حكومة المنصوري
أخبار الساعة

“ميركاتو” الهندسة الوزارية.. ما الذي تغير في خريطة المسؤوليات داخل حكومة المنصوري؟

لم يكن “الميركاتو الحكومي” الذي رافق تشكيل حكومة فاطمة الزهراء المنصوري مقتصرا على انتقال الوزراء بين الحقائب أو مغادرة أسماء والتحاق أخرى، بل امتد إلى إعادة توزيع عدد من القطاعات والاختصاصات بين الوزارات، في هندسة حكومية جديدة أعادت رسم خريطة المسؤوليات، ومنحت بعض الوزراء صلاحيات أوسع، مقابل تجريد وزارات أخرى من قطاعات ظلت تحت إشرافها لسنوات.

وتكشف مقارنة التشكيلة الحكومية الجديدة التي عين الملك محمد السادس أعضاءها، الجمعة 16 أكتوبر 2026، بالهندسة السابقة لحكومة عزيز أخنوش، عن تحولات لافتة طالت قطاعات الغابات والتكوين المهني والاستثمار والإدماج الاقتصادي والرياضة والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة، فضلا عن إعادة ترتيب المسؤوليات داخل عدد من الوزارات، واختفاء قطاعات أخرى من التسميات الرسمية.

مزور يجمع الاستثمار والإدماج الاقتصادي مع الصناعة والتجارة

ويبرز رياض مزور ضمن أبرز المستفيدين من إعادة توزيع الاختصاصات، بعدما توسعت حقيبته من “الصناعة والتجارة” إلى “الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي”، في تحول يجعله مسؤولا سياسيا عن منظومة تجمع الإنتاج الصناعي والتجارة والاستثمار والإدماج في النسيج الاقتصادي.

وبموجب الهيكلة الجديدة، انتقل قطاع الاستثمار، الذي كان يشرف عليه كريم زيدان بصفته وزيرا منتدبا لدى رئيس الحكومة مكلفا بالاستثمار والتقائية وتقييم السياسات العمومية، إلى وزارة مزور، فيما انتقل إليها أيضا الإدماج الاقتصادي الذي كان ضمن اختصاصات وزارة يونس السكوري.

ويثير هذا الجمع بين الاستثمار والإدماج الاقتصادي والصناعة والتجارة تساؤلات بشأن التحول الذي قد تعرفه السياسة الاقتصادية للحكومة، خصوصا في ما يتعلق بمدى قدرة الوزارة الموسعة على الربط بين استقطاب الاستثمارات وإحداث فرص الشغل وإدماج الشباب والمقاولات الصغيرة في الدورة الاقتصادية.

غير أن توسيع حقيبة مزور يطرح، في المقابل، تحدي ضمان شمولية سياسة الاستثمار لمختلف القطاعات، بما فيها السياحة والفلاحة والخدمات، وعدم اختزالها في المقاربة الصناعية وحدها.

حقيبة السكوري تتفكك إلى ثلاثة قطاعات

ولعل أبرز ما تكشفه الهندسة الحكومية الجديدة هو التفكيك شبه الكامل للحقيبة التي كان يتولاها يونس السكوري، والتي جمعت خلال الولاية السابقة الإدماج الاقتصادي والمقاولة الصغرى والتشغيل والكفاءات.

ففي الوقت الذي انتقل فيه الإدماج الاقتصادي إلى رياض مزور، جرى إلحاق التكوين المهني بوزارة التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، التي يتولاها نبيل بنعبد الله، فيما أصبح التشغيل قطاعا وزاريا قائما بذاته، تحت مسؤولية عبد الرحيم شهيد، وزير التشغيل والحوار الاجتماعي.

ويعكس هذا التوزيع تحولا في طريقة تنظيم السياسات المرتبطة بسوق الشغل، بعدما كانت ملفات التشغيل والتكوين والإدماج الاقتصادي مجتمعة تحت إشراف وزير واحد، لتصبح موزعة بين ثلاث وزارات مختلفة.

وفي حين يمكن أن يسهم هذا التوجه في تعزيز تخصص كل وزارة، فإنه يطرح تحديا يتعلق بضمان التنسيق بين المسؤولين عن تكوين الشباب وتأهيلهم، والجهات المكلفة باستقطاب الاستثمارات، وتلك التي تتولى تدبير سياسات التشغيل.

ويثير اختفاء “المقاولة الصغرى” من التسميات الحكومية الجديدة سؤالا إضافيا بشأن موقع هذا الملف في الهيكلة المرتقبة، ومدى ارتباطه باختصاصات وزارة الصناعة والتجارة والاستثمار والإدماج الاقتصادي.

الغابات تغادر الفلاحة وتلتحق بوزارة التجهيز

وفي قطاع آخر، حملت الحكومة الجديدة تغييرا في موقع الغابات، بعدما جرى إلحاقها بوزارة التجهيز والماء التي يقودها نزار بركة، لتصبح تحت مسمى “وزارة التجهيز والماء والغابات”.

ويأتي هذا التحول بعدما كان القطاع الغابوي مرتبطا بوزارة الفلاحة والصيد البحري والتنمية القروية والمياه والغابات، التي كان يقودها أحمد البواري، قبل إسناد حقيبة الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية إلى خالد حاتيمي.

ويضع هذا التغيير تدبير الغابات والموارد المائية تحت مظلة وزارية واحدة، في وقت تواجه فيه المملكة تحديات مرتبطة بالإجهاد المائي والتصحر وتدهور النظم البيئية والضغط المتزايد على الموارد الطبيعية.

غير أن التحول لا يتعلق بنقل اسم قطاع بين وزارتين فقط، بل يثير أيضا مسألة الإشراف على المؤسسات والمصالح المختصة، وفي مقدمتها الوكالة الوطنية للمياه والغابات، وحدود التنسيق بين تدبير المجال الغابوي والأنشطة الفلاحية والتنمية القروية.

كما يلفت الانتباه اختفاء “التنمية القروية” من التسمية الجديدة لوزارة الفلاحة، رغم استمرار ارتباط عدد من الأوراش الفلاحية بالمجالات القروية والجبلية، ما يطرح تساؤلات بشأن الموقع التنظيمي لهذا الاختصاص.

التكوين المهني ينتقل إلى التعليم والرياضة تعود إلى الشباب

وشملت عملية إعادة توزيع القطاعات وزارة التربية الوطنية، التي تخلت عن الرياضة لصالح وزارة الشباب والثقافة، التي يقودها محمد المهدي بنسعيد، مقابل استقبال قطاع التكوين المهني القادم من وزارة التشغيل والإدماج الاقتصادي.

وبذلك انتقلت وزارة التربية الوطنية من صيغة تجمع التعليم الأولي والرياضة إلى هندسة تشمل التربية الوطنية والتعليم الأولي والتكوين المهني والتأهيل، مع إسناد هذا القطاع الأخير إلى الوزيرة المنتدبة ماديحة خيير.

كما أسندت مسؤولية التعليم الأولي ومحاربة الهدر المدرسي إلى الوزير المنتدب كمال الهشومي، في توزيع يجعل الوزارة مسؤولة عن سلسلة واسعة من المراحل التعليمية والتكوينية.

وفي المقابل، أصبح بنسعيد على رأس وزارة الشباب والثقافة والرياضة، مع تعيين صلاح الدين عبقري وزيرا منتدبا مكلفا بالشباب.

التواصل يغيب عن التشكيلة الحكومية

ومن أبرز الملاحظات التي تثيرها الهندسة الجديدة اختفاء قطاع التواصل من التسميات الوزارية، بعدما كان جزءا من حقيبة محمد المهدي بنسعيد، الذي احتفظ بالشباب والثقافة وأضاف إليهما الرياضة.

ويكتسي هذا الغياب أهمية خاصة بالنظر إلى الاختصاصات التي كان يضطلع بها قطاع التواصل في تدبير ملفات الصحافة والنشر والاتصال السمعي البصري والدعم العمومي للمؤسسات الإعلامية والعلاقة مع الهيئات المهنية.

ولا تكشف لائحة التعيينات الجديدة عن الوزارة التي ستؤول إليها هذه الاختصاصات، أو ما إذا كانت ستظل تحت إشراف بنسعيد رغم حذف التواصل من التسمية الرسمية لوزارته.

ويزداد هذا التساؤل أهمية مع إسناد مهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة إلى سمير بلفقيه، وزير إعداد التراب الوطني والتعمير والإسكان وسياسة المدينة، بعدما كان مصطفى بايتاس يجمع هذه المهمة مع العلاقات مع البرلمان.

فمهمة الناطق الرسمي باسم الحكومة تختلف عن الاختصاصات المرتبطة بتدبير قطاع الصحافة والإعلام، وهو ما يجعل تحديد الجهة الحكومية المشرفة على هذا القطاع من أبرز النقط التي تحتاج إلى توضيح تنظيمي.

الذكاء الاصطناعي ينتقل إلى الواجهة الوزارية

وفي المجال الرقمي، اختارت الحكومة الجديدة إسناد حقيبة تجمع الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة إلى أحمد رحو، بعدما كان الانتقال الرقمي وإصلاح الإدارة تحت إشراف أمل الفلاح السغروشني، بصفتها وزيرة منتدبة لدى رئيس الحكومة.

وبموجب الهيكلة الجديدة، أصبح إصلاح الإدارة أيضا موضوع اختصاص وزيرة منتدبة، هي عائشة كلاع، في إطار الوزارة التي يقودها رحو.

ويبرز هذا التعديل انتقال الرقمنة وإصلاح الإدارة من مستوى وزارة منتدبة لدى رئاسة الحكومة إلى وزارة قائمة بذاتها، مع إدراج الذكاء الاصطناعي صراحة ضمن تسميتها، في مؤشر على تنامي الحضور السياسي والمؤسساتي لهذا المجال.

ترقية كتابات الدولة إلى وزارات منتدبة

ولم تقف إعادة الهيكلة عند انتقال الاختصاصات بين الوزارات، بل شملت أيضا تغيير الموقع الحكومي لعدد من القطاعات.

ففي الصيد البحري، انتقلت المسؤولية من كاتبة الدولة السابقة زكية الدريوش إلى أحمد المهدي المزواري، الذي عين وزيرا منتدبا لدى وزير الفلاحة والصيد البحري والسيادة الغذائية، مكلفا بالصيد البحري.

كما انتقلت التجارة الخارجية من كتابة دولة كان يشرف عليها عمر حجيرة إلى وزارة منتدبة يتولى المسؤول نفسه قيادتها، تحت إشراف رياض مزور.

وشمل التغيير كذلك قطاع الإسكان، الذي أصبح تحت مسؤولية الوزيرة المنتدبة فاطمة السعدي، وقطاع الصناعة التقليدية والاقتصاد التضامني، الذي أصبح يشرف عليه الوزير المنتدب عبد الجبار الرشيدي، فضلا عن الإدماج الاجتماعي الذي أسند إلى رشيد حموني بصفته وزيرا منتدبا لدى وزيرة الأسرة والتنمية الاجتماعية والمساواة.

اختصاصات غابت وأخرى برزت.. امتحان النجاعة

وفي موازاة هذه التحولات، حملت التشكيلة الجديدة تغييرات في التسميات، من بينها إضافة “النجاعة العمومية” إلى وزارة الاقتصاد والمالية التي أصبح يقودها فوزي لقجع، وإبراز “المعادن” ضمن حقيبة الطاقة والتنمية المستدامة التي أسندت إلى شرفات أفيلال، فضلا عن إدراج السيادة الغذائية ضمن حقيبة خالد حاتيمي.

ولا تعني هذه التغييرات بالضرورة استحداث جميع هذه الاختصاصات، إذ كانت بعض المجالات، وفي مقدمتها المعادن، مشمولة بالفعل بالمهام القانونية للقطاعات السابقة، رغم عدم ظهورها في تسمياتها الرسمية.

وفي المقابل، غابت عن أسماء الوزارات الجديدة تعبيرات من قبيل “المقاولة الصغرى” و”التنمية القروية” و”التواصل” و”التقائية وتقييم السياسات العمومية”، دون أن يعني ذلك بالضرورة إلغاء البرامج أو المؤسسات المرتبطة بها.

وتضع هذه التحولات حكومة المنصوري أمام اختبار يتجاوز توزيع الحقائب وإعادة ترتيب الاختصاصات، ويتعلق بمدى قدرتها على ضمان التنسيق بين القطاعات وتفادي تداخل المسؤوليات، خصوصا في الملفات التي تجمع أكثر من وزارة.

ويبقى صدور النصوص التنظيمية المحددة للاختصاصات عاملا حاسما في الكشف عن الخريطة الفعلية لهذه التغييرات، وتحديد مصير الإدارات والمؤسسات والميزانيات المرتبطة بالقطاعات المعنية.

وبين الوزارات التي توسعت حقائبها، وأخرى تقلصت اختصاصاتها، وقطاعات انتقلت إلى مواقع حكومية جديدة، يبدو أن “ميركاتو القطاعات” سيكون أحد أبرز ملامح حكومة المنصوري، في انتظار معرفة ما إذا كانت إعادة توزيع المسؤوليات ستترجم إلى نجاعة أكبر في تنفيذ السياسات العمومية، أم ستفتح مرحلة إضافية من إعادة التنظيم والتنسيق الإداري.