اعتبر مصطفى يحياوي، أستاذ الجغرافيا السياسية وتقييم السياسات العمومية بجامعة الحسن الثاني بالدار البيضاء، أن نجاح الحكومة الجديدة لن يتوقف على طبيعة الانتماءات الحزبية للوزراء أو عدد الحقائب الموزعة بين مكونات الأغلبية، بل على مدى توفر أعضائها على الكفاءة التقنية والتدبيرية اللازمة لمواجهة التحديات المطروحة، محذراً من أن تتحول الترضيات الحزبية وتعدد المسؤوليات داخل بعض القطاعات إلى عوامل تحد من النجاعة الحكومية.
وأوضح يحياوي، خلال حلوله ضيفاً على برنامج “صدى الأحداث” على إذاعة ميدي 1، أن التشكيلة الحكومية الجديدة تضم عدداً من الوزراء الذين تدرجوا داخل أحزابهم السياسية، معتبراً أن هذا المعطى يعيد الاعتبار إلى جدوى الانخراط الحزبي والمسار التنظيمي في الوصول إلى المسؤولية الحكومية.
وأشار إلى أن وجود وزراء ينتمون فعلياً إلى الأحزاب التي يمثلونها يشكل أحد الفوارق المسجلة مقارنة بتركيبة الحكومة السابقة، التي شهدت، بحسب قراءته، حالات تولى فيها أشخاص المسؤولية باسم أحزاب دون أن يكون مسارهم مرتبطاً بالانتماء التنظيمي إليها.
غير أن أستاذ الجغرافيا السياسية شدد على أن الانتماء الحزبي لا يمثل، في حد ذاته، ضمانة للنجاح، متسائلاً عما إذا كانت الصفة الحزبية كافية للاستجابة للتحديات التي تواجه الحكومة، خاصة في ضوء التوجيهات التي تضمنها الخطاب الملكي الأخير أمام البرلمان.
وأكد أن الرهان يتمثل في مدى قدرة الوزراء على الجمع بين الانتماء السياسي والكفاءة التقنية، بما يضمن تحويل الاختيارات الحكومية إلى نتائج ملموسة، عوض الاكتفاء بتوزيع المسؤوليات وفق التوازنات بين الأحزاب المشكلة للأغلبية.
وفي السياق ذاته، أثار يحياوي تساؤلات بشأن حجم الحكومة الجديدة وتعدد المسؤوليات داخل بعض القطاعات، خصوصاً في الحالات التي يوجد فيها وزير إلى جانب وزير منتدب ينتمي إلى حزب آخر، معتبراً أن هذا التنظيم يطرح سؤالاً حول مدى مساهمته في تحسين الأداء الحكومي، أو تحوله إلى عامل إضافي يعقد التنسيق بين المتدخلين.
وأضاف أن تقييم الهندسة الحكومية ينبغي أن ينطلق من قدرتها على تحقيق النجاعة والانسجام في تدبير القطاعات، وليس فقط من عدد الحقائب التي حصل عليها كل حزب، مشدداً على ضرورة إخضاع نتائج السياسات الحكومية للتتبع والمراقبة قبل إصدار أحكام نهائية بشأن فعاليتها.
الهندسة الحكومية واختبار الإصلاحات الاجتماعية
وفي قراءته لترتيب القطاعات الحكومية، اعتبر يحياوي أن الهندسة الحالية ينبغي أن تُقيّم في ضوء التحولات التي فرضتها الأولويات الاستراتيجية للمرحلة المقبلة، موضحاً أن هناك فرقاً بين الاختيارات التي جرى تصورها قبل الخطاب الملكي الذي افتتح السنة التشريعية، وتلك التي أصبح مطلوباً تكييفها مع التوجيهات الواردة فيه.
وأشار إلى أن الدولة الاجتماعية تمثل أحد الرهانات المركزية لدى عدد من الأحزاب المشكلة للأغلبية، بالنظر إلى مرجعياتها الحداثية والتقدمية، غير أن حجم الاستثمارات المالية المخصصة للبرامج الاجتماعية لم ينعكس، وفق تقديره، بالقدر المنتظر على النتائج الاجتماعية.
واعتبر أن محدودية العائد الاجتماعي مقارنة بحجم الموارد المرصودة تطرح ضرورة مراجعة أساليب تدبير الإصلاحات، والانتقال من التركيز على حجم الإنفاق إلى تقييم أثره الفعلي على المواطنين.
كما حذر من احتمال تصاعد التوترات الاجتماعية في عدد من القطاعات ابتداء من سنة 2027، مشيراً إلى أن الحوار الاجتماعي، خاصة في قطاعي الصحة والتعليم، قد يواجه صعوبات تستدعي استعداداً استباقياً من مكونات الحكومة.
وفي هذا الإطار، دعا الأحزاب ذات الامتدادات النقابية، ولا سيما حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية والتقدم والاشتراكية، إلى توظيف هذه الامتدادات في مواكبة الملفات الاجتماعية، والمساهمة في تدبير الحوار مع الفئات المهنية، بما يساعد على استباق الاحتقان ومعالجة أسبابه.
إصلاح مدونة الأسرة واحتمالات التقاطب السياسي
ومن جهة أخرى، نبه يحياوي إلى أن الاختيارات المرتبطة بالإصلاحات ذات الخلفية الحداثية قد تفتح المجال أمام تقاطب سياسي ومجتمعي، خصوصاً في ما يتعلق بإصلاح مدونة الأسرة.
وأوضح أن تبني الحكومة أطروحة حداثية بارزة في هذا الملف قد يطرح تحديات على مستوى النقاش البرلماني، في ظل الحضور القوي لحزب العدالة والتنمية، فضلاً عن حساسية النقاش المجتمعي بشأن قضايا الأسرة.
وشدد على أن السياق الحالي يختلف عن الظروف التي رافقت إصلاح مدونة الأسرة سنة 2004، وهو ما يستدعي، بحسبه، استحضار التحولات السياسية والاجتماعية التي عرفها المغرب خلال العقدين الماضيين.
وربط المتحدث بين هذا النقاش وبين طبيعة الاختيارات الحكومية في قطاعي العدل والتضامن والإدماج الاجتماعي والأسرة، معتبراً أن التوجه الذي ستعتمده الحكومة في إصلاح مدونة الأسرة سيكون من الملفات التي ستختبر قدرتها على تدبير الاختلافات السياسية والمجتمعية.
وختم يحياوي بالتأكيد على أن التحدي الأساسي أمام الحكومة لا يتعلق بمجرد تشكيل أغلبية وتوزيع الحقائب، بل بقدرتها على تحقيق الانسجام بين مكوناتها، وتوفير الكفاءة اللازمة لتدبير الإصلاحات، مع ضمان ألا تتحول التوازنات الحزبية إلى عائق أمام النجاعة الحكومية.