رجال النيابة العامة.. حراس الشرعية وصُنّاع الثقة القضائية
منتدى العمق

رجال النيابة العامة.. حراس الشرعية وصُنّاع الثقة القضائية

«إن النهج القويم للإصلاح يرتكز على ترسيخ ثقة المواطن في سيادة القانون والأمن القضائي».

– مقتطف من خطاب صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، بمناسبة الذكرى التاسعة لعيد العرش، سنة 2008.

في قلب منظومة العدالة المغربية، يضطلع الوكلاء العامون للملك ووكلاء الملك لدى مختلف محاكم المملكة بمسؤولية قضائية دقيقة، تتجاوز حدود تدبير الملفات والمحاضر والشكايات، لتمتد إلى حماية الحق العام، والسهر على التطبيق السليم للقانون، والمساهمة في تنفيذ السياسة الجنائية للدولة، بما يصون الحقوق والحريات، ويحفظ النظام العام، ويعزز ثقة المواطن في المؤسسات القضائية. ومن المؤكد أن هذه الرسالة، بما تنطوي عليه من أمانة دستورية ومسؤولية مهنية، تستوجب استحضار الجهود التي يبذلها قضاة النيابة العامة في مواجهة التحديات اليومية، وفي مقدمتها تزايد القضايا وتنوع صور الجريمة واتساع انتظارات المجتمع بشأن العدالة والإنصاف.

إن الإشادة برجال النيابة العامة تنطلق من تقدير الوظيفة التي يضطلعون بها داخل البناء المؤسساتي للدولة، باعتبارهم من الفاعلين الأساسيين في حماية الشرعية القانونية، وتحريك الدعوى العمومية وممارستها وفق الضوابط المقررة، والتفاعل مع المحاضر والشكايات بما يقتضيه القانون من تدقيق وتمحيص وتقدير مسؤول للوقائع. فالقاضي الذي يمارس مهامه داخل النيابة العامة يتحمل أمانة تتطلب اليقظة وسرعة الاستجابة، كما تستوجب منه التمييز بين الادعاء وما يسنده من أدلة، وبين الاشتباه وثبوت المسؤولية، مع استحضار قرينة البراءة وضمانات الدفاع وحقوق جميع الأطراف.

ومن هذا المنطلق، يشكل التجرد والموضوعية والنزاهة واحترام أخلاقيات المهنة ركائز جوهرية في العمل القضائي، إذ إن الثقة في العدالة تتعزز حين يجد المواطن مؤسسات تتعامل مع الوقائع وفق القانون، وتستقبل الشكايات بالجدية اللازمة، وتباشر الأبحاث والإجراءات في نطاق الاختصاص، بعيداً عن الاعتبارات الشخصية أو المؤثرات الخارجة عن الضوابط القانونية. كما أن الحكامة القضائية الرشيدة تقتضي حسن تدبير الملفات، واحترام الآجال، وترشيد استعمال الموارد، وتجويد التواصل المؤسساتي، وربط المسؤولية بالمحاسبة، بما يجعل النجاعة القضائية مرتبطة بجودة الإجراءات واحترام الحقوق، لا بمجرد سرعة الإنجاز أو كثرة الملفات المعالجة.

وقد وضع دستور المملكة إطاراً واضحاً لهذه المسؤوليات، إذ ينص الفصل 110 على وجوب تطبيق قضاة النيابة العامة للقانون، والتزامهم بالتعليمات الكتابية القانونية الصادرة عن السلطة التي يتبعون لها، فيما يؤكد الفصل 117 مسؤولية القضاء عن حماية حقوق الأشخاص والجماعات وحرياتهم وأمنهم القضائي وتطبيق القانون. وتتعزز هذه المقتضيات بما يقرره النظام الأساسي للقضاة من واجبات مهنية، وفي مقدمتها احترام مبادئ وقواعد مدونة الأخلاقيات القضائية. وهي مرجعيات تجعل الاستقامة المهنية والتجرد والانضباط القانوني عناصر أساسية في أداء الرسالة القضائية، وتمنح ثقة المواطن أساسها الدستوري والمؤسساتي.

وعلى المستوى العملي، تكشف حصيلة عمل النيابات العامة عن حجم المسؤوليات الملقاة على عاتق قضاة هذه المؤسسة. فقد أورد التقرير السنوي لرئاسة النيابة العامة برسم سنة 2024 إنجاز ما مجموعه 7.940.098 إجراء على صعيد مختلف النيابات العامة، بمعدل بلغ 7.635 إجراء لكل قاضٍ، أي ما يزيد على 28 إجراء يومياً. وتعكس هذه الأرقام حجم العمل اليومي المتواصل، وما يتطلبه من تركيز ودقة في دراسة الملفات، وتتبع الأبحاث، ومعالجة الشكايات، وممارسة الاختصاصات القانونية، فضلاً عن مواكبة مختلف القضايا المرتبطة بحماية الحقوق والحريات ومكافحة الجريمة وصون النظام العام.

ولأن الأمن العمومي وسيادة القانون وجهان متكاملان للاستقرار المؤسساتي، فإن دور النيابة العامة يبرز كذلك في الإشراف القانوني على أعمال الشرطة القضائية، وتتبع الأبحاث في حدود الاختصاصات المقررة، والتفاعل مع الأفعال التي قد تمس سلامة الأشخاص وممتلكاتهم، والتصدي للجرائم التي تهدد أمن المجتمع أو تنال من الثقة في المؤسسات. ويظل هذا الدور مرتبطاً بالتوازن الدقيق بين فعالية إنفاذ القانون وضمان الحقوق الأساسية، حتى تؤدي السياسة الجنائية أهدافها في الوقاية والزجر، ضمن دولة الحق والقانون، وبما ينسجم مع مبادئ المحاكمة العادلة وقرينة البراءة.

كما أن تحقيق العدالة الناجعة يقتضي تعاوناً مؤسساتياً منضبطاً بين النيابة العامة والشرطة القضائية وباقي مكونات منظومة العدالة، مع وضوح المسؤوليات واحترام الاختصاصات القانونية لكل جهة. فالحكامة في هذا المجال تقوم على التنسيق الفعال، والتتبع المستمر، وتبادل المعطيات وفق الأطر القانونية، والبحث عن حلول عملية للإكراهات التي تواجه الممارسة القضائية، إلى جانب تطوير الكفاءات وتعزيز التكوين والارتقاء بأساليب التدبير. ومن ثم، فإن نجاح السياسة الجنائية يرتبط بتكامل الأدوار، وجودة القرارات والإجراءات، ومدى قدرتها على الجمع بين حماية المجتمع وصيانة الحقوق الفردية.

وإذا كان إصلاح القضاء ورشاً مؤسساتياً متواصلاً، فإن رجال النيابة العامة يشكلون أحد مكوناته الأساسية، بما يتحملونه من مسؤولية في تنزيل المقتضيات القانونية وتحويلها إلى ممارسة يومية تحفظ الحقوق وتواجه الجريمة وتكرس مبدأ المساواة أمام القانون. ومن هنا، تكتسب الأخلاقيات المهنية معناها العملي حين تقترن بالاستقامة في أداء الواجب، والحرص على المصلحة العامة، واحترام كرامة المتقاضين، والتعامل المسؤول مع مختلف القضايا، مع بقاء التقييم الموضوعي للأداء قائماً على الوقائع والمعطيات والآليات القانونية والمؤسساتية المقررة.

إن رجال النيابة العامة، في مختلف محاكم المملكة، يضطلعون برسالة تتطلب الحزم في تطبيق القانون، والحكمة في تقدير الوقائع، والصرامة في مواجهة الجريمة، والحرص الدائم على ضمان الحقوق والحريات. وهي معادلة دقيقة لا يستقيم أحد أطرافها دون الآخر؛ لأن قوة العدالة تقاس بقدرتها على حماية المجتمع، وصيانة حقوق أفراده، وإشاعة الطمأنينة القانونية، وترسيخ الثقة في المؤسسات.

وبذلك، فإن تقدير الجهود التي يبذلها قضاة النيابة العامة يظل تقديراً لرسالة وطنية محورية في بناء دولة الحق والقانون، ورسالة تستمد مشروعيتها من الدستور، وقوتها من النزاهة والتجرد، ونجاعتها من الحكامة وحسن التدبير، وغايتها من خدمة المواطن وحماية المجتمع، في ظل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، الذي جعل إصلاح القضاء وتحديثه وتخليقه وترسيخ استقلاله ضمن الأوراش الكبرى لبناء مغرب المؤسسات والحقوق وسيادة القانون.