حين عيّن جلالة الملك نصره الله السيدة فاطمة الزهراء المنصوري رئيسةً للحكومة بمقتضى الفصل 47 من الدستور، في سابقة هي الأولى لامرأة في هذا المنصب بالمغرب، انصرف أغلب التعليق إلى رمزية الحدث، وهي رمزية مستحقة لا ينكرها أحد، غير أن من يشتغل بالقانون الجنائي يدرك أن الحكومات لا تُمتحن بالرموز، وإنما بما تصنعه في الميدان الذي يمس الحرية والكرامة مباشرة، وفيه تظهر جدّيتها أكثر مما تظهر في أي ورش آخر.
والذي أراه أن الحكومة الجديدة لا تبدأ من فراغ، فقد ورثت منظومة جنائية شهدت في ظرف وجيز نصوصاً كبرى دخلت حيز التنفيذ، وما كان لها أن تكتفي بالاحتفاء بها، لأن العبرة في القانون الجنائي بما يجري في المحاكم ومراكز الشرطة والمؤسسات السجنية، لا بما يُنشر في الجريدة الرسمية.
وأول هذه النصوص القانون رقم 03.23 المعدِّل للمسطرة الجنائية، الذي دخل حيز التنفيذ في 8 دجنبر 2025 بعد ثلاثة أشهر من نشره، وقد حمل في طياته مكاسب لا يجوز التقليل منها، فهو يشدد شروط الوضع تحت الحراسة النظرية، ويضيّق من الاعتقال الاحتياطي، ويلزم بتعليل قرارات الإيداع بالسجن، ويحدث مرصداً وطنياً للإجرام يُنتظر أن تُبنى السياسة الجنائية على معطياته، غير أن هذه كلها وعود نصية، ولا يعلم أحد بعدُ ما آلت إليه في الواقع، لأن الأشهر القليلة التي مرّت لا تكفي لتقييم نص بهذا الحجم، ومن هنا فإن أول ما يُطلب من الحكومة أن تنجز تقييماً معلناً لأثره على أرقام الاعتقال الاحتياطي وعلى حضور الدفاع في مرحلة البحث التمهيدي.
ولا يستقيم الحديث عن هذا القانون دون التوقف عند الجدل الذي رافقه، فقد صدر دون أن يُحال على المحكمة الدستورية، رغم مطالبة هيئات حقوقية بذلك للتحقق من دستورية بعض مواده، وفي مقدمتها المادتان الثالثة والسابعة، والمادة الثالثة تحديداً تستوقف الباحث، لأنها حصرت تحريك الدعوى العمومية في جرائم المال العام بيد الوكيل العام للملك لدى محكمة النقض، بناءً على إحالة من المجلس الأعلى للحسابات أو تقرير من المفتشية العامة للمالية، وهو تقييد يمس في نظري بمبدأ ملاءمة المتابعة، ويضيّق على المجتمع المدني أفق الدفاع عن المال العام، ويطرح سؤالاً أعمق عن موقع النيابة العامة في الحكامة الجنائية، وهو سؤال آن أوان طرحه بهدوء بعيداً عن ضغط اللحظة.
أما القانون رقم 43.22 المتعلق بالعقوبات البديلة، الذي دخل حيز التنفيذ في 22 غشت 2025، فقد أتاح للمحكمة أن تستبدل الحبس في الجنح التي لا تتجاوز عقوبتها خمس سنوات بالعمل لأجل المنفعة العامة أو المراقبة الإلكترونية أو الغرامة اليومية أو تقييد بعض الحقوق، وتدل الحصيلة الأولى على أن القضاء استأنس بالآلية، إذ بلغ عدد العقوبات البديلة المحكوم بها نحو ألف وأربعمائة في الأشهر الأولى، منها ستمائة وستة وعشرون غرامة يومية وأربعمائة وستة وستون عقوبة عمل لأجل المنفعة العامة، لكن الأرقام تسكت عما هو أهم، أي نسبة ما نُفّذ فعلاً، وقدرة الإدارة على تتبع المحكوم عليهم في ظل قلة فضاءات الاستقبال، وكلفة المراقبة الإلكترونية ومن يتحملها، وقد صدر في مارس 2026 قرار مشترك يحدد سقف مصاريف تدبير القيد الإلكتروني، وهي مسألة تمس مبدأ المساواة أمام العقوبة إن لم تُضبط، إذ لا يجوز أن يتحول البديل إلى امتياز لمن يقدر على أدائه.
ويبقى النص الغائب الحاضر، أي مجموعة القانون الجنائي ذاتها، التي ترجع إلى سنة 1962 وظلت تتلقى التعديلات الجزئية عقوداً، وقد عرفنا محاولة إصلاحها الشامل في مشروع القانون رقم 10.16، الذي أُحيل على مجلس النواب في يونيو 2016 وبقي مجمداً في لجنة العدل والتشريع لعدم التوافق على مقتضياته، ثم سُحب بعد ذلك، وكان أبرز ما أخّره تجريم الإثراء غير المشروع، إذ احتج وزير العدل حينها بتعارضه مع قرينة البراءة، وهي حجة تستحق النقاش الجاد لأنها تمس سؤالاً معروفاً في الفقه المقارن عن حدود نقل عبء الإثبات في المادة الجنائية، لكنها لا تكفي لتبرير الجمود، فالمغرب صادق منذ 2007 على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، وأمامه صياغات تشريعية متعددة لا تُخلّ بقرينة البراءة، ومعنى ذلك أن الحكومة الجديدة لا تملك عذر الصعوبة الفقهية، وعليها أن تحسم هل تريد هذا التجريم وبأي صياغة.
ومن ثم فإن الاختبار الحقيقي للحكومة يقع عندي في ثلاث مسائل، أولاها الاستقرار التشريعي، فقد عرف الميدان الجنائي في سنوات قليلة نصوصاً كبرى متلاحقة، وما يحتاجه القضاة والمحامون وضباط الشرطة القضائية هو التكوين والتفسير والتنزيل لا تعديل مستعجل جديد، وثانيتها الصدق في الأرقام، فالسياسة الجنائية التي لا تنشر مؤشراتها تبقى خطاباً، والمرصد الوطني للإجرام ينبغي أن يصير مصدر معطيات متاحاً للباحثين لا بنية إدارية مغلقة، وثالثتها التمسك بالضمانات الدستورية حين تتعارض مع الاستعجال السياسي، فالتجربة علّمتنا أن النصوص التي تُمرَّر دون عرضها على القضاء الدستوري تعود يوماً إلى طاولة النقاش بكلفة أعلى.
ويبقى سؤال الأولويات، فالثقة في العدالة جزء لا ينفصل عن الثقة في المؤسسات عموماً، والحكومة التي تدرك ذلك تعلم أن الإصلاح الجنائي ليس ملفاً تقنياً يُترك للخبراء، ورئيسة الحكومة محامية بالتكوين، وتعرف من قاعات المحاكم كيف تُقرأ النصوص في الواقع قبل أن تُقرأ في الجريدة الرسمية، وما نرجوه أن يتحول هذا المسار الشخصي إلى خيار حكومي، فيوضع الإصلاح الجنائي في صلب العمل الحكومي بأرقام وآجال وتقييم، لا في هوامشه.
فالتاريخ لا يقيس الحكومات بعدد القوانين التي سنّتها، وإنما بما إذا كان من دخل بوابة العدالة قد خرج منها، بريئاً كان أو مداناً، وهو يشعر أنه عومل بالقانون.