إبراهيم الخياطي
منتدى العمق

وزارة الذكاء الاصطناعي في المغرب: هل تدخل الإدارة عصر الخوارزميات أم يتغير اسمها فقط؟

يشكل إحداث وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة ضمن الهيكلة الحكومية المغربية الجديدة تطوراً مؤسساتياً يفتح الباب أمام نقاش يتجاوز حدود التحديث التقني، ليصل إلى طبيعة العلاقة بين الدولة والمواطن، ومستقبل المرفق العمومي، وقدرة الإدارة المغربية على مواكبة التحولات التكنولوجية المتسارعة. فالجمع بين الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة داخل حقيبة وزارية واحدة يطرح سؤالاً جوهرياً: هل تتجه الحكومة نحو إعادة بناء الإدارة من الداخل، أم أن الأمر سيظل في حدود رقمنة الإجراءات القائمة وتغيير أدوات تدبيرها؟

إن دلالة هذه الخطوة تكمن في محاولة الجمع بين ثلاثة أوراش مترابطة، لكنها مختلفة في طبيعتها. فالتحول الرقمي يوفر البنية التكنولوجية اللازمة لتطوير الخدمات، والذكاء الاصطناعي يتيح إمكانات جديدة لمعالجة البيانات وأتمتة بعض المهام وتحسين اتخاذ القرار، فيما يفترض بإصلاح الإدارة أن يعالج التعقيدات القانونية والتنظيمية والمسطرية التي تؤثر في جودة الخدمات العمومية. غير أن نجاح هذا الجمع يظل رهيناً بمدى القدرة على تحويل التكنولوجيا من واجهة حديثة إلى وسيلة فعلية لتبسيط حياة المواطنين.

وفي هذا السياق، يكتسي تعيين أحمد رحو على رأس الوزارة أهمية خاصة بالنظر إلى طبيعة التحديات التي تنتظر القطاع، والتي تتطلب الجمع بين الخبرة المؤسساتية والرؤية الاقتصادية والقدرة على قيادة التحول التكنولوجي. فالمطلوب ليس فقط تطوير المنصات الرقمية، بل بناء منظومة متكاملة تربط الإدارة بالجامعات ومراكز البحث والمقاولات الناشئة، وتدعم الابتكار المحلي، وتعمل على تكوين الكفاءات القادرة على تطوير حلول مغربية تستجيب لحاجيات المجتمع والاقتصاد الوطني. ومع ذلك، فإن تقييم هذا الاختيار ينبغي أن يستند إلى النتائج التي ستتحقق على أرض الواقع، لا إلى التوقعات المرتبطة بالسيرة المهنية للمسؤولين.

ويبرز تعيين عائشة كلاع وزيرة منتدبة مكلفة بإصلاح الإدارة بُعداً آخر في هذه الهندسة الحكومية، يتمثل في إمكانية إفراد الإصلاح الإداري باهتمام مؤسساتي مباشر داخل الوزارة. فالمشكلة التي تواجه المواطن لا تتعلق دائماً بغياب الخدمات الإلكترونية، وإنما قد ترتبط بتعدد الوثائق المطلوبة، وتكرار الإجراءات، وطول آجال معالجة الملفات، وتداخل الاختصاصات بين المؤسسات. ومن ثم، فإن الإصلاح الحقيقي يقتضي مراجعة المساطر نفسها، وإلغاء الإجراءات غير الضرورية، وتوضيح المسؤوليات، وربط أداء الإدارات بمؤشرات قابلة للقياس والمساءلة.

لكن من الضروري التمييز بين هذا التصور المحتمل لتوزيع المهام وبين الاختصاصات الرسمية الدقيقة لكل مسؤول، إذ إن نجاح التنسيق بين الوزير والوزيرة المنتدبة سيتوقف على وضوح الصلاحيات وآليات اتخاذ القرار. فالتداخل بين المسؤوليات قد يحول الوزارة إلى فضاء إضافي للتنسيق الإداري، بينما يفترض أن تكون مهمتها الأساسية تقليص التعقيد وتوحيد الجهود وتسريع الإنجاز.

ولا يبدأ المغرب هذا الورش من نقطة الصفر؛ فقد سبق للحكومة أن أعلنت عن توجهات استراتيجية في مجال الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي ضمن استراتيجية «المغرب الرقمي 2030»، مع أهداف تتعلق بتطوير الكفاءات، ودعم فرص الشغل، وتعزيز القيمة الاقتصادية للقطاع، إلى جانب مبادرات تروم تسهيل الولوج إلى المعلومات والخدمات الإدارية. ولذلك، فإن السؤال المطروح اليوم لا يتعلق بمجرد إعلان توجه جديد، بل بما ستضيفه الوزارة إلى هذه البرامج، وكيف ستعمل على توحيد المبادرات وتسريع تنفيذها وتقييم أثرها بصورة شفافة.

ومن بين أبرز الاختبارات التي تنتظر الوزارة قدرتها على جعل التحول الرقمي ملموساً في الحياة اليومية للمواطن. فنجاحها ينبغي أن يُقاس بمدى تقليص الوقت اللازم للحصول على الوثائق والرخص، وبعدد الإجراءات التي جرى تبسيطها أو إلغاؤها، وبمدى تحسن جودة الخدمات وتراجع الشكايات المرتبطة بالتأخير والتعقيد. أما الاكتفاء بإطلاق منصات إلكترونية جديدة، مع الإبقاء على المنطق الإداري نفسه، فلن يؤدي بالضرورة إلى إصلاح حقيقي، بل قد ينقل البيروقراطية من المكاتب الورقية إلى الشاشات الرقمية.

ويطرح الاعتماد المتزايد على الذكاء الاصطناعي، في المقابل، تحديات تتعلق بحماية المعطيات الشخصية، والشفافية، والمساواة في الولوج إلى الخدمات. فالإدارة الذكية ينبغي ألا تتحول إلى إدارة مغلقة تتخذ قرارات يصعب على المواطن فهمها أو الاعتراض عليها. كما أن أتمتة بعض المهام لا ينبغي أن تعني التخلي عن المسؤولية البشرية، خصوصاً في القرارات التي تمس الحقوق الاجتماعية أو الوضع القانوني للأفراد. وتزداد أهمية هذه الضمانات في بلد تتفاوت فيه مستويات الاتصال بالإنترنت والمهارات الرقمية بين المدن والقرى وبين الفئات الاجتماعية المختلفة.

ومن هنا، فإن الرهان لا يقتصر على امتلاك التكنولوجيا، بل يشمل بناء الثقة في طريقة استخدامها. فكلما أصبحت الخدمات أكثر اعتماداً على البيانات والخوارزميات، ازدادت الحاجة إلى قواعد واضحة تحدد المسؤولية عن الأخطاء، وتضمن حق المواطن في تصحيح معلوماته والاعتراض على القرارات التي تمس مصالحه، وتمنع التمييز الناتج عن بيانات غير دقيقة أو أنظمة غير ملائمة للسياق المغربي.

وعلى المستوى السياسي، يمكن قراءة إحداث هذه الوزارة باعتباره مؤشراً على الرغبة في جعل التحديث الإداري والتحول التكنولوجي جزءاً من أولويات الحكومة الجديدة. غير أن الرسالة السياسية للتعيين تظل مختلفة عن الحصيلة الفعلية للسياسة العمومية؛ فوجود وزارة تحمل اسم الذكاء الاصطناعي لا يعني تلقائياً أن الإدارة أصبحت أكثر كفاءة، مثلما أن اعتماد أدوات تكنولوجية متقدمة لا يضمن إصلاح المؤسسات التي تستخدمها. إن التحول الحقيقي يحتاج إلى رؤية واضحة، وميزانية مناسبة، وتنسيق فعال بين القطاعات، ومؤشرات أداء منشورة، ومحاسبة على النتائج.

وفي المحصلة، تقف وزارة الذكاء الاصطناعي والتحول الرقمي وإصلاح الإدارة أمام فرصة لإعادة تعريف العلاقة بين المواطن والمرفق العمومي، من خلال الانتقال من إدارة تفرض على المواطن التكيف مع تعقيداتها إلى إدارة تصمم خدماتها انطلاقاً من حاجياته وحقوقه. غير أن هذه الفرصة قد تتحول إلى مجرد تغيير في الهيكلة إذا لم تقترن بإصلاح عميق للمساطر والثقافة التنظيمية وآليات التقييم.

فالإدارة الذكية ليست تلك التي تتحدث بلغة الذكاء الاصطناعي أو تكثر من منصاتها الرقمية، بل تلك التي تختصر الوقت، وتقلل الإجراءات، وتحمي البيانات، وتضمن تكافؤ الفرص في الحصول على الخدمات. وفي النهاية، لن يكون الحكم على الوزارة من اسمها أو من طموحاتها المعلنة، وإنما من تجربة المواطن اليومية: هل أصبحت الإدارة أسرع وأكثر إنصافاً ووضوحاً؟ وهل بات الحصول على الحق أقل كلفة من ذي قبل؟ هنا تحديداً سيظهر الفرق بين رقمنة الإدارة وإصلاحها فعلياً.