عن سياسة الأقطاب في توزيع الحقائب الوزارية على الأحزاب

ذلك أن إسناد كل قطب حكومي إلى حزب بعينه سيتيح فرصة أكبر لتعاون وزراء الحزب الواحد على النهوض بالقطب الذي يشرفون عليه. وقد جرت العادة أن يشكّل كل حزب فريقه الحكومي الذي ينظر في إمكانيات التنسيق بين وزرائه. وهكذا:

1- أُسندت إلى حزب رئيسة الحكومة قطاعات متباعدة لا تكاد تربط بينها علاقة، من قبيل: العدل، والشباب، والاقتصاد، والمالية، والثقافة، والرياضة، وإعداد التراب الوطني، والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، والناطق الرسمي باسم الحكومة (الذي يُلحق به قطاع الاتصال في الغالب)، والعلاقات مع البرلمان والمجتمع المدني، والأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة، والتعليم العالي. وهي قطاعات تتباين من حيث طبيعتها، ما يطرح سؤالًا حول مدى وجود منطق قطاعي مشترك يجمعها ضمن قطب حكومي متكامل.

2- أُسندت إلى حزب الاستقلال قطاعات التجهيز، والنقل، والماء، واللوجستيك، والصحة، والحماية الاجتماعية، والصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي، والفلاحة، والصيد البحري. وهي بدورها قطاعات مختلفة، ما يدفعنا إلى طرح السؤال عن مدى استحضار التكامل بينها.

3- أُسندت إلى حزب التقدم والاشتراكية قطاعات متفاوتة كذلك، وهي: التربية الوطنية، والطاقة والمعادن، والإدماج الاجتماعي. ويجمع هذا التوزيع بين مجالات متباينة، الأمر الذي يطرح السؤال عن مدى وجود ناظم يجمع بينها.

4- أُسندت إلى حزب الاتحاد الاشتراكي قطاعات متباعدة بدلًا من أن تكون متجاورة، وهي: التشغيل، والصيد البحري، والتعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي، وإصلاح الإدارة.

وهكذا، يبدو جليًّا أن توزيع الوزارات على الأحزاب لم يراعِ انسجامها وتكاملها، ما قد يفقدها إمكانية التعاون والتضامن بين وزراء الحزب الواحد. علمًا أنه كان من المفيد أن يتولى كل حزب سياسي في الأغلبية قطبًا ينسجم مع أولويات الحزب، وتفضيلات كفاءاته من مناضليه وأعضائه.

ثالثًا: تعدد الانتماءات الحزبية داخل الوزارة الواحدة

إذ يبدو أن مهندسي هذه الحكومة لم ينتبهوا إلى أن إسناد تدبير الوزارة الواحدة إلى أكثر من حزب قد يؤدي إلى بروز اختلافات بين الوزراء والوزراء المنتدبين. ولعل بعض التجارب الحكومية السابقة شاهدة على ذلك. فمثلًا:

1- وزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، يرأسها وزير من حزب التقدم والاشتراكية، إلى جانب وزيرين منتدبين من حزبي الاستقلال والاتحاد الاشتراكي.

2- وزارة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، يتولاها وزير من حزب الأصالة والمعاصرة، إلى جانب وزير منتدب من حزب الاتحاد الاشتراكي.

3- وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، يدبّرها وزير غير منتمٍ حزبيًّا، إلى جانب وزير منتدب من حزب الاتحاد الاشتراكي.

4- وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، يدبّرها وزير تكنوقراطي، إلى جانب وزير منتدب من حزب الاستقلال.

تجعل كل هذه الحالات من المشروع طرح السؤال بشكل واضح عن طبيعة العلاقة بين الوزير المسؤول عن القطاع والوزير المنتدب، وعن مدى استقلالية القرار في حدود الاختصاصات المسندة إلى كل منهما، وعن آليات فضّ الخلافات المحتملة بينهما. علمًا أن الممارسة الحكومية تؤكد الحاجة إلى آليات تنسيق فعالة تحول دون تحوّل الاختلاف الحزبي إلى مصدر لتضارب الأولويات أو ازدواجية القرار.

رابعًا: تضخم المكوّن التكنوقراطي وسؤال الطابع السياسي للحكومة

يُلاحظ أن عددًا من الوزارات المهمة أُسند إلى شخصيات غير منتمية حزبيًّا، باستثناء قطاعات الداخلية والخارجية والأوقاف، التي يمكن نسبيا تفهّم منطق إسنادها إلى غير المتحزّبين، على الأقل في السياق السياسي المغربي الراهن. ويبدو لي أن هذا الأمر يحمل دلالة سلبية تتمثل في أن الأحزاب المشكلة للحكومة لا تمتلك كفاءات مناسبة لتدبير “وزارة الصحة والحماية الاجتماعية” و”وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة” و”وزارة السياحة والصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني”.

وفي السياق نفسه، أُسندت “الأمانة العامة للحكومة” إلى شخصية معروفة بانتمائها إلى حزب الاتحاد الاشتراكي. وهو ما يطرح السؤال: هل غيّر المثقف والمناضل، الأستاذ حسن طارق، موقعه من مناضل حزبي وسياسي إلى موقع الخبير التكنوقراطي؟ أم أن القائمين على الشأن الوطني اختاروا خوض تجربة جديدة، يتم من خلالها إسناد القطاع المؤتمن على التشريع بالبلاد إلى شخصية سياسية حزبية؟

هذا، مع الإشارة إلى أن تضخم المكوّن التكنوقراطي (أي المكوّن الذي يؤمن بأن حلول السياسة تكمن في التقنيات، لا في الاختيارات والتوجهات) يأتي مناقضًا للتوجه الذي عبّرت عنه أحزاب الأغلبية في أول بلاغ لها، حين تحدثت عن تشكيل “أغلبية سياسية منسجمة” تفضي إلى “حكومة سياسية قوية”. فأين السياسة في حكومة تصل فيها نسبة التكنوقراط إلى 25%، أي ربع أعضاء الحكومة تقريبًا؟

على العموم، تبقى هذه مجرد ملاحظات أولية وانطباعية كُتبت على عجل، تفاعلًا مع حدث تعيين وزراء حكومة فاطمة المنصوري، على أن تتضح الصورة أكثر حين عرض البرنامج الحكومي أمام مجلسي البرلمان في مستقبل الأيام.