دكالة: سلة غذاء المغرب المنسية في دواليب القرار الحكومي
منتدى العمق

دكالة: سلة غذاء المغرب المنسية في دواليب القرار الحكومي

تشكل منطقة دكالة (إقليمي الجديدة وسيدي بنور) العمق الاستراتيجي والأمن الغذائي الأول للمملكة المغربية. فعلى مدى عقود، ظلت هذه الأرض المعطاءة تُمول السوق الوطنية بأطنان الحبوب، والخضروات، واللحوم، وتساهم بشكل وازن في النسيج الفلاحي والصناعي-الغذائي الوطني. ورغم هذا الثقل الاقتصادي الهائل، والزخم التاريخي الذي طبع إسهامات المنطقة في مسار الحركة الوطنية والمقاومة والفكر، تبرز مفارقة صارخة تتمثل في الغياب المستمر لنخبها الفكرية والسياسية عن دوائر القرار الحكومي المباشر.

إن هذا الاستبعاد المتكرر لا يمكن قراءته بمعزل عن سياقات تاريخية وبنيوية، بل يطرح تساؤلات مشروعة حول طبيعة المعايير المعتمدة في تشكيل الحكومات، وما إذا كان الأمر يتعلق بقصور في الأداء الحزبي المحلي أم بتهميش ممنهج يضرب في صميم مبدأ العدالة المجالية.

أولاً: دكالة التاريخ والفكر.. مخاض النخب وصوت الوطنية

تاريخياً، لم تكن دكالة مجرد فضاء جغرافي فلاحي هامشياً، بل كانت خزاناً بشرياً وفكرياً أنجب علماء، ومفكرين، ومقاومين، ورجال دولة تركوا بصمات واضحة في تاريخ المغرب الحديث.

الجذر التاريخي والمقاومة: منذ مقاومة الاستعمار والظهائر الاستعمارية، كانت قبائل دكالة سداً منيعاً دافع عن استقلال البلاد ووحدتها.

الرافد الفكري والثقافي: أنجبت المنطقة أسماء وازنة في حقول الأدب، الفلسفة، القانون، والسياسة، ممن تصدروا المشهد الأكاديمي والجامعي وساهموا في صياغة الفكر الإصلاحي والوطني.

إلا أن هذا المخزون الفكري والسياسي وجد نفسه، لعقود، محاصراً داخل أسوار الإشعاع الجهوي، دون أن ينجح في العبور نحو قبة مجالس الوزراء أو مراكز اتخاذ القرار التنفيذي الأعلى، مما يعكس بوناً شاسعاً بين طاقات المنطقة وقدرتها على التمثيل المؤسساتي.

ثانياً: الاقتصاد مقابل السياسة.. معادلة الاستنزاف والغياب

ترتكز المفارقة الكبرى في حالة دكالة على معادلة “الإنتاج مقابل القرار”:

1. الركيزة الاقتصادية: دكالة هي “سلة غذاء المغرب”. من سهولها العريضة يتدفق الخير على الحواضر الكبرى. لكن هذا الدور الوظيفي اقتصر غالباً على البعد الاقتصادي والإنتتاجي، دون أن يتحول إلى قوة ضغط سياسية تفاوضية تكفل لها حصة عادلة من الحقائب الوزارية.

2. المركزية المفرطة: تعاني الخريطة السياسية المغربية من تمركز حزبي ومؤسساتي داخل محاور جغرافية محددة (الرباط، الدار البيضاء، فاس ومراكش أحياناً). هذا التمركز يجعل الأحزاب السياسية، التي تحتكر تزكيات الاستوزار، أسيرة لحسابات انتخابية ضيقة أو لشبكات زبونية مركزية، متجاهلة الأوزان الديمغرافية والاقتصادية الحقيقية للأقاليم كدكالة.

ثالثاً: الأخطاء التاريخية والسياسية المرتكبة في حق النخبة الدكالية

إن غياب النخبة الفكرية والسياسية لدكالة عن الحكومة ليس قدراً محتوماً، بل هو نتيجة تراكم مجموعة من الاختلالات والأخطاء المرتكبة من طرف الفاعلين المركزيين والمحليين على حد سواء:

اختزال المنطقة في “الوعاء الانتخابي”: تعاملت الأحزاب السياسية الكبرى مع دكالة طويلاً بمنطق “خزان الأصوات” موسم الانتخابات، حيث تُحشد الأعداد الهائلة لصناديق الاقتراع، ليتم “نسيان” المنطقة ومحاصرة نخبها فور توزيع الغنائم السياسية والمناصب الحكومية.

ضعف التكتل اللوبي والمرافعاتي: غياب تنسيق قوي ووازن بين نخب الإقليم (برلمانيين، منتخبين، وأكاديميين) لفرض أجندة جهوية تدافع عن حقوق المنطقة في الاستفادة من التمثيلية الحكومية، مقابل تشرذم الحصص الحزبية.

مركزية القرار الحزبي: تكريس الأمانات العامة للأحزاب لمنطق “الولاءات الشخصية” و”القرب من مراكز القرار العاصمي” على حساب كفاءات الأقاليم الكبرى، مما أقصى أسماء دكالية وازنة قادرة على إعطاء إضافة نوعية للعمل الحكومي.

خاتمة: نحو إنصاف مجالي وسياسي

إن استمرار تغييب منطقة بحجم دكالة ونخبها الفكرية والسياسية عن تدبير الشأن العام الحكومي المباشر يُعد هدراً لطاقات وطنية حقيقية، وإخلالاً بمبدأ التوازن المجالي الذي ينشده المغرب في ظل ورش الجهوية المتقدمة.

فالتنمية الحقيقية والعدالة المجالية لا تتجزأ؛ فلا يمكن الاعتماد على دكالة كدرع غذائي واقتصادي للبلاد، وفي نفس الوقت حرمان أبنائها ونخبها من تبوء مواقع القرار للمساهمة في صياغة السياسات العمومية. إن تصحيح هذا الخطأ التاريخي يتطلب وعياً حزبياً ومؤسساتياً بأن تمثيل الأقاليم المنتجة في الحكومة ليس ترفاً سياسياً، بل هو استحقاق وطني وعدالة مجالية تفرض نفسها بقوة.